الشارع المغاربي – هل تؤشّر ثورة "الفيراج" الى حدوث انفجار شامل؟

هل تؤشّر ثورة “الفيراج” الى حدوث انفجار شامل؟

23 مارس، 2019

الشارع المغاربي- العربي الوسلاتي : أعلنت وزارة الداخلية عن عقد اجتماع عاجل تحت إشراف وزير الدّاخليّة ووزيرة شؤون الشباب والرياضة وبحضور عدد من رؤساء الجامعات الرّياضيّة وكلّ الأطراف المعنية بالشأن الرياضي لتدارس الوضع الرّاهن في ما يتعلّق بظاهرة العنف بالملاعب والقاعات الرياضية. ويأتي هذا القرار ساعات قليلة بعد تجدّد الاشتباكات بين ما بات يسمّى “سكان الفيراج الأًصليين” وقوات الأمن التي ردّت الفعل بنفس الحدّة في مباراة النادي الافريقي وفريق الاسماعيلي المصري لحساب الجولة الختامية من دور مجموعات رابطة الأبطال الافريقية.

وتبحث الوزارة مثلما جاء في بلاغ لها عن دعوة كلّ الأطراف إلى تحمّل مسؤوليّاتها واتّخاذ الاجراءات اللّازمة والقرارات الكفيلة بمواصلة الموسم الرّياضي على الوجه الأمثل، لتجنّب كل ما من شأنه أن يعمّق هذه الظاهرة وخطورة تداعياتها خاصة أن غول العنف الذي يحاصر مدارجنا تعاظم في السنوات الأخيرة وبات كابوسا يهدّد سلامة أمننا الرياضي والاجتماعي. ورغم أن نتائج المباريات لم تعد تعني شيئا أمام هذا الواقع الجديد فإنّ الفصل بين الجماهير المتنافسة لم يمنع تواصل حالة الاحتقان والشغب وثورة البركان الجماهيري المتصاعدة من مباراة الى أخرى خاصة في الضاحية الجنوبية حيث يسود تمرّد المدارج الجنوبية والشمالية على قوانين الروح الرياضية… فما الذي حدث ولازال حتى تتحوّل مدارجنا الى بؤرة توتّر لا صوت يعلو فيها سوى دويّ ورائحة قنابل الغاز المسيل للدموع؟

ظواهر غريبة…
بالعودة الى أيّام الزمن الجميل عندما كانت ملاعبنا ترسم لوحات فنية جميلة بين جماهير الفرق المتنافسة وخاصة في دربي العاصمة بين الغريمين المتحابين والمتخاصمين الترجي الرياضي والنادي الافريقي عندما كانت “الدخلة” تبلغ عنان السماء لم يكن هناك ما يوحي بخروج الألوان والأذهان عن النصّ ولم يكن هناك أيّ شيء يؤشّر حقيقة لدخولنا الى هذا النفق المظلم حيث لا قانون يسود سوى منطق العنف وخمول العقول وثورة المارقين على مفردات النظام وكلّ ما له علاقة بالـ”سيستام” مثلما يشاع هناك في رحاب “الفيراج”…
اليوم ومنذ سنوات لم تعد بالقليلة وتحديدا منذ سقوط ذلك الـ”سيستام” وتبدّل حال البلاد والعباد نسج جمهور الكرة على منوال كلّ الثائرين الباحثين عن جنّة الحريّات وانخرط في لعبة الموالين والمعارضين فاختار المدارج مسرحا له لكسر حاجز الصمت وطرد هاجس الموت… كانت تلك الموضة العصرية الوافدة حديثا على تقاليدنا السياسية والرياضية نتاجا طبيعيا لكلّ تلك المتغيّرات التي شهدتها البلاد خاصة بعد كسر الصورة النمطية لذلك الأمني الذي يملك في زيّه وعصاه الغليظة صورة الحاكم الحكيم والعادل الأمين والظالم بلا براهين… تلك الصورة التي ترسّخت في الأذهان لسنوات وسنوات والتي تكسّرت على قارعة الطرقات الثائرة وفقدت هيبتها في المدارج الهادرة تكسّرت معها للأسف صورة الدولة القادرة فكانت المعادلة الجديدة هي تركيع مؤسسات الدولة والتلذّذ والتفاخر بذلك أكثر من اسقاط ذلك النظام الذي تسبّب في كلّ هذا الخراب والحطام…
كلّ هذا كان يمكن أن يكون مفهوما ومبرّرا ويدخل في حالة السلوك المرضي العابر لو ارتبطت ثورة الجماهير في الملاعب أساسا بضغط الرهان وبموازين القوى ولعبة الميدان… أو كانت ستكون حالة زمنية غير مرضية لن تدوم طويلا وسائرة الى زوال بسبب حالات الانفلات الأخلاقي والأمني والسياسي والاجتماعي التي عاشتها البلاد منذ الثورة… ولكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير فهذا الطرح لا يستقيم لأنّ الظاهرة باتت اليوم حالة عادية مثلما يقول إخواننا في وزارة الداخلية وأصبح العنف هو القانون الذي يسود… اليوم بعض مجموعات الفيراج وخاصة المحسوبة على النادي الافريقي والترجي الرياضي هي التي تبحث عن افتعال المشاكل وهي التي باتت تستدرج قوات الأمن للدخول في معارك جانبية بمطالب وهمية لا ندري حقيقة جدواها ومشروعيتها… اليوم جماهير الافريقي وقبلها جماهير الترجي تتخاصم في ما بينها بسبب “شعار” أو “بوندرول”… هذه الفئة من الجماهير وعلى قلّتها والتي كانت بالأمس مضرب الأمثال في الحبّ والتعلّق والانتماء باتت تحوّل الفيراج الى ساحة حرب… لا يشغلها حوار الأقدام على الميدان وكلّ ما يعنيها هو الانتقام من صاحب الزيّ الأسود الذي يمثّل الظلم والقهر وذلك النظام… والنتيجة فوضى وعنف واصابات في صفوف الطرفين وعدوى تصيب بعض المتحمسين وتنال من سلامة وبراءة بقيّة المتفرجين… ظواهر غريبة أطلت برأسها واقتحمت سكينتنا وباتت اليوم للأسف خبزنا اليومي ولعل ما حصل في مباراة الافريقي والاسماعيلي الأخيرة يكفي مؤونة التعليق وينذر بما هو أسوأ إذا تواصل هذا النزيف…
عنف ممنهج…
كلّ المتدخّلين في الشأن الرياضي وحتى غير المنتمين الى هذا العالم الافتراضي والمثالي كانوا يتوقّعون نهاية هذا الكابوس بمجرّد زوال أسبابه ومسبّباته… والجميع كان يلقي باللائمة على التعامل الأمني الصارم من جهة أو على حالة الاحتقان الرياضي التي سادت وتعاظمت في السنوات الأخيرة. والبعض كان يقرّ بحقّ هذه المجموعات في ممارسة طقوس الحريات في معاقلها وبكامل حريتها ولكن ثبت بعد ذلك أن هذه الفئة المتمرّدة والمارقة على القانون لا تلقي بالا لكلّ هذه الاعتبارات وأن شغلها الشاغل هو جرّ الأمنيين الى الصدام لغاية في نفس يعقوب ولا ندري حقيقة من هو يعقوب وما الذي يريد بدفع البلاد الى حافة الهاوية ؟…
العنف الذي نراه اليوم لا علاقة له بكرة القدم ولا علاقة له بعمى الألوان الذي نسمع عنه ولا نراه في ملاعبنا… هو عنف ممنهج وقوده بعض الأجساد الطاهرة والأصوات الهادرة التي تلقي بنفسها في حرب خاسرة… حرب تقودها بعض الأصابع من وراء الستار… أصابع تتحكّم في مقود القيادة وتتخفى وراء القميص والشعار… ومن خبر جيّدا عالم “المجموعات” يدرك جيّدا أنه من الصعب جدّا السيطرة عليها أو استمالتها أو توظيفها ولكن عملية اختراقها بسيطة لذلك يختلط فيها الحابل بالنابل ولا نعرف بعدها من المتهمّ ومن الضحية…
الغريب في الأمر أن الجماهير التي كانت بالأمس موحدة وراء نواديها انقسمت بتعلّة المجموعات والأمر لا يقتصر على فرق العاصمة بل أصبحت حتى لجماهير الفرق الصغرى ميولات وانتماءات وأًصبحت كلّ مجموعة تتبع طرفا أو حلفا أو حزبا معيّنا… وهناك فئة تأتمر في السرّ والعلن بأوامر فوقية ففيها من يتحرّك بتعليمات من وجوه رياضية وفيها من يأتمر بأجندات سياسية لذلك بات الفصل فيها والحكم عليها أشبه بالخوض في المجهول وما نلمس اليوم من تذمّر واستياء من بقيّة الجماهير تجاه هذه الفئة الخارجة عن القانون يؤكّد أنها لا تنتمي لعالم المدراج وأنه لا علاقة لها بالكرة ولا بالألوان وأن تواجدها في “الفيراج” هو فقط تكتيك وتخطيط مبرمج وممنهج لجرّ الجميع الى مستنقع العنف…
شرارة الانفجار…
في كلّ أنحاء العالم تكون “المجموعات” وخاصة ما يعرف بالـ”التراس” خارج قبضة الدولة وتكون هذه الفئات صوت الشارع وصوت الثورة ضدّ الأمن والنظام وعادة ما تعرف هذه المجموعات بوحدتها ومتانتها واستحالة اختراقها وهي الدرع الأوّل لحماية الفريق وصوته العالي الذي لا يظلّ الطريق لذلك كانت دوما هذه الجماهير مضربا للأمثال ودرسا في الوفاء والنضال… هذه الحركة الجماهيرية وجدت لها طريقا في تونس منذ زمن طويل وعديد المجموعات لها تقاليد وصولات وجولات في كرة القدم التونسية لكن المسيء في الأمر هو أن بعضها بدأ يحيد عن الأسس والمبادئ التي ينادي بها ودخل بتعمّد أو دونه في حرب لا يعرف خاتمتها لكنه يعرف قانونها ويستمتع بقرع طبولها…
ما يحصل في السنوات الأخيرة في “الفيراج” وخاصة خلال المباريات الماضية التي ارتفعت فيها وتيرة العنف يبعث على الريبة خاصة أن المظاهر التي نشهدها مرارا وتكرارا تؤكّد أن الوضع خرج عن السيطرة وأن حالة الانهيار النفسي والذهني وحالة الاحباط الاجتماعي والاقتصادي التي تعيشها البلاد باتت أرضية خصبة لحدوث انفجار وارد… انفجار إذا حدث قد يتجاوز محيط الفيراج ويصل الى ما هو أبعد وأشمل… انعدام الخوف من المواجهة والتحرّر من قيود السلطة والدولة واستسلام العقل الباطن الى كلّ مؤشرات الافلاس المادي والمعنوي التي تحاصر البلاد والعباد كلّها عوامل تمهّد لنشوب معركة وجودية قد تنطلق فعليا من المدراج الجنوبية والشمالية لتصل الى مرحلة البركان الذي ينفجر في وجهنا جميعا…
أسوأ ما يمكن أن يواجه المرء في حياته هو التعوّد… التعوّد على قوانين ونواميس لم تكن تمثله… التعوّد على التخلّي عن قيم ومبادئ كانت لا تتجزّأ منه… التعوّد على رائحة الدم والموت والغاز المسيل للدموع… هذا التعوّد يجرّنا جميعا وطواعية الى السقوط في هذه البئر السحيقة التي لا قاع لها… وإذا لم يعد “سكان الفيراج” الحقيقيون الى رشدهم فإنّ الانفجار آت لا محالة لأنّ عودة القمع الى المدارج أو اغلاقها سيجعل الثائرين ينطلقون في الشوارع بحثا عن بطولات وهمية لا تتكسّر سوى على أزياء ذلك الرجل النظامي الذي ذنبه الوحيد أنه من الشعب لكنه في عيونه لا يمثّله…

 


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING