الشارع المغاربي – بورتريه "الرئيس": مهدي جمعة.. حين يُهرول التكنوقراط الى محفل السياسة !

بورتريه “الرئيس”: مهدي جمعة.. حين يُهرول التكنوقراط الى محفل السياسة !

13 سبتمبر، 2019

الشارع المغاربي-بقلم معز زيود : لم يكن مهندس الميكانيكا مهدي جمعة معروفا في المشهد السياسي التونسي قبل تعيينه وزيرًا للصناعة في حكومة الترويكا الثانية. ولم تمض عشرة أشهر إلّا ودخل ظافرًا إلى قصر الحكومة بالقصبة بمباركة الأحزاب المشاركة في الحوار الوطني. ومنذ ذلك الحين اتّسعت الرؤيا في ناظريه نحو قصر قرطاج، لكنّ التفاصيل المبعثرة قد تحول دون أن يدرك المترشح كلّ ما يتمنّى…

كُلّف مهدي جمعة في بداية عام 2014 بقيادة البلاد إلى الانتخابات والابتعاد عن التجاذبات السياسيّة والاكتفاء بإدارة حكومة التكنوقراط، لكنّ كرسي السلطة معروف بإغراء كلّ من يعتليه. ولولا الضغوط المعلنة للاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه الراعي الأوّل للحوار الوطني لَمَا اضطرّ رئيس الحكومة آنذاك لإعلان عدم ترشّحه امتثالا لِمَا طُلب منه عند تعيينه. هذا ما شهد به حسين العبّاسي أمين عام المنظمة النقابيّة آنذاك. وهو إن لم يعد بسرّ فإنّه يسلّط بعض الضوء على تطلّعات جمعة الرئاسيّة…

تهيئة المسار
كان من المشروع أن تتنازع مهدي جمعة تطلّعاته للوصول إلى قصر قرطاج رئيسا للتونسيّين، بعد أن كان رئيسا لحكومة أوصلتهم إلى أوّل انتخابات رئاسيّة وتشريعيّة حرّة ونزيهة. كان منتظرا أن يسعى إلى استكمال مساره السياسي التصاعدي السريع من وزير إلى رئيس حكومة ثمّ مؤسّس ورئيس حزب إلى رئيس جمهوريّة، غير أنّ ذلك لم يكن باليسر الذي قد يكون تبادر إلى ذهن جمعة منذ عام 2014.
مع ذلك فإنّ رئيس حكومة التكنوقراط حاول، منذ تسليم مفاتيح القصبة إلى الحبيب الصيد، أن تكون خطواته وتحرّكاته السياسيّة متأنيّة ومدروسة بالقدر الممكن. فانطلق باستثمار ما كوّنه من رصيد علائقي على الصعيد الدولي، وانضمّ في شهر أكتوبر 2015 إلى “نادي مدريد لرؤساء الدول والحكومات السابقين”. وفي صيف 2016 أعلن عن إحداث مركز للدراسات والاستشراف أطلق عليه اسم “تونس البدائل”.
لم يكن عصيّا على أيّ متابع فطن أن ينتبه إلى أنّ مركز دراسات جمعة كان بمثابة حاضنة تمهيديّة لإعداد المشروع الحزبي المنتظر لرئيس الحكومة الأسبق. وهو ما تشكّل رسميًا بعد أشهر معدودة، ليُعلن جمعة عن تأسيس “حزب البديل التونسي” الذي يضمّ العديد من أعضاء حكومة التكنوقراط السالفة ممّن لا يمكنهم أخلاقيّا أن ينازعوا رئيسهم صلاحياته وطموحاته.
ومنذ الإعلان عن تأسيس الحزب آخر شهر مارس 2017، تعهّد جمعة بتكوين “حزب قويّ يكون بديلا للأحزاب الحاليّة، وتكون له رؤية لمستقبل البلاد”. ومع ذلك فإنّ مرور عامين من الزمن لم يُمكّن جمعة من إحداث أيّ تغيير في توازنات خارطة حزبيّة مثقلة بوزر ما يزيد عن 200 حزب شبحيّ. كما أنّ حزب جمعة “التكنوقراطي” المستجدّ يفتقد التجربة وينوء بنفسه عن أساليب المافيا القادرة لوحدها على إنشاء حزب والمراهنة على الفوز بالانتخابات في ظرف أشهر معدودة. كلّ ذلك شكّل عوائق وصعوبات جمّة على تحقيق حلم جمعة المتمثّل في أن يتحوّل بسرعة فائقة إلى المهديّ المنتظر.

عندما تضيق السبل!
ضاقت في وجه المهدي السبل، فعلى خلاف ما بشّر به فإنّ إحداث “بديل” حزبي جدّي لا يمكن أن يتحقّق ويُتاح في ظرف سنوات معدودة. ومن ثمّة كان أوّل اختبار انتخابي سعى العام الماضي إلى خوضه مخيّبا لآمال الحزب ورئيسه، حتّى أنّه غادر سباق الانتخابات البلديّة قبل بدايتها أصلا بسبب إسقاط هيئة الانتخابات قائماته الانتخابيّة الأربع لعدم استيفائها شروط الترشح. وهو ما يكشف ضآلة الخبرة ومحدوديّة تجربة التكنوقراط في إدارة الشؤون السياسيّة العاجلة تحت وطأة الضغط.
لم يتحوّل حزب البديل التونسي إذن إلى قاطرة تسمح للمهدي جمعة بالانطلاق الواثق نحو تحقيق طموحه الأكبر. فلئن سمح له المسك بمقاليد السلطة بتكوين شعبيّة مهمّة لفترة مؤقّتة فإنّ إشعاعه لدى التونسيّين تضاءل كثيرا بمرور الأعوام.
انكمش البديل إذن وأظهر محدوديّته، وأوقع المهدي في مأزق منتظر. فمن جهة لا يمكن له التخلّي عن رغبته الجامحة في تحقيق ما تنازل عنه مكرها عام 2014 وأجّله لفترة خمس سنوات. ومن جهة أخرى لم يجد لنفسه مسلكا واضحا وسويّا يُعبّد له الطريق نحو القصر المشتهى.
وبما أنّ جمعة لم يتمكّن من نسج تحالفات تُمكّنه من المحافظة على أولويّة أولويّاته، فقد بحث عن دعم خزّان انتخابي قادر على تعويض تواضع حجم حزبه الجديد. لم يكن أمامه عمليا سوى وجهتيْن سياسيّتين لا ثالث لهما. وبما أنّ أبواب حركة النهضة باتت مغلقة في وجهه ولا تسمح له باقتناص أصوات أنصارها، فإنّه لم يكن أمامه سوى محاولة التعويل على شقّ الحرس القديم، والتجمّعيّين تحديدا. ألمْ يُفاجئ جمعة الجمهور، منذ أسابيع في حوار على قناة “التاسعة”، بزعمه أنّ رئيس النظام السابق يُمثل رمزا للسيادة الوطنيّة، حين قال حرفيّا: “أنا مع المصالحة الشاملة، مع المصالحة حتّى مع بن علي إلّي يبقى رمز للسيادة إلّي ماذابينا يكون في بلادنا”. كيف يُمكن فهم هذا التصريح وتأويله؟!. هل لمحبّته الخالصة لبن علي وهو الذي لم يعمل تحت إمرته سنوات النهب والاستبداد والقمع والقهر؟!. وأيّ رمز وأيّة سيادة يتحدّث عنها، والحال أنّ هذه الرمزيّة تتعلّق وفق الفصل 72 من الدستور برئيس الجمهوريّة أثناء ممارسة مهامه، لا بعد نهايتها أو بعد فراره أو إسقاط نظامه؟!. واضح إذن أنّ جمعة كان يحاول استدراج الخزّان الانتخابي للتجمّعيّين. والغريب أنّه يُدرك أنّ تلك الماكينة الانتخابيّة قد اصطفّت إلى جانب مرشّحة متفوّقة في ممارسة الشعبويّة ولا تتحرّج من التذكير بماضيها، وهي عبير موسي.

اضطراب تكتيكي
يعكس هذا الاضطراب التكتيكي وعيًا مقلقًا لدى جمعة بضيق الآفاق أمامه في ظلّ ظروف سياسيّة خانقة. وقد أدّى ذلك إلى ارتباك في أدائه الاتّصالي، على غرار ما رُوّج على لسان احد قيادات حزبه عن احتمال إقرار المرشح عبد الكريم الزبيدي الانسحاب لفائدته. بدا هذا الاضطراب واضحا كذلك خلال المناظرة التلفزيونية، حين لفت جمعة الأنظار بقوله المكرّر: “أنا كمهدي جمعة.. مانيش باش نقعد شاهد على الوضعيّة إلّي وصلنالها، شاهد على الفقر، شاهد على البطالة، شاهد على الميزيريا، شاهد على الفوضى”… كان هذا التلاعب بالألفاظ لاستهداف خصم سياسي واضح وسطحي على المستوى الاتصالي إلى درجة إقدام الصحفيّة على مقاطعته ومطالبته بالحديث تحديدا عن وعوده الانتخابيّة للإجابة عن السؤال المطروح. والمقصود بذلك أن التجربة العمليّة أثبتت فشل بناء الإستراتيجيّة الدعائيّة على مهاجمة الخصوم، عوضا عن إبراز الطاقات الذاتيّة وقوّة الاقتراحات لديها وإمكانيّات إنجاح مبادراتها. وهذا بالضبط ما يُفترضُ أن يُطرح من حزب البديل الذي نشأ من نواة مركز “تونس البدائل”.

والظاهر أنّ مافيا الدعاية والعلاقات العامّة المتناسلة هذه الأيّام قد التقطت تلك الشعارات، فسارعت في ظرف ساعات إلى بثّ صور للافتات كبرى مفبركة تحمل تلك العبارات باسم مهدي جمعة. وهو ما كشفه حزب البديل نفسه في توضيح للرأي العام، مؤكّدا أنّ تلك اللافتات “غير صحيحة واستعملت فيها تقنية فوتوشوب”، وأنّه “تمّ الاكتفاء منذ بداية الحملة بتركيز لافتات بعنوان: مهدي جمعة مستقبل تونس”.
المؤكّد أنّ مهدي جمعة لم يُجانب الصواب في التأكيد خلال مختلف محطّات حملته الانتخابيّة على أنّ “البلاد تعيش حالة من الفوضى وعدم احترام للقانون”، وأنّه من الضرورة العمل على إيقاف نزيف الفوضى وتكريس سلطة القانون في ظلّ دعم الحريات الفرديّة. ومع ذلك ينبغي الإقرار بأنّ عناوين البرامج الانتخابيّة بدت متشابهة بين المرشّحين الأكثر جديّة.
ويبدو أنّ جموح المهدي جمعة في تحقيق تطلّعه الرئاسي يُجسّد وعيًا بأنّ للاختبار الرئاسي تأثيرًا كبيرًا في مآلات الانتخابات التشريعيّة. ومن ثمّة قد تكون “الحافلة الرئاسيّة” التي خصّصها للتجوال في ربوع البلاد قاطرة حزبه لضمان الحدّ الأدنى المنشود من مخرجات معترك الاقتراع البرلماني المقبل وتحويل صورة التكنوقراط إلى محفل السياسة…


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING