الشارع المغاربي – بورقيبة:‭ ‬صحة‭ ‬الرئيس‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬الشعب ‭ !‬/ بقلم: منير الفلاح

بورقيبة:‭ ‬صحة‭ ‬الرئيس‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬الشعب ‭ !‬/ بقلم: منير الفلاح

قسم الأخبار

14 أبريل، 2023

الشارع المغاربي: بداية‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬التّنويه‭ ‬بأنّ‭ ‬زمن‭ ‬الزّعيم‭ ‬الحبيب‭ ‬بورڨيبة‭ ‬ليس‭ ‬بالزّمن‭ ‬الحاضر‭. ‬فقد‭ ‬لمع‭ ‬نجم‭ “‬سي‭ ‬الحبيب‭” ‬بالتّزامن‭ ‬مع‭ ‬سطوع‭ ‬نجوم‭ ‬كبار‭ ‬آخرين‭ ‬شرقا‭ ‬كـ‭”‬سوكارنو‭” ‬في‭ ‬أندونيسيا‭ ‬و‭”‬نهرو‭” ‬في‭ ‬الهند‭ ‬وجمال‭ ‬عبد‭ ‬النّاصر‭ ‬في‭ ‬مصر‭.‬

في‭ ‬أواسط‭ ‬خمسينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬زمن‭ ‬بورڨيبة‭ ‬كان‭ ‬الزّعماء‭ ‬يجيدون‭ ‬فنّ‭ ‬الخطابة‭ ‬ويطوّعون‭ ‬لغات‭ ‬ولهجات‭ ‬بلدانهم‭ ‬لإيصال‭ ‬مضامين‭ ‬لشعوب‭ ‬غالبيّتها‭ ‬كانت‭ ‬إمّا‭ ‬أميّة‭ ‬أو‭ ‬ذات‭ ‬تحصيل‭ ‬علمي‭ ‬متواضع‭. ‬وكان‭ ‬الإبهار‭ ‬سمة‭ ‬الخطباء‭ ‬والإنبهار‭ ‬يطبع‭ ‬الجمهور‭ ‬المتلقّي‭…‬ويكفي‭ ‬تصفّح‭ ‬بعض‭ ‬صور‭ ‬الإجتماعات‭ ‬الجماهيريّة‭ ‬للزّعيم‭ ‬بالسّاحات‭ ‬العامّة‭ ‬للتّأكّد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬ففيها‭ ‬زعيم‭ ‬خطيب‭ ‬أمام‭ ‬مصدح‭ ‬وفوق‭ ‬منصّة‭ ‬ووجوه‭ ‬شاخصة‭ ‬وكأنّها‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬مغناطيس‭…‬

الزّعيم‭ ‬الحبيب‭ ‬بورڨيبة‭ ‬وبحكم‭ ‬تكوينه‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وإطّلاعه‭ ‬الواسع‭ ‬على‭ ‬تاريخها‭ ‬وخاصّة‭ ‬تأثير‭ ‬فلاسفة‭ ‬ومفكّري‭ ‬قرن‭ ‬الأنوار‭ ‬صُنّف‭ ‬كـ‭”‬مُستبدٍّ‭ ‬مستنير‭”.‬فالحبيب‭ ‬بورڨيبة،‭ ‬رحمه‭ ‬اللّه،‭ ‬كان‭ ‬شديد‭ ‬الإيمان‭ ‬بأهميّة‭ ‬التّعليم‭ ‬العصري‭ ‬فكان‭ ‬ذاك‭ ‬من‭ ‬أوّل‭ ‬مشاريعه‭ ‬حيث‭ ‬كلّف‭ ‬الجامعي‭ ‬والأديب‭ ‬الألمعي‭ ‬والنّقابي‭ ‬العظيم‭ ‬المرحوم‭ ‬محمود‭ ‬المسعدي‭ ‬بملفّ‭ ‬بل‭ ‬بمشروع‭ ‬تحديث‭ ‬وعصرنة‭ ‬المدرسة‭ ‬التّونسيّة‭ ‬وحمل‭ ‬حقيبة‭ ‬التّربية‭ ‬والتّعليم‭ ‬لمدّة‭ ‬10‭ ‬سنوات‭ (‬1958‭ – ‬1968‭) ‬فعمّت‭ ‬المدارس‭ ‬العموميّة‭ ‬كلّ‭ ‬المناطق‭ ‬والأقاصي‭ ‬وفُتحت‭ ‬الأقسام‭ ‬للبنات‭ ‬والبنين‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء‭ ‬إضافة‭ ‬لتوحيد‭ ‬التعليم‭ ‬والمناهج‭ ‬وغلق‭ “‬المدارس‭ ‬الموازية‭”! .‬

في‭ ‬العشريّة‭ ‬الأولى‭ ‬لحكمه،‭ ‬كان‭ ‬الحبيب‭ ‬بورڨيبة‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬مع‭ ‬الزّمن‭ ‬وبدأ‭ ‬بتنفيذ‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬مشروعا‭ ‬لتونس‭ ‬على‭ ‬واجهات‭ ‬عدّة‭ ‬ولم‭ ‬يكترث‭ ‬كثيرا‭ ‬بمن‭ ‬كانوا‭ ‬يعارضون‭ ‬عمله‭. ‬فسنُّ‭ ‬مجلّة‭ ‬الأحوال‭ ‬الشّخصيّة‭ ‬مثلا‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬حتّى‭ ‬إعلان‭ ‬الجمهوريّة‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يشغل‭ ‬خطّة‭ ‬رئيس‭ ‬حكومة‭ ‬الباي‭…‬كان‭ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬صالحا‭ ‬ويعوّل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ “‬الاتصال‭ ‬المباشر‭” ‬للتفسير‭ ‬والإقناع‭ ‬بملكته‭ ‬الخارقة‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬والتحكّم‭ ‬في‭ ‬نبرات‭ ‬الصّوت‭ ‬والإستطراد‭ ‬وحتّى‭ ‬إثارة‭ ‬التّعاطف‭ ‬حتّى‭ ‬سيلان‭ ‬الدّموع‭ ‬خاصّة‭ ‬عند‭ ‬إستذكار‭ ‬والدته‭ ‬وبين‭ ‬قوسين‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ “‬برّر‭” ‬حماسه‭ ‬لدعم‭ ‬حقوق‭ ‬النّساء‭ ‬بضرورة‭ ‬إنصاف‭ ‬نساء‭ ‬كوالدته‭…‬

الزّعيم‭ ‬بورڨيبة‭ ‬كان‭ ‬يعتبر‭ ‬نفسه‭ “‬مُعلّما‭” ‬للشّعب،‭ ‬صاحب‭ ‬رسالة‭ ‬فهو‭ ‬ينسب‭ ‬لنفسه‭ ‬انجاز‭ ‬توحيد‭ ‬الشّعب‭.‬

‭ ‬بورڨيبة‭ ‬هو‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬وأكثر‭ ‬في‭ ‬شتّى‭ ‬مجالات‭ ‬العيش‭ ‬من‭ ‬تعليم‭ ‬وصحّة‭ ‬وصحّة‭ ‬إنجابيّة‭ ‬وسكن‭ ‬وحثّ‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬ولعلّ‭ ‬الكثيرون‭ ‬ممّن‭ ‬عاصروه‭ ‬أو‭ ‬بحثوا‭ ‬في‭ ‬نوادره‭ ‬يذكرون‭ ‬جملته‭:”‬زيدو‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬والإنتاجيّة‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭…‬كان‭ ‬في‭ ‬جيبان‭ ‬الصّغار‭ !”‬

يوم‭ ‬6‭ ‬أفريل‭ ‬أحيى‭ ‬التونسيّون‭ ‬والتّونسيّات‭ ‬ذكرى‭ ‬رحيله‭ ‬الثالثة‭ ‬والعشرون‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬مثقلة‭ ‬بالاحداث‭ ‬والخطب‭ ‬عن‭ ‬الزّعامة‭ ‬وحمل‭ ‬مشروع‭ ‬للحكم‭ ‬وعدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬التونسيّات‭ ‬والتّونسيّين‭ ‬باتوا‭ ‬مسكونين‭ ‬بالتّعلّق‭ ‬بما‭ ‬مضى‭ ‬وتمجيده‭ ‬ولعن‭ ‬الحاضر‭ ‬بما‭ ‬فيه‭…‬وقد‭ ‬تفطّن‭ ‬بعض‭ ‬السّاسة‭ ‬ل‭”‬كنز‭”‬‭ ‬محبّة‭ ‬سي‭ ‬الحبيب،‭ ‬رحمه‭ ‬اللّه،فسعى‭ ‬كلّ‭ ‬على‭ ‬طريقته‭ ‬في‭ ‬النّهل‭ ‬من‭ ‬الموروث‭”‬البورڨيبي‭”‬والتشبّه‭ ‬به‭ ‬والإستشهاد‭ ‬بما‭ ‬فعله‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬مشابهة‭ ‬وللأمانة،تعاظمت‭ ‬موجة‭ ‬التشبّه‭ ‬بالزّعيم‭ ‬الفذّ‭ ‬بعد2011‭ ‬ولا‭ ‬فائدة‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬ذكر‭ ‬الأسماء‭ ‬لا‭ ‬ممّن‭ ‬إتّخذوا‭ ‬نهج‭ ‬خطابي‭ ‬شبيه‭ ‬ببورڨيبة‭ ‬واستعارة‭ ‬بعض‭ ‬كلماته،لا‭ ‬حتّى‭ ‬من‭ ‬ذهبوا‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بلبس‭ ‬نظارات‭ ‬وبدلات‭ ‬شبيهة‭ ‬بنظارات‭ ‬وبدلات‭ ‬سي‭ ‬الحبيب‭… ‬رحمك‭ ‬وسامحك‭ ‬الله‭ ‬يا‭ ‬سي‭ ‬الباجي‭.‬

أكثر‭ ‬تشبيه‭ ‬للوضع‭ ‬بالوضع‭ ‬هذه‭ ‬الأيّام‭ ‬هو‭ ‬تعامل‭ ‬الزّعيم‭ ‬الرّاحل‭ ‬مع‭ ‬وضعه‭ ‬الصحّي‭ ‬وطريقته‭ ‬في‭ ‬إبلاغ‭ ‬شعبه‭ ‬وحرصه‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬سير‭ ‬دواليب‭ ‬الدّولة‭ ‬حتّى‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬الشّغور‭ ‬طريقا‭ ‬لرأس‭ ‬السّلطة‭.‬

لعلّ‭ ‬المؤرّخين‭ ‬وأساتذة‭ ‬القانون‭ ‬الدّستوري‭ ‬مؤهّلون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سواهم‭ ‬للتّذكير‭ ‬بذاك‭ ‬التّنقيح‭ ‬الشّهير‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬بمقتضاه‭ ‬كاتب‭ ‬الدّولة‭ ‬للرّئاسة‭ ‬حتّى‭ ‬سنة‭ ‬1969‭ ‬يسمّى‭ ‬وزيرا‭ ‬أوّلا‭ ‬ويتولّى‭ ‬بمقتضى‭ ‬ذلك‭ ‬تسيير‭ ‬شؤون‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬عودة‭ ‬الرّئيس‭… ‬كان‭ ‬الوزير‭ ‬الأوّل‭ ‬آنذاك‭ ‬المرحوم‭ ‬الباهي‭ ‬الأدغم‭. ‬

الزّعيم‭ ‬بورڨيبة،‭ ‬كان‭ ‬حريصا‭ ‬على‭ ‬غرس‭ ‬فكرة‭ ‬لدى‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج‭ ‬بأنّه‭” ‬تونس‭ ‬وتونس‭ ‬هو‭”. ‬وكان‭ ‬يسمح‭ ‬لنفسه‭ ‬من‭ ‬ذاك‭ ‬المنطلق‭ ‬بالحديث‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬كبيرة‭ ‬وصغيرة،‭ ‬في‭ ‬السّياسات‭ ‬الكبرى‭ ‬داخليّا‭ ‬أو‭ ‬خارجيّا‭. ‬فخطبه‭ ‬تبثّ‭ ‬إذاعيّا‭ ‬وتلفزيّا‭ ‬ويتم‭ ‬التّذكير‭ ‬بمقولاته‭ ‬يوميّا‭ ‬قُبيل‭ ‬موعد‭ ‬شريط‭ ‬الأنباء‭ ‬في‭ “‬توجيهات‭ ‬الرئيس‭” ‬ولا‭ ‬يُمرّر‭ ‬خبر‭ ‬قبل‭ ‬أنشطته‭ ‬مهما‭ ‬قلّت‭ ‬أهميّتها،‭ ‬فكنا‭ ‬نراه‭ ‬يتنزّه‭ ‬أو‭ ‬يسبح‭ ‬أو‭ ‬بصدد‭ ‬قراءة‭ ‬الصّحف‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬إستقباله‭ ‬مسؤولين‭ ‬أو‭ ‬ضيوف،‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬يمرّر‭ ‬قبل‭ ‬أيّ‭ ‬خبر‭ ‬آخر‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬خطورته‭ ‬وأهميّته‭!‬

‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬صحّته،‭ ‬لم‭ ‬يتوان‭ ‬سي‭ ‬الحبيب‭ ‬عن‭ ‬الحديث‭ ‬بكلمات‭ ‬واضحة‭ ‬ومباشرة‭ ‬حتّى‭ ‬عن‭ ‬خصوصيّاته‭ ‬الجنسيّة‭. ‬ثم‭ ‬وبعد‭ ‬أزمته‭ ‬الصحيّة‭ ‬الكبرى‭ ‬كانت‭ ‬الرّئاسة‭ ‬تصدر‭ ‬بيانات‭ ‬ممضاة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬طبيبه‭ ‬المعتمد‭ ‬الدكتور‭ ‬الأستاذ‭ ‬عمر‭ ‬الشّاذلي‭. ‬كما‭ ‬تصدر‭ ‬بيانات‭ ‬للإعلان‭ ‬عن‭ ‬سفر‭ ‬الزّعيم‭ ‬للخارج‭ ‬للتّداوي‭ ‬أو‭ ‬النّقاهة‭ ‬وحتّى‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬متابعة‭ ‬إعلاميّة‭ ‬لصحّته‭ ‬وتطوّرها‭ ‬وجولاته‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحدائق‭ ‬وعندما‭ ‬يقتضي‭ ‬الأمر‭ ‬تزوره‭ ‬وفود‭ ‬وزاريّة‭ ‬ويتمّ‭ ‬الإعلام‭ ‬أوّلا‭ ‬بأوّل‭ !‬

طبعا‭ ‬تلك‭ ‬المتابعة‭ ‬الإعلاميّة‭ ‬اللّصيقة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرّد‭ ‬أخبار‭ ‬هدفها‭ ‬الوحيد‭ ‬إعلام‭ ‬المواطنات‭ ‬والمواطنين‭ ‬بما‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬هرم‭ ‬الدّولة‭ ‬وكواليس‭ ‬الحكم‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬يعتمل‭ ‬داخل‭ ‬ردهات‭ ‬القصر‭ ‬إذ‭ ‬أنّ‭ ‬محصّلة‭ ‬تلك‭ ‬الأخبار‭ “‬الشفّافة‭” ‬هو‭ ‬حدّ‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬إحترام‭ ‬للمواطنات‭ ‬والمواطنين‭ ‬بإعلامهم‭ ‬بأنّ‭ ‬رئيس‭ ‬الدّولة‭ ‬مريض‭ ‬وبأنّ‭ ‬من‭ ‬يتولّى‭ ‬التسيير‭ ‬هو‭ ‬الوزير‭ ‬الأوّل‭ ‬وبالنّتيجة‭ ‬يضيق‭ ‬مجال‭ ‬الإشاعة‭ ‬وحتّى‭ ‬فبركة‭ ‬الأخبار‭.‬

تمشّي‭ ‬الزّعيم‭ ‬هذا‭ ‬كان‭ ‬نابعا‭ ‬من‭ ‬شعوره‭ ‬العميق‭ ‬بمسؤوليّاته‭ ‬تجاه‭ ‬عموم‭ ‬التّونسيّات‭ ‬والتّونسيّين‭ ‬ومن‭ ‬إيمانه‭ ‬بأنّه‭ ‬بطريقة‭ ‬ما‭ ‬أب‭ ‬للأمّة‭ ‬التّونسيّة‭ ‬بأكملها‭ ‬وبأن‭ ‬نزعته‭ ‬نحو‭ ‬الاستفراد‭ ‬بالحكم‭ ‬والقرار‭ ‬كانت‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬انّه‭ ‬يرى‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الأب‭ ‬الذي‭ ‬يعي‭ ‬مصلحة‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته‭ ‬أكثر‭ ‬منهم‭…‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لأب‭ ‬أن‭ ‬يخفي‭ ‬مرضه‭ ‬أو‭ ‬تغيّبه‭ ‬عن‭ ‬البيت‭ ‬دون‭ ‬إعلام‭ ‬أبنائه‭ ‬وبناته‭ ‬وعندما‭ ‬يرى‭ ‬أنّ‭ ‬مرضه‭ ‬وغيابه‭ ‬قد‭ ‬يطول،‭ ‬يعلن‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬ويكلّف‭ ‬من‭ ‬يستثيق‭ ‬به‭ ‬لإدارة‭ ‬شؤون‭ ‬العائلة‭!‬طبعا‭ ‬بلغة‭ ‬الحاضر‭ ‬قد‭ ‬نسمّي‭ ‬ذلك‭ ‬شفافيّة‭ ‬ومدّ‭ ‬المواطنين‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬لرأس‭ ‬الدّولة‭…‬

كما‭ ‬قلت‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬هذه‭ ‬الورقة،‭ ‬زمن‭ ‬بورڨيبة‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬زمننا‭ ‬هذا،‭ ‬فعهد‭ ‬الزّعامات‭ ‬ولّى‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭. ‬فالرّؤساء‭ ‬هم‭ ‬الآن‭ ‬مكلّفين‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬شعوبهم‭ ‬بإدارة‭ ‬الشّأن‭ ‬العام‭ ‬حسب‭ ‬موازين‭ ‬ولمدد‭ ‬تحدّدها‭ ‬الدّساتير‭ ‬وكأيّ‭ ‬مكلّف‭ ‬بمهمّة‭ ‬يكون‭ ‬مطالبا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬من‭ ‬يسوسهم‭ ‬بأن‭ ‬يمدّهم‭ ‬بأسباب‭ ‬تغيّبه‭ ‬عن‭ ‬النّشاط‭ ‬ومدّته‭.‬

مسألة‭ ‬صحّة‭ ‬الرؤساء‭ ‬ونشر‭ ‬ملفّاتهم‭ ‬الطبيّة‭ ‬من‭ “‬الطابوهات‭” ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬عدّة‭ ‬دول‭. ‬ولعلّ‭ ‬الكثيرون‭ ‬يذكرون‭ ‬ملف‭ ‬مرض‭ ‬الرّئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬الأسبق‭ ‬فرانسوا‭ ‬ميتران‭ ‬والجدل‭ ‬الذي‭ ‬أُثير‭ ‬حوله‭ ‬قبيل‭ ‬وبعيد‭ ‬رحيله‭… ‬

في‭ ‬تونس‭ ‬وبعد‭ ‬الزّعيم‭ ‬بورڨيبة،‭ ‬عادت‭ ‬إرادة‭ ‬التستّر‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬الصحّي‭ ‬للرّئيس‭ ‬وتجلّى‭ ‬ذلك‭ ‬خاصّة‭ ‬خلال‭ ‬عهدة‭ ‬الرّئيس‭ ‬الرّاحل‭ ‬الباجي‭ ‬قائد‭ ‬السّبسي،‭ ‬رحمه‭ ‬اللّه،‭ ‬وكيف‭ ‬اشتعلت‭ ‬بُعيد‭ ‬رحيله‭ ‬إشاعات‭ ‬الموت‭ ‬المستراب‭…‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬دستور‭ ‬ينظّم‭ ‬لدرجة‭ ‬ما‭ ‬الشغور‭ ‬المؤقّت‭ ‬والنّهائي‭ ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬للتّونسيّين‭ ‬تقبّل‭ ‬غياب‭ ‬رئيس‭ ‬تجتمع‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬كلّ‭ ‬السّلطات‭ ‬لعدّة‭ ‬أيّام‭ ‬متتالية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬أيّ‭ ‬بديل‭ ‬دستوري‭ ‬وفق‭ ‬دستور‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬نفسه؟

*نشر بأسبوعية “الشارع المغاربي ” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 11 افريل 2023


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING