الشارع المغاربي – هل يمكن إنقاذ نداء تونس ؟ / بقلم : عبد العزيز المزوغي

هل يمكن إنقاذ نداء تونس ؟ / بقلم : عبد العزيز المزوغي

21 يونيو، 2018

الشارع المغاربي : أمازال بالإمكان انقاذ نداء تونس هذا الحزب الذي أسس سنة 2011 في عملية انقاذ لا مثيل لها فنما بسرعة مذهلة ليصبح الحزب الأول في البلاد خلال مدة قصيرة ؟ الا ان عدم فوز هذا الحزب بالأغلبية المطلقة في الانتخابات التشريعية لسنة 2014 جرصاحب الباتيندةالى إدارة الظهر لمنتخبيه ونكث وعوده الانتخابية والتحالف مع عدو الامس بمباركة وتهليل الاعلام السمعي البصري والمكتوب وذلك رغم المعارضة الشديدة الذي لقيها هذا التمشي من قبل هياكل الحزب باعتبار ان المكتب التنفيذي لنداء تونس  صوت وبأغلبية ساحقة ضد تشريك الإسلاميين في السلطة.

وتشكل هذه الواقعة الانحراف الرسمي الأول بالمسارالتصحيحيلأنها بينت بوضوح ان رئيس الحزب لا يعتد الا بنفسه وكأن لسان حاله يقولالحزب هو انا“. كما بينت هذه المرحلة بشكل واضح وجلي ان البطانة التي اختارها رئيس الحزب لنفسه مستعدة لكل التنازلات للمحافظة على مواقعها فشاهدنا بكل اندهاش ,على سبيل المثال, الطيب البكوش وبوجمعة الرميلي المحسوبين على اليسار في حركة نداء تونس، يتحركان بكثافة وعلى الملأ لتكوين حكومة ندائية إسلامية يترأسها الحبيب الصيد المستشار السابق لحمادي الجبالي.

انبطاح القيادات الكبرى بنداء تونس امام القرارات الغريبة والتي أسست للاستفراد بالقرار السياسي والعملي ليس بجديد اذ لم يحرك أحد من القياديين الندائيين سابقا ساكنا لما فرض الباجي قائد السبسي على قيادات الحزب محمد الغرياني أو لما قرر تسمية محمد الناصر رئيسا للحزب.

لقد بينت هذه المرحلة من حياة الحزب انالديوان السياسيالمنتخب جزئيا والذي حبكت خيوط تركيبته المنتخبة في قصر قرطاج عاجز عن تغيير مجريات الأمور بصفة أصبح معها المنتخبون الجدد والمناهضون لنجل الرئيس امثال بعض النقابيين والمستقلينوالدساترةيناورون مع ولفائدة بطانة حافظ قائد السبسي تحت اشرافالمتصرف الأولمحمد الناصر.

اليوم تطفو على السطح، بعد التصريحات النارية التي جاءت للأسف الشديد متأخرة، الخلافات العميقة التي تشق نداء تونس بعد الاستيلاء عليه من قبل مجموعة تعتبر انها عثرت على كنز لكن هذا الكنز لا يحتوي سوى على  نقود مزيفة وصياغة فالصو“.

في أزمة الحزب وجذورها

لا يمكن فهم ازمة البلاد اليوم والمأزق الذي آلت اليه الحكومة دون التعمق في الازمة المتواصلة التي عرفها حزب نداء تونس منذ انبعاثه سنة 2011.

  لقد كان حزب نداء تونس عند تأسيسه سنة 2011 بمثابة تجمهر وطني لكل القوى التي أخفقت في العقود الفارطة في مناهضة السلطة القائمة من يساريين ونقابيين ومستقلين التحق بهمالمخلوعون الجددمن اتباع بن علي فأصبحت هذه الحركة في قياداتها شبه مخيم للاجئين السياسيين لا تربط افراده أي علاقة افقية, تطلعهم الوحيد هو ربط علاقات عمودية مع مدير المخيم للاقتراب من دائرة السلطة والنفوذ والامتيازات الآنية او المرتقبة فكان تبعا لذلك شعار المرحلة الأولى ( قبل انتخابات 2014) الولاء المطلق للقائد وللمقربين منه مع التخلص قدر المستطاع من المنافسين.

وجد هذا التمشي العام، رغم رداءة باعثيه وقصر افقهم الفكري والسياسي وضعف طموحاتهم، صدى كبيرا لدى الجماهير العريضة أوصل الحزب الى انتصارين انتخابيين هامين في تشريعية ورئاسية سنة 2014.

وبعد الاستحقاقات الانتخابية التي حقق فيها نداء تونس انتصارا نسبيا كان من المحتمل ان يكون أوسع لولا العشوائية المطلقة والصراعات التي رافقت اعداد القائمات لخوض المعركة الانتخابية، كان من المفروض ترتيب البيت وبناء حزب قوي يمكن من مساندة الحكومة في مجهود بيداغوجي وتعبوي قوي خاصة ان قائد الحزب قرر بصفة أحادية الجانب انتهاج طريق التوافق التي لا تستجيب الى طموحات منتخبيه ومناصريه.

على عكس ذلك فان القوى المدبرة والمدمرة في الدائرة الأولى للحزب قررت اتباع نهج التوريث وهذا طبيعي وقد تسامح الباجي قائد السبسي او غض الطرف عن استعمال البطش والعنف لفرض إرادة نجله على الهياكل الشرعية الوقتية للحزب وليس ما وقع في الحمامات من اعتداء سافر وعلني على أوسع هيكل للحزب (المكتب التنفيذي) بقيادة انفار يعرف القاصي والداني  قربهم من السلطة ومن حافظ قائد السبسي الا دليلا واضحا على إرادة فرض الامر الواقع بالقوة. وكالعادة ورغم وضوح المشهد فإن بعضالمعارضيناليوم لنجل الرئيس أمثال خميس كسيلة أرادوا تبرير العنف وشككوا في مصدره دون أي خجل وبكل وقاحة.

ورغم كل محاولات التبرير هذه والهروب الى الامام فإنّ هذه الحقبة من تاريخ الحزب أحدثت تصدعا كبيرا داخله واعطت لكل من هبّ ودبّ من اعدائه الفرصة للتدخل في شؤونه كما أعطت لأصحاب الطموحاتالبرلسكونيةالفرصة لفتح النار على الحزب فكانت تلك الليلة المشؤومة التي عرض فيها صاحب قناة نسمة الفريق الموالي لحافظ قائد السبسي وللنهضة بقيادة عبد العزيز القطي وخميس كسيلة في استعراض رخيص يندى له الجبين.

وفي كل المناسبات تتجلى بكل وضوح انتهازية قيادات نداء تونس. فبعد انسلاخ محسن مرزوق من الحزب، لتأسيس حزب جديد يستفرد فيه هو بسلطة القرار وبعد عجزه عن توحيد صفوف من يريدون انقاذ الحزب، تم اخرج يوسف الشاهدالذي لم يكن يعرفه احد في ذلك الوقتمن قبعة الساحر العجيب كرئيس  للجنة الــ 13 التي تضم ثلة من الانتهازيين الذين غضّوا الطرف عن الانتهاكات والمهازل ليقترحوا على ما تبقى من الحزب مؤتمر سوسة الذي مكن من عودة كل الانتهازيين الى ديارهم فرحين مسرورين خاضعين للأمر الواقع ومصادقين على حل دبر بليل.

ولم تفلح هذه العملية بالطبع في إعادة ترتيب البيت واقتسامالكعكة، رغم التنازلات التي قدمت لحافظ قائد السبسي، فبعثرت الأوراق من جديد وتتالت الحلقات الهزلية التي كان آخرها انهزام نداء تونس في ألمانيا رغم مساندته السلبية من طرف حركة النهضة دون اغفال الهزيمة النكراء التي مني بها في الانتخابات البلدية والتي بينت خسارته أكثر من مليون ناخب.

رغم ذلك تواصلت التصرفات المزرية لقيادات نداء تونس ومن ابرزها تلك المعارضة المعلنة لخط حافظ قائد السبسي مع محاولة الإبقاء على علاقة طيبة ولو كانت علاقة تبعية لرئيس الدولة.

هذا بطبيعة الامر غير ممكن لأن الباجي قائد السبسي، بصفة اختيارية وقسرية، لم يكف عن مناصرة نجله في كل المراحل رغم اجماع زائريه على ضرورة ابعاده لتنقية الأجواء السياسية في البلاد وما فشل مجموعة الـ 52 التياغتالهاببرودة دم كبيرة وبدهاء  بعض المشرفين عليها أمثال عفيف شلبي ومحمود بن رمضان وزهرة ادريس الا دليلا قاطعا على ازدواجية خطاب هذه المجموعات وقلة شجاعتها وهرولتها المتواصلة لإرضاء رغبات الباجي قائد السبسي أو على الأقل تلافي قطع جسور الحوار معه.

يعتبر الباجي قائد السبسي ان نجلهمقتدروانه أفضل من بعض قيادات نداء تونس، وهذا صحيح الى حد ما، ولكن الطريقة الذي اختارها وفرضها رئيس الحزب المنصب حافظ قايد السبسيالتي تعتمد البطش والمرور بقوة تسيء لأبيه وللبلاد ولا تمكنه باي حال من الأحوال من الوصول الى الهدف المنشود.

الشاهد وانقاذ ماء الوجه

في هذه الأجواء الموبوءة استيقظ يوسف الشاهد متأخرا وفي وضعية ضعف متناه ليحيطنا علما بما كان يعلمه الجميع وبما يدور من حديث في كل الحلقات الخاصة والعامة وبأن حافظ قايد السبسي ارهق الحزب وقضى عليه قضاء مبرما فلماذا لم يتخذ وهو رئيس حكومة نداء تونس التدابير اللازمة لإنقاذ الحزب قبل فوات الأوان؟ ولماذا لم يجاهر بما قال في الأيام الاخيرة عندما كان الحزب يتحفنا كل يوم بحلقة جديدة من حلقات تدحرج نداء تونس الى الجحيم؟ ومن ناحية أخرى  ما هو السند الحالي ليوسف الشاهد وقد دخل في خصام عنيف معحزبه؟ ولماذا لم تصدر عنه منذ توليه مقاليد الحكومة أية إشارة عن قلقه ازاء وضع نداء تونس والدولة؟. الحقيقة بسيطة ومفزعة في نفس الوقت: يوسف الشاهد رغم صغر سنه وحداثته بالسياسة والسلطةكي لخرينوكبقية الوزراء والسياسيين والنخب التونسية على مدى العصور لا يهمه الا البقاء في السلطة ولو مهتزا ومخذولا من الجميع. فكيف سينجح في مهمة فشل فيها وهو مسنود على الأقل نظريا من الأحزاب الكبرى بعد خلافه الكبير مع الحزب الذي رشحه للسلطة؟

لا يمكن ليوسف الشاهد ان ينقذ ماء الوجه ويصبح رجلا سياسيا بذاته ولا بالتبعية الا بعد الاستقالة. إذا كان الشاهد يعتبر أن بقاءه في السلطة وتصعيد اللهجة بصفة متأخرة جدا قد يجعل منه رجلا سياسيا من الدرجة الأولى فهو واهم.

يتململ الجمهور العريض في البلاد ويتأرجح بين الرغبة في احياء الامل الذي بعثه نداء تونس سنة 2014 والذي هوى كأوراق الخريف بسرعة مذهلة وبين محاولة ايجاد بديل يحل محل نداء تونس ويصلح ما اعوج في المنظومة الحزبية والمؤسساتية الحالية. وبينما يرى معظم المهتمين بالشأن العام انه من الصعب جدا إعادة بناء نداء تونس بالطرق التقليدية رغم عودة بعض الوجوه المستهلكة الفاشلة للترشح من جديد لقيادة هذه المرحلة ولمناصب أخرى أمثال الطيب البكوش الذي يريد ان يوهمنا بانه سينجح اليوم في ما فشل بالأمس  فانه لا يمكن في تقديرنا استغلال البصيص من الامل المتبقي لإنقاذ نداء تونس وإرجاع الثقة لمناضليه إلا عبر انتخابات حرة ومباشرة من طرف قواعده على أساس من التحق بهذا الحزب زمن المحنة أي قبل 2014 والاعداد لانتخابات مباشرة قبل نهاية السنة لتجديد الهياكل على مختلف المستويات (رئاسة الحزب، المكتب السياسي، المكتب التنفيذي والتنسيقيات المحلية والجهوية) في يوم واحد وعلى كامل تراب الجمهورية. هذا الحل الذي اقتُرح من قبل على رئيس الجمهورية ولم يلتفت اليه أصبح الطريق الوحيد لتجنب ذوبان الحزب واندثاره ورجوع البلاد الى المربع الأول، مربع المجهول.

لقد فقد الباجي قائد السبسي نتيجة انحيازه الاعمى لنجله مهما كانت أسبابه دور الحَكم ولا يمكنه الخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه الا باتخاذ اجراءات موجعة جدا تقطع مع تكتيكات الماضي وترقيعاتالحاضر ورغم ان المساحة السياسية المتوفرة لإنقاذ نداء تونس تضاءلت الى حد الاضمحلال فإنّ مصلحة البلاد تقتضي ان يبعث من جديد حزب حداثي وديمقراطي يملأ الفراغ الذي خلفته الممارسات الحمقاء لقيادة نداء تونس ويبعث الامل من جديد في انقاذ البلاد والمسار الديمقراطي معا.


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING