الشارع المغاربي – وعدنا الى تداخل الدولة مع الحزب الحاكم/ بقلم: خليل بن عبد الله

وعدنا الى تداخل الدولة مع الحزب الحاكم/ بقلم: خليل بن عبد الله

26 يناير، 2018

الشارع المغاربي: الأكيد أن جميعنا يتذكر جيدا  قرار رئيس الحكومة الباجي قائد السبسي سنة 2011 بمنع أعضاء حكومته من الترشح لانتخابات 23 أكتوبر 2011 وقتها إلا بالإستقالة منها. وحده أحمد نجيب الشابي فضّل الإستقالة

ولكن اليوم، ورغم استثناء وزراء السيادة وهو استثناء محمود، يثير تكليف حزب نداء تونس وزرائه في الحكومة ووزرائه المستشارين في رئاسة الجمهورية كمنسقين جهويين لإعداد قائماته للإنتخابات البلدية المقبلة لغطا وردود أفعال رافضة لهذا التمشي وخشية كبيرة أولا من ترشح هؤلاء للإنتخابات االبلدية ومن تداخل الصلاحيات بين الأحزاب الحاكمة وبين الدولة …. ونتيجة لذلك استغلال النفوذ والإمكانات المادية والسلطوية والإعلامية لأجهزة الدولة في الحملات الإنتخابية مما قد يؤثر على نزاهتها ومصداقيتها

لهذه المسألة مبدأ واستثناءات.

من حيث المبدأ  فإنه لا وجود لنصّ قانوني في تونس أو خارجها يمنع ذلك صراحة. لا الدستور ولا القانون الدولي ولا قانون الأحزاب ولا أيضا القانون الانتخابي. بل يتعلق الأمر بتواصل ارتباط أعضاء الحكومة بالأحزاب التي أوصلتهم إلى مناصبهم والتي لولاها لما تمكنوا من ذلك مطلقا حتى أننا شهدنا من حين لآخر توزير نكرات لا أحد يتذكرهم اليوم وكأنهم لم يكونوا. لذلك فإن من حق أي وزير، من ناحية مبدئية، وفي أيّة حكومة الدعاية لقائمات حزبه انتخابيا والانخراط في إعداد معاركه الانتخابية وإلا فلا معنى لانتمائه إلى الحزب الذي أوصله إلى ذلك. ولكن وفق أي شروط؟الشروط تتعلق بما سميناه استثناءات.

استثناءات هذا المبدأ أو هذه الشروط تجد مرجعيتها في نصوص دولية وأخرى وطنية. النصوص الدولية ودون الإسهال في تفاصيلها هي الفقرة 2 من المادة 25 من المعهد الدولي لحقوق الإنسان التي تنص على وجوبية أن تكون الانتخابات عادلة ونزيهة وتؤكد على أن اشتراط العدالة في الانتخابات ضمانة هامة ضد تعسف الحكومات والأحزاب الحاكمة أثناء العملية الانتخابية كاللجوء إلى تسهيل انتخاب بعض المرشحين مما يناقض مقتضيات العهد. أما النصوص الداخلية ودون المبالغة في التفاصيل كذلك فهي الدستور  وبالخصوص منشور رئيس الحكومة بتاريخ 5 أكتوبر 2017 الذي ذكرت به هيئة الانتخابات.

ولئن تعالت الأصوات منددة بهذا القرار، أي قرار حزب نداء تونس تعيين وزرائه في الحكومة منسقين جهويين لإعداد قائماته في الانتخابات البلدية المقبلة ومطالبة هيئة الانتخابات بالتصدي له، فإن هذه الأخيرة وجدت مخرجا لها في التذكير بمنشور رئيس الحكومة الذي ينصص على وجوب حياد الإدارة ومنع توظيف إمكانات ووسائل الإدارة لخدمة الدعاية الانتخابية. إعادة تذكير هيئة الانتخابات بهذا المنشور وضعت رئيس الحكومة وجها لوجه مع الحزب الذي أتى به هو نفسه رئيسا للحكومة ومع قرار الحزب بتكليف وزرائه في نفس الحكومة أيضا كمنسّقين جهويين في الانتخابات البلدية.

ليس من اليسير على فاعل سياسي بني وجدانه وعقله تراثيا على أن من يحكم يملك الأرض ومن عليها أن يميز بسهولة بين وظيفة الحكم, وظيفة إشراف على مرفق عام فوضه لها الناخبون وبين الحزب الذي أوصله إلى السلطة. الشعور اللاواعي بمنطق الغنيمة الموروث تاريخيا هو المحرك الرئيسي لهذا السلوك حتى وإن كانت هذه الأحزاب ترفع شعار الحداثة على غرار نداء تونس.

ولئن فكّر المشرّع في تونس في العطل مدفوعة الأجر للمترشحين للانتخابات، فإنه يغيب عنه أن أجور الوزراء هي مقابل القيام بمهامهم العمومية كمشرفين على مرافق عامة تتوجه بخدماتها إلى كل التونسيين وليس بصفتهم أعضاء أحزاب. فالقيام بالدعاية لحزبهم ولو كان على نفقتهم الخاصة وبسياراتهم الخاصة وببنزين من أموالهم الخاصّة إنما هو مجهود مأخوذ من وقت مدفوع الأجر من دافع الضرائب يُفترض فيه التفرغ لوظيفة عامة كُلّف بها. والحل هو في استقالتهم من وظائفهم مع انطلاق الحملات الانتخابية وقطع رابطتهم بالمال العام وبالسلطة العامة واقتصارهم على تصريف أعمال المرافق التي يشرفون عليها.

أما على أرض الواقع، فلنتخيّل معا عازف العود الرقيق وزير الثقافة محمد زين العابدين في اجتماع شعبي يمارس دعاية لقائمة انتخابية يرأسها برهان بسيس المكلف بالسياسات في نداء تونس؟ ماذا عساه يقول؟ وماذا عساه يسوق؟ كيف سيكون خطابه المدافع والتسويقي؟ وأي خصال أو برامج انتخابية سيقدم لها؟

على أن ما ينسحب على نداء تونس ينسحب بالضرورة على حزب حركة النهضة شريكه في الحكم وإن كان لم يعلن إلى الآن عن قائمة وزرائه ودورهم في الانتخابات البلدية المقبلة. لا يكون تأصيل الديمقراطية إلا بفصل أحزاب السلطة عن إمكانات الدولة وتراث الغنيمة.


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING