الشارع المغاربي – إقصاء تونس من مؤتمر برلين حول ليبيا: سقوط الدبلوماسيّة التونسيّة وألمانيا الرايخ تُهين نفسها أيضا! / معز زيّود


إقصاء تونس من مؤتمر برلين حول ليبيا: سقوط الدبلوماسيّة التونسيّة وألمانيا الرايخ تُهين نفسها أيضا! / معز زيّود

قسم الأخبار

25 يناير، 2020

الشارع المغاربي: انتهت «قمّة برلين حول ليبيا» مؤخرًا بفشل ذريع، في ظلّ رفض حفتر والسرّاج الحوار ووقف تصدير النفط الليبي عشيّة المؤتمر. في المقابل لا تزال تونس مصدومة جرّاء إهانة الإقصاء الألمانيّة التي أسقطت ورقة التوت الأخيرة عن عورة الدبلوماسيّة التونسيّة. أزمة كشفت أيضا الوجه القبيح للإرث الاستعلائي النازي في السياسة الألمانيّة الراهنة!…

لم يخرج مؤتمر برلين حول ليبيا بنتائج ملموسة، باستثناء إعراب المشاركين عن أملهم في تعزيز اتّفاق وقف إطلاق النار الذي هندسته روسيا وتركيا يوم 12 جانفي الجاري. فقد قدّم الجنرال خليفة حفتر المدعوم روسيًّا هديّة مسمومة عشية انعقاد المؤتمر المذكور عبر إعلان جماعته عن وقف تصدير النفط الليبي. حصيلة هزيلة أنبأت بتراجع نفوذ القارّة العجوز بعد أن كانت المتسبّب الأساسي في تدمير ليبيا تحت عنوان دحر النظام الدكتاتوري للعقيد الراحل معمّر القذافي. أفرز مؤتمر برلين إذن خسارة مضاعفة ليبيّة وتونسيّة وألمانيّة، فكيف ذلك؟

فظاعة الاستبعاد

عوّلت ألمانيا على حصد نجاح غير مسبوق لمؤتمرها الدولي الذي بدأت الإعداد له منذ شهر سبتمبر 2019. وقد استجاب لدعوة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، يوم الأحد الماضي، الرئيسان الروسي والتركي، فضلا عن مشاركة قادة الصفّ الأوّل أو الثاني لكلّ من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وإيطاليا والكونغو ومصر والإمارات والجزائر والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربيّة. تعمّد الألمان إذن، رغم استدعاء القريب والبعيد، تغييب تونس ورئيسها الجديد. وتجاهلت ميركل ووزير خارجيّتها، بمنتهى الصلف والحسابات القاصرة، أنّ تونس تعدّ الجار الأقرب إلى ليبيا والأكثر تأثرًا ببؤرة الصراع الحاليّة في العاصمة طرابلس. افتعلت برلين أصلا تجاهل كلّ الاعتبارات الجغرافيّة والإستراتيجيّة واللوجستيّة التي يُفترض أن تؤكّد أهميّة حضور تونس.

ذُهل التونسيّون للقرار الألماني طبعًا، مثلما صُعِق رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بقوّة هذه الصفعة والإهانة التي أخجلت كلّ التونسيّين المتابعين لهذه الخطوة غير المسبوقة. هذه تونس تُستبعدُ مع أنّها متُلاصقة مع ليبيا عبر حدود تتجاوز 450 كلم، ولها مقعد غير دائم في مجلس الأمن، بل وترأس أيضا الدورة الحاليّة لجامعة الدول العربيّة. في المقابل يُدعى الكونغو بصفته رئيس الدورة الحاليّة للاتّحاد الإفريقي ونظرًا إلى الصلات التي لا تزال السلطات الكونغوليّة تعقدها مع الموالين لنظام القذافي المتأرجحين بين دعم حفتر والاستقلال بقرارهم تحيّنًا لفرصة العودة المظفرة تحت لواء سيف الإسلام القذافي.

وهذه ألمانيا تدعو كذلك دولة الإمارات لمعرفتها مدى قدرة البترودولار على التأثير في الراهن الليبي ماليًّا وعسكريًّا عبر مصر. لم تقص برلين من الدول التي تحدّ ليبيا إذن سوى تونس وتشاد والنيجر. فلئن كان هذان البلدان حاضرين في المؤتمر بالوكالة عبر الراعي الفرنسي فإنّ تونس وجدت نفسها الدولة المستبعدة اليتيمة، رغم أنّها الأقرب إلى بؤرة الصراع وتداعياته المحتملة.

مع ذلك، تعاملت برلين مع تونس على أنّها لا تختلف ولو قيد أنملة عن تشاد والنيجر البعيدتين آلاف الكيلومترات. وهي معاملة البلد التابع لسياسات دول أو جماعات أخرى. ففي حين قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حرفيّا، في مقال كتبه لمجلة «بوليتيكو» الأوروبيّة، إنّ «الطريق المؤدّي إلى السلام في ليبيا يمرّ عبر تركيا»، فإنّ الجانب التونسي قد عومل على أنّه لا يزال مجرّد إيّالة عثمانيّة ملزمة بإرسال الخراج السنوي إلى الباب العالي في الآستانة. ودليل ذلك الموجع هو أنّ السلطان العثماني قد حجّم الدور التونسي في الملفّ الليبي وحدّد له أمتار تحرّكاته منذ زيارته غير المعلنة إلى «قرطاج». والمؤسفُ أنّه إمعانًا في طلب الولاء، امتنع ديوان الرئيس التونسي حتّى عن الإعلان عن زيارة أردوغان إلى تونس قبل أن ينقل الإعلام التركي أنباءها، ويفرض أجندته على الإعلام التونسي الذي فضح الغباء المستوطن، فاتُّهِم بالتجنّي وحبك الدسائس لمجرّد أنّه غير مستعدّ إطلاقًا للتفريط في حريّات أكسبته إيّاها الثورة التونسيّة.

رسالة إلى الرئيس

من الضروري تذكير رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بمعطيات لا تقبل التشكيك: – أوّلا: أنّك تُمثّل دستوريًّا رمزًا لوحدة الدولة وأهلها، وثانيا ضامنًا لاستقلالها واستقلاليّتها واستمراريّتها. والحال أنّ دبلوماسيّتك طفقت تتعثّر في أوّل اختبار، وتُظهر أولى حبّات ثمار خطابك القطعي ظاهريّا الذي لا ينظر إلّا في اتّجاهٍ أحاديٍّ، ولا يهتمّ بما تختزنه تونس من تنوّع…

– ثانيًا: عليك، أيّها الرئيس، الاعتبار من دروس التاريخ في المحافظة على كرامة تونس والتونسيّين. لا تنس أنّ الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، بصرف النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا معه في العديد من خياراته، فإنّه لم يُسئ لصورة تونس في المحافل الدوليّة قطّ. ورقات التاريخ سجّلت أنّه رحّل أميرًا سعوديًّا يوم تجاسر على صفع عامل تونسيّ في أحد الفنادق. بورقيبة نفسه هدّد أيضا السفير الأمريكي بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة في حال رفعت واشنطن الفيتو بمجلس الأمن لتجنّب إدانة العدوان العسكري الصهيوني على حمّام الشط.

– ثالثًا: عليك بمراجعة نتائج توريط تونس في الاصطفاف وراء حلفٍ على حساب آخر. دَعنا نسألك إذن عمّن استقبلتهم في القصر الجمهوري بقرطاج لبحث الملفّ الليبي. هل أسعفنا أردوغان وفائز السرّاج وشيوخ بعض القبائل الليبيّة عند الإعداد لمؤتمر برلين؟ هل اعترضوا على الاشتراطات المذلّة التي قد يكون فرضها الجنرال حفتر ومصر والإمارات وألمانيا وكذلك إسرائيل بوصفها لاعبًا من وراء الستار في المؤتمر المذكور؟. كَلّا!، فهؤلاء لا يعنيهم أن تُمرّغ صورة تونس ودبلوماسيّتها في الوحل.

– رابعًا: أنت أعلمُ، أيّها الرئيس، بأنّ الدبلوماسيّة ليست مجرّد خطاب عاطفي وانفعالي قد تُصفّقُ له الجموع، دون وعي بما قد يؤدّي إليه من تداعيات وخيمة. فهل من فائدة من تقديم المبدأ على الخبر حين ينبغي أن يؤخّر أو تأخيره حين يجب أن يُقدّم؟!. يُمكنك طبعًا استخدام كلّ مصطلحات المعجم القانوني والدستوري، ولكن لا معنى لذلك بتاتًا عندما يُصيب الخراب صورة البلاد ومصالحها الحيويّة. ولا نظنّ كذلك أنّ لدى حركة النهضة اليوم القدرة على إجبارك على اتّباع محور جماعة الإخوان في العالم. إذن كيف تُفسّر قصر النظر هذا الذي أوقع دبلوماسيّتنا في حضيض إهانة الدولة التونسيّة؟.

– خامسًا: يمكن أن تجعل من سفير تونس لدى برلين كبش فداء لفضيحة إقصاء تونس المهين من قمّة يُفترض أن تتقدّم فيها الصفوف. وقد تكون لإقالته مبرّرات موضوعيّة لأنّه لم يتحرّك بما فيه الكفاية للتحذير من مغبّة القرار الألماني في الوقت المناسب، بدلا من الإعراب عن استغرابه بعد أن شجّت الفأس موقع الدماغ في الرأس.

خلفيّات الإقصاء

صحيح أن استبعاد تونس من مؤتمر برلين قد عكس فشلا كليًّا للدبلوماسيّة التونسيّة في الملفّ الليبي، لكنه يُشكّل أيضًا طعنةً ألمانيّةً عميقةً جدًّا لكلّ التونسيين. سفير ألمانيا بتونس أندرياس رينكيه أكّد في تصريح صحفي أنّ عدم تشريك تونس في قمة برلين «كان قرارًا صعبًا»، زاعمًا بمنتهى الاستبلاه أنّ «الهدف الأوّل من القرار كان التقليص من عدد الجالسين إلى طاولة التفاوض». أمّا وسيلة الإعلام الألمانيّة الأبرز دويتشه فيلا (DW)، فقد تحدّثت بكلّ استعلاء عن الموقف التونسي بالإشارة إلى «عتب البعض على استبعاده» وإلى «سعي تونس واليونان للالتحاق بالحاضرين». هذه التوصيفات التي تتباهى بأنّ ألمانيا داعم رئيسي للانتقال الديمقراطي في تونس إنّما تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ«ربّ عذرٍ أقبحُ من ذنبٍ».

لن نُفشي سرًّا إذا ذكرنا أنّ عموم التونسيّين يُحبّون ألمانيا التي استطاعت النهوض من تحت دمار النازيّة والتربّع على عرش العالم تطوّرًا وتقدّمًا في أكثر المجالات، ولكن لا معنى لِمَا يجمعنا بألمانيا من احترام إلّا انطلاقا من عشقنا قبل ذلك لتونس دولةً وشعبًا ورمزًا وتاريخًا عريقًا أكثرَ وأكثر. ومع ذلك فإنّ برلين أقدمت على إهانة من كانوا يتوهّمون أنّها بلد ذو أخلاق. ولم تفكّر عند اتخاذ قرار الإقصاء بأنّها لم تُقدم فقط على ضرب صورة الدبلوماسيّة التونسيّة والرئيس قيس سعيّد وإنّما عاقبت التونسيين جميعًا، وهو ما لا يُمكن القبول به إطلاقًا. فألمانيا لا تجهل أنّه في حال اندلعت حرب طرابلس فإنّ تونس ستكون البوابة الوحيدة لليبيا، وهي التي ستُعاني موجات تدفّق اللاجئين الليبيين وسائر الأفارقة.

ومن ثمّة يبدو من الواضح أنّ هذا التعامي المقصود إنّما يُجسّد وعيًا ألمانيًّا مشوّهًا ينبع من حالة الاستعلاء الموروثة عن الرايخ النازي. فلئن كنّا نتصوّر أنّ ذهنيّة ألمانيا النازيّة قد ذهبت وولّت منذ سقوط زعيم الرايخ، فإنّه يبدو أنّ بعض أوداج برلين لا تزال تتوهّم، بمكابرةٍ فاحشةٍ، القدرة على تغيير الجغرافيا في القرن الحادي والعشرين، عملا بتعاليم بائدة ورثتها سلطة القرار في ألمانيا عن تداعيات الحرب العالميّة الثانية، ولم تستطع الانفكاك من الجراح التي خلّفها. وفي مقدّمة ذلك خضوع السياسة الألمانيّة لابتزاز اللوبي اليهودي الداعم لإسرائيل. وهو لوبي مهيمن ما انفكّ يتأهّب ويتحرّك لمعاقبة تونس بسبب الخطاب الذي اعتمده قيس سعيّد خلال الحملة الانتخابيّة، وبدأ يُؤتي أكله من الحنظل اليوم.

سعت ألمانيا، منذ سنوات، إلى جعل تونس شرطيّ أوروبا في مراقبة موجات الهجرة غير النظاميّة، بل وحاولت الدفع في اتجاه إقامة معسكرات في الأراضي التونسيّة لترحيل هؤلاء. وهو ما يعكس منتهى الانتهازيّة الدبلوماسيّة والسياسيّة. فمن جهة تقبل مليون لاجئ أتوها من الشرق، ومن جهة ثانية تسعى إلى خنق تونس في فترة تدرك أنّها تخوض أقصى مراحل معاناتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة. ومن جهة أخرى تسطو على الكفاءات التونسيّة على غرار الأطباء لاحتوائهم مع أنّها لم تكلّف نفسها دولارا واحدا في تكوينهم. وفي آخر المطاف لا تتوانى على توجيه صفعة الإقصاء الشديدة، ثمّ تبادر في آخر لحظة إلى دعوة تونس، وكأنّ رئيس الدولة متلهّف على الإقامة في فندق فخم في العاصمة الألمانيّة.

أمام كلّ ذلك يبدو من المهمّ إذن التنبيه إلى ضرورة مغالبة الوقت والتخلّي عن سياسة المحاور الأيديولوجيّة المدمّرة، لاسيما أنّ لدى تونس أوراقا عديدة يمكن أن تضعها على طاولة المفاوضات مستقبلا، حفاظًا على هيبتها وكرامة أبنائها، ودفاعا عن مصالحها، وإعمالا لعقل الدولة. وفي مقدّمتها ملف الهجرة والقدرة على التأثير البالغ في الملف الليبي عبر بوّاباتنا الحدوديّة التي تُمثّل المنفذ الأهمّ إلى العاصمة الليبيّة…

نُشر بأسبوعية “الشارع المغاربي ” في العدد الصادر يوم الثلاثاء 21 جانفي 2020


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING