الشارع المغاربي – مرشح للتأزم : تواطؤ برلماني لنسف مشروع قانون المساواة في الميراث ! بقلم - معز زيود

مرشح للتأزم : تواطؤ برلماني لنسف مشروع قانون المساواة في الميراث ! بقلم – معز زيود

13 مارس، 2019

الشارع المغاربي : كشفت بشرى بلحاج حميدة رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة مؤخرا، ولو بلغة “دبلوماسيّة”، ما يتردّد لِمامًا في “الكواليس” حول سعي جهابذة البرلمان إلى قبر مشروع قانون المساواة في الميراث. “تواطؤ برلماني من أجل نسف هذا القانون”، عنوان نطرحه لتسمية تلك الممارسات الخفيّة بأسمائها، كشفًا لزيف شعارات الحداثة التي يروّجها بعضهم ولِما يحرّكها من خلفيّات…

مثلما تقول العبارة الشعبيّة السائدة أصبح “اللعب بالمكشوف” في مجلس نوّاب الشعب. ولذلك اضطرّت النائبة بشرى بلحاج حميدة لتحمّل مسؤوليّته في تحريك كتلة متضخّمة من الأوحال المتراكمة بشكل مقصود إزاء إفشال سنّ مشروع قانون أساسي عـ80دد لسنة 2018 المتعلّق بإتمام مجلّة الأحوال الشخصيّة المسمّى اختزالا بمشروع قانون المساواة في الميراث. فقد كشفت بلحاج حميدة بعض معالم هذا التواطؤ المتعمّد، وأشارت في عدد من التصريحات الصحفيّة، لا فقط إلى عدم تحمّس نواب لجنة الصحّة والشؤون الاجتماعيّة التي تشغل عضويتها لمشروع القانون المذكور، بل أيضا أنّ اللجنة لا تعتبره من أولويات عملها. وهو ما جعل اللجنة تمتنع أصلا عن ضبط رزنامة واضحة لجلسات مناقشة مشروع القانون.

لا يؤمنون بحقوق المرأة!
ما يحدث في لجنة الصحّة والشؤون الاجتماعيّة إزاء مشروع قانون المساواة في الميراث ليس مجرّد تباطؤ يعود إلى الانشغالات الأخرى للجنة أو حتّى لفقدانها أدنى درجات الحِرفيّة وغوصها في البيروقراطيّة التي تعود إلى غياب الكفاءة. الأمر يبدو أخطر من ذلك لأنّه يعكس سياسة منهجيّة تحول دون مضيّ اللجنة في القيام بواجبها التشريعي المذكور، بعد أن أضحت تنظر إلى ضمنيا بوصفه مجرّد “ورقة انتخابيّة”. وعليه فقد ولّى أعضاء اللجنة باختلاف ألوانهم، ومن ورائهم سائر نوّاب البرلمان، وجوههم عن مشروع القانون للانهماك في حسابات الربح والخسارة وفي حملات انتخابيّة سابقة لأوانها.
ومن دلالات غياب رزنامة واضحة لعمل اللجنة المذكورة حيال القانون المذكور أنّ رئيس اللجنة سهيل العلويني كان قد تعهّد يوم تقديم مشروع القانون إلى اللجنة بأنّ تنطلق مناقشته في مطلع العام الجديد وجعله آنذاك أولويّة أولوياتها، لأنّ جهد أعضاء اللجنة كان منصبا على مناقشة ميزانيّة الدولة. ومع ذلك تنكّر العلويني عمليّا للتعهّد الذي أخذه على عاتقه، وهو ما يجعله يتحمّل إلى جانب سائر أعضاء اللجنة مسؤوليّة إرجاء مناقشة مشروع القانون. وللإشارة فإنّ جلسات النقاش لم تنطلق إلاّ يوم 27 فيفري 2019، في حين قُدّم نصّ مشروع القانون رسميًا إلى البرلمان يوم 28 نوفمبر 2018 قبل إحالته آنذاك إلى اللجنة المذكورة.
والأكثر من ذلك أنّ هذه اللجنة كان يمكن تستمرّ في “تهرّبها” من البدء في أولى جلسات الاستماع لولا تكرار أسئلة رئاسة الجمهوريّة وتعدّدها عن موعد عقد أولى تلك الجلسات. وطبعا فإنّه بعد عقد هذه الجلسة اليتيمة ليس مستغربا إطلاقا أن يُوضع مشروع القانون في أحد أدراج مكتب اللجنة لتتراكم عليه الغبار. وهو ما يؤكّد تواطؤ رئيس اللجنة ومن يقف وراءه في الإبطاء المنهجي، لاسيما أنّه قد صرّح أنّ هذه العملية وما تتطلّبه من نقاشات واسعة قد تتطلب بعض الأشهر. وليس سرّا طبعا أنّ رئاسة الجمهوريّة إنّما تهدف إلى تحصيل مكاسب سياسيّة قد تستخدمها هي بدورها خلال المحطّة الانتخابيّة المقبلة لمحاولة جمع شتات “المليون امرأة” التي صوّتت للباجي قائد السبسي في الانتخابات السابقة.
ومع ذلك فإنّ لكلّ مقام مقال، فالاعتبارات السياسويّة لا ينبغي أن تحجب ما هو أهمّ منها وأعمق. ولنا أن نذكر فقط أنّ إنجازات الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في تكريس حقوق المرأة بقيت ولم ترحل معه. والحال أنّ بعض من يدعي الانتماء إلى “التيّار البورقيبي” ضالع بدوره في الحملة المناهضة لمشروع قانون المساواة في الميراث، حسب تصريح لبشرى بلحاج حميدة. فكيف والحال هكذا اللوم على من يشنّ مثل هذه الحملات داخل المساجد وفي أروقة بعض الجمعيّات غير المعترفة بمدنيّة الدولة التونسيّة؟!.
ومن المغالطات الفائقة ما يُروّجُ عن حرص اللجنة ورئيسها على انتهاج مسلك “الحياد والتجرّد” وعن اعتزامها دعوة مفتي الجمهوريّة للإدلاء بدلوه في هذا القضيّة إلى جانب مؤسّسات وشخصيات أخرى إلى ما لا نهاية له. ويعكس ذلك الإقرار بعدم استيعاب مرضي لمعنى “مدنيّة الدولة” الوارد في الفصل الثاني من الدستور، وممارسة سياسة النعامة إزاء الفصل 21 من الدستور القائل إنّ: “المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز”. ومن أقصى علامات النفاق السياسي أيضا القول بأنّ للجنة الصحّة “أولويّات” أخرى أهمّ من الانكباب على هذا القانون. وهو ما يجسّد في نهاية المطاف لا فقط غياب رزنامة عمل لدى اللجنة وإنّما خصوصا تذبذب الخيارات وغياب الإيمان العميق بمبادئ الدولة المدنيّة وقيم المواطنة والمساواة الفعليّة. فأيّة أولويات هذه تسبق إعطاء نصف المجتمع حقّه المسلوب منه طيلة قرون؟.
ومن الضروري الانتباه إلى أنّ “منطق الأولويّات” هذا إنّما يُخفي وراءه أجندات سياسيّة أو أيديولوجيّة تُروّج لهذه المزاعم من أجل تأبيد الأوضاع السائدة المكرّسة للتمييز في أفظع مقوّماته والإبقاء على آلياته الموروثة. فحقوق المرأة تبقى قضيّة مركزيّة ومحوريّة وأساسيّة في تطوير البنى المحافظة للمجتمع التونسي ومقاومة ممارسات التمييز الذي تُكبّله باسم الدين والعرف والشرف والحياء. وهي إذن مجرّد عمليّة تستّر منهجيّة تُحرّكها نوازع شخصيّة وأهداف انتخابويّة لا قيمة لها إلّا بالنسبة إلى أصحابها الذين لا يبحثون سوى عن مصالحهم الخاصّة.

حركة النهضة المستفيد الوحيد!
من المعلوم أنّ قوافل الرافضين رفضا قطعيًا لحقوق المرأة كانت تجوب معظم مناطق البلاد منذ انطلاق لجنة الحقوق الحريّات الفرديّة والمساواة في عملها. وقد بلغ الأمر حدّ التكفير رئيسة اللجنة وبعض أعضائها، بما يعني توجيه رسائل مبطّنة إلى المتطرّفين للتحرّك من أجل تصفية من يحسبونهم “أعداء الإسلام”، وأساسا أعداء مصالحهم وأجنداتهم السياسيّة والأيديولوجيّة…
ولا يخفى أنّه بمجرّد إيداع مشروع القانون لدى البرلمان تسرّب الخوف والتوجّس إلى نفوس النهضويّين، بما يعكس إحساسا مريرا بأنّ الأمر قد يخرج عن أيديهم . ورغم حالة الصمت الغالب فإنّ بعضهم لم يستطع كتم غيظه، على غرار النائب معز بالحاج رحومة الذي نشر آنذاك تدوينة، قال فيها بصريح العبارة ما يلي: “شُلّت كلّ يدٍ ستُصوّتُ على قانون ‘المساواة’ الكارثة بعد تمريره إلى مجلس نوّاب الشعب”. بلحاج رحومة عضو البرلمان وعضو مجلس شورى حركة النهضة وعضو “لجنة ذوي الإعاقة والفئات الهشّة” في الحركة لم يتردّد إذن في رفع أيديه إلى السماء داعيا إلى إصابة كلّ من يُخالفه الرأي بإعاقة عضويّة، وهو المدافع عن هذه الفئة في حركته. ولم ينقص حضرة “النائب” الواعي إلّا تكرار التلفّظ بآية الحرابة، مثل شيخه الصادق شورو، المتعلّقة بتقتيل من “يُحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا” أو صلبهم أو نفيهم أو تقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف. ولم يبق أمامه كذلك سوى أن يُجاهر بتكفير زملائه نوّاب البرلمان وتقديمهم نذرا وأضحية يتدبّر الإرهابيّون كيفيّة تنفيذ رسالة الاغتيال المبطّنة.
ومع ذلك يبدو من المفارقات الإقرار بأنّه لا لوم على حركة النهضة وكتلتها البرلمانيّة بشأن هذا الإبطاء المقصود والمتعمّد وممارسة سياسة فرّق تسدّ والتلذّذ السادي بالانقسامات القائمة في البرلمان، ذاك أنّ مسؤولية تمرير مشروع القانون إلى الجلسة العامة تُلقى أوّلا وأخيرا على عاتق القائلين بالحداثة وقيمها. فقد جاء موقف حركة النهضة من مشروع قانون المساواة في الميراث ليكشف نهائيا أكذوبة انطلت على البعض وتتعلّق بفصل الدعوي عن الحزبي والسياسي. ومن ثمّة فإنّ تحرّكاتها تبدو منتظرة، باعتبارها مازالت ترفض رفضا قطعيا الالتزام بقيم “الدولة المدنيّة” ومبادئها. وأقصى ما قد يحدث عند عرض مشروع القانون على التصويت في الجلسة العامة أن يغادر نوّابها القاعة أو قد يُصوّتون ضدّ مشروع القانون، وربّما يحتفظ الموجودون منهم بأصواتهم في حال أوصت قيادة الحركة بذلك.
ومن هنا تأتي تحرّكات حركة النهضة لإجهاض تمرير مشروع القانون. فمن المستبعد أن تتورّط حركة النهضة “سياسيًا” في هذا المنزلق الخطير، لأنّ ذلك لن يُتيح لها “اللعب” خلال الانتخابات على شعار التصدّي لمن “يُهدّد الإسلام”، وكأنّ صفحتين أو بضعة أسطر تصدر في الرائد الرسمي قد تطيح بالإسلام الصامد منذ 15 قرنا رغم الحروب والكوارث!!!
ومن ثمّة فإنّ حركة النهضة تُدرك خطورة تمرير مشروع قانون المساواة في الميراث على الجلسة العامّة والمصادقة عليه. فهو سيُشكّل لا محالة حرجا شديدا لها لا فقط أمام مريديها وأتباعها وإنّما أيضا في الضفّة العكسيّة أمام شركائها الدوليّين، ولاسيما الألمان والأمريكان. كما أنّه في حال سُنّ القانون سيكون من الصعب جدّا التراجع عنه حتّى إنْ حصلت الحركة خلال الانتخابات المقبلة على أغلبيّة نيابيّة أو تحالف أغلبي يُتيح لها الهيمنة على قرارات مجلس نوّاب الشعب.

رهانات السلطة والمصالح
من الكذب البوّاح الترويج لكون الإشكال القائم بشأن مشروع القانون دينيا بحتا وأنّ النصّ واضح وقطعي لا غبار عليه. فتلك التوصيفات لا تعدو أن تكون سوى وسيلة للتنويم والتغطية على الرهانات الحقيقيّة التي تقف وراء السعي المحموم إلى الإبقاء على الوضع السائد. وعليه فإنّ حقوق المرأة لا ينبغي أن تكون مجرّد “غنيمة” مثلما هو الحال اليوم، بما يوجب الاعتراف بالمظالم المرتكبة على أرض الواقع في هذا المضمار.
ولا نستغرب قطّ أنّه سيتمّ اختلاق قضايا وملفّات أخرى يُعطَى لها طابع “الأولويّة” المزعومة في لجنة الصحّة، وذلك في نطاق الاستمرار في سياسة التعويم والتهوين بهدف وأد مشروع القانون مع اقتراب موعد الانتخابات. والغريب أنّ هناك غيابا للوعي بأنّه كلّما اقتربنا من الاستحقاقات الانتخابيّة إلاّ وتضاءل الحماس للمضيّ في إعطاء ما سُلب من حقّ لنصف المجتمع. وهو ما يعكس ما يتأبّط النخب من نفاق سياسيّ متضخّم، لاسيما أنّ الفترة المقبلة ستتّسم بتكثيف توظيف قضايا الدين والهويّة في توصيف هذه القضيّة المركزيّة، وكأنّهم يجعلون من الله عدوّا للمساواة والعدالة وحليفا للتمييز الذكوري في أشدّ أبعاده، مثلما يجعله سائر المتعصّبين منبعا للتعاليم المنادية بالتعذيب والانتقام والسطو على الغنائم.
ومن الضرورة بمكان التأكيد على مسؤوليّة مكوّنات المجتمع المدني في تكثيف الضغط على البرلمان والأحزاب التي تدّعي الحداثة أو تنسب نفسها إلى موروث الزعيم الحبيب بورقيبة من أجل الدفع في اتّجاه المسارعة بتمرير مشروع القانون. فالمسؤوليّة ملقاة على كلّ الجمعيّات والمنظّمات المؤمنة بعدالة هذه القضيّة من شمال تونس إلى جنوبها. ومن ثمّة ينبغي الكفّ عن الاقتصار على طرح هذه القضيّة خلال المناسبات الوطنيّة والدوليّة ذات العلاقة بحقوق المرأة. فقد مرّ العيد العالمي للمرأة يوم 8 مارس الجاري دون صدى من جرّاء الأجندات الانتخابوية المتواطئة. وفي حال وصلنا إلى العيد الوطني للمرأة يوم 13 أوت المقبل دون حسم هذا القانون، فإنّه لا يمكن آنذاك القول فقط إنّ على مشروع القانون السلام، بل سيوأد وسيلقى بئس المصير…
تتحمّل حكومة يوسف الشاهد بدورها جانبا مهمّا من مسؤوليّة تعطيل تمرير مشروع القانون إلى الجلسة العامّة، باعتبار أنّ كتلة الائتلاف الوطني التي يرأسها عضو هذه الكتلة سهيل العلويني محسوبة على رئيس الحكومة. ومن ثمّة على النائب المذكور وسائر نوّاب البرلمان المدّعين للتقدّميّة والحداثة أن يكفّوا عن ممارسة دور “الدجاجة الحاضنة” لمشروع القانون. وعلى رئيس مجلس نوّاب الشعب أيضا أن يتحمّل مسؤوليّته التاريخيّة في الطلب رسميا وعلنا بالتسريع في إنهاء مناقشة مشروع القانون وتمريره إلى الجلسة العامّة. فبفوات الوقت والأوان وتلاشي الفرصة التاريخيّة ستتحوّل البيضة الذهبيّة إلى سائل كريه الرائحة وحمْل كاذبٍ ستتراقص حركة النهضة على كنسه في مجاري مجلس النوّاب، وسيبقى وصمة عار تؤنّب الضمير المستتر لزمن قد يطول…


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING