الشارع المغاربي – الدّين وإعادة التشّكل في الزّمن الكوفيدي / بقلم: د. منية العلمي
1000x300

الدّين وإعادة التشّكل في الزّمن الكوفيدي / بقلم: د. منية العلمي

قسم الأخبار

11 أبريل، 2020

الشارع المغاربي: لطالما تحدّثنا في مناسبات عديدة ومتنّوعة عن ضرورة الانتقال من معاينة النصّوص الدينيّة من زاوية حرفيّة ظاهراتيّة، نحو زاوية مقاصديّة تبلغ روح الأحكام وجوهر الدّين، وعلى رأي الجويني في برهانه:”ومن لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنّواهي فليس على بصيرة في وضع الشّريعة” .

تكّلمنا، وكتبنا، وحاضرنا، حول هذه الرّؤية المنهجيّة في عديد المناسبات، ودافعنا عن الحاجة الماسّة لتوّخي هذا المنهج الدّلالي في عمليّة القراءة، والفهم، والتبليغ، وكذلك الإرشاد والتّوجيه. ولقد كّلفنا ذلك ما كّلفنا من عنف في بعض ردود الأفعال من أصحاب الفكر المحنّط، على مستوى  شخصيّ، وحتّى على مستوى ثقافيّ واجتماعيّ، كلّ ذلك حدث ضمن إطار عامّ متمّسك بالحرفيّات والنّقول، يخشى المواجهة المنهجيّة، كما يخشى الخروج بمفاهيم جديدة غير التّي يباركها العامّة ويعتقد فيها قياديّوهم ورموزهم الدينيّون.

واليوم، ومع ما يعيش العالم جرّاء تفشي فيروس كوفيد-19، ومن خلال متابعتنا أغلب ردود الفعل الفرديّة والجماعيّة والمنتمية لطبقات اجتماعيّة وثقافيّة متنّوعة، لفت نظرنا تحصّن شقّ كبير من التونسيين بالمقاومة الروحيّة / الدينيّة، والتّي لجأت إليها غالبيّة البشر في مختلف أنحاء المعمورة كردّ فعل فطريّ على هذه الجائحة. فكان أن لاحظنا إجماعا منهم على تثمين البعد الرّوحي والإنساني العميقين للدّين مرّكزين في تفاعلاتهم تلك، على مفاهيم إيتيقيّة روحيّة في غياب تامّ للاهتمام بمفاهيم مستمدّة من سياقات محدودة تنتصر لمصلحة فرديّة أو تخدم جهة على حساب أخرى، أو تغيّب جنسا أو نوعا على حساب آخر… ولعلّ ذلك ما مثّل دافعا لنا لصياغة هذا المقال. فلقد لاحظنا في إطار متابعتنا تلك، أنّ ما عجزنا عن تبليغه –ربّما- في أشغالنا العلميّة، نجح الفيروس اللّعين في دفع المجموعات البشريّة للوعي به.

كان منهجنا نظريّا، و كان منهج الفيروس تطبيقيّا، مباشرا، شاملا، غير معنيّ بالتّصنيفات ولا بالتّقسيمات، ولا بالطبقات، ولا بالأنساب، ولا بغيرها. نجح الفيروس حيث فشل الأكاديميّون، والمثقفون والدّعاة المستنيرون، في إعادة تشكيل الوعي بالمسألة الدينيّة وفق تراتيب قيميَة، إنسانيَة، عالميَة، مستمدَة من التصوَر الإيمانيَ للإنسان وللوجود من حوله،  بل والأغرب من ذلك، نجح في إلغاء وظيفة من أقدم الوظائف على وجه الأرض، هي وظيفة الوساطة بين العبد وخالقه، فلا منابر، ولا دعاة، ولا مناسك، ولا شعائر منعت من تحقيق التّواصل المباشر بين الله والإنسان.

فمثلا لاحظنا أنّ الجامع المانع بين مختلف التّدوينات ذات المحتوى الدّيني على صفحات التّواصل الاجتماعي، والصّادرة عن روّاد له من الجنسين، تلقوا تكوينا علميّا مختلفا، ومن شرائح عمريّة مختلفة، ومن مناطق جغرافيّة متنوّعة، أنّ اللجوء كان في تلك التّدوينات والنشريّات، للدّعاء في المرتبة الأولى، كشكل مباشر للعلاقة بالله ، ثمّ للأناشيد الصوفيّة، وأيضا للآيات القرآنيّة ذات البعد القيميّ الأخلاقي والإنساني، أو للأحاديث النبويّة الدّاعية إلى الفضائل وإلى قيم التّراحم، والتّكافل، والإيثار، والحاثّة كذلك على الإحسان، والتّضحية والعطاء، حتّى أضحت تلك الوسائط التواصليّة الافتراضيّة، فضاء لعائلة روحيّة واحدة ملتفة حول المشترك الدّيني الإنساني.

لقد نجحت هذه الأزمة العالميّة في إحياء وتعزيز المنهج المقاصدي في التّعامل مع النّصوص الدينيّة ، منهج أثبت جدارته في كلّ مرّة على الالتحام بالواقع البشريّ بتقلباته وبأحواله المختلفة ، واثبت أن له القدرة على تفعيل آليّة السياق وعلى مراعاة الأحوال، وعلى اعتبار المصلحة.

فمن جانب السّياق، لعلّ في ما أورد الزّركشي بمحيطه، من قول الشيخ عز الدّين بن عبد السّلام، أفضل تبيان لأهميّته في استجلاء المراد الإلهي، إذ يقول:”السّياق يُرشد إلى تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، وكلّ ذلك بعرف الاستعمال”.

فالسّياق، وفي كلّ زمان، لا ينفّك معبّرا عن بيئة لغويّة وتداوليّة ترعى مجموع العناصر المعرفيّة التي يقدمها النّصّ للقارئ، فهو آليّة مفاهيميّة، تعتبر غرضا مرَوُمًا ومستعجلا في ظلّ ما نشهد اليوم، من لُبس في المعنى وخلط في الأحكام، نتيجة عدم اعتباره وتجاهله، أو توظيفه بما لا يفيد تجديد المعاني والدّلالات، ممّا أدّى إلى شبهات طالت القرآن الكريم، من خلال قراءات مغلوطة، تتعمّد هدم المباني القرآنيّة القيميّة، والأخلاقيّة، والتشريعيّة وحتى العباديّة.

أمّا من جانب المصلحة، والتي يرد في تعريفها- وفق الغزالي- أنّها المحافظة على مقصود الشّرع، أو هي المنفعة التي قصدها المشرّع الحكيم لعباده- وفق البوطي-  فهي محّل إجماع العلماء على أهميّة مراعاتها في التّشريعات الإسلاميّة، باعتبار أنّها من أبرز القواعد المقاصديّة التي ذكرها ابن عاشور كقاعدة كليّة في الشّريعة، دفعت إلى تداول القول بأنّ الشّريعة كلّها مصالح، فالمشرّع الحكيم ينحو نحو تغليب المصلحة في جميع الأوامر والخلق، ذلك ما أكّده القرافي في فروقه حين وصف مراعاة المصلحة بأنها عادة الله تعالى في الخلق وفي وضع التشريعات. .

ولن نتوّسع أكثر في تقديم هذه التّوضيحات و التّعريفات، باعتبار طبيعة المقال التّي لا نرغب في أن تكون أكاديميّة، غير أنّنا أوردنا تلك التّفاصيل، لإبراز الاستعداد الطبيعي للفرد المتديّن للتّعامل وللتّفاعل مع النصّ، عبر وسائط تحقق الفهم الإنساني العميق والشّامل للوضع البشري في كلّ حالاته، وهو ما سجّلناه خلال ملاحظة هذه الأزمة الكارثيّة، وتداعياتها الروحيّة والنفسيّة على المتديّنين، وحتّى على غيرهم ممّن انخرطوا في قدّاس عالميّ يجسّم المشترك الدّيني، و يُفعّل مقوّماته و خصائصه، في ظرف استثنائي استشعر فيه العبد عجزه، وضعفه، وحاجته الماسّة لرحمة الذّات العليّة، فهو وفق الآية الكريمة “ربّ العالمين الرحمان الرّحيم”.

ولن يتمّ ذلك دون تعميق النّظر في علم المقاصد ذاته، بما يوّفر من فهم خصب للدّين. ولا يخفى أنّ الشاطبي (790ه) قد دّشن توسيع الاهتمام بهذا العلم في موافقاته، ونقل النصّ القرآني من خلاله، من وضع لفظيّ/ لغوي -أسّس له الأصوليّون من قبله- إلى وضع جامع/ كليّ لا يستقيم بلوغ غائيّة الوحي و التنزيل إلاّ من خلاله.

فهذا المنهج يمتلك  وحده القدرة على تجاوز الفهم التقليدي الذي تضيق به أحوال النّاس، ويمّكن من استجلاء المعاني الممتدّة غير المسطحة، والجامعة بين هموم البشرية أينما كانت، و كيفما كانت، كما هو حالها اليوم نتيجة تفّشي الوباء اللعين.

فأن تكون مسلما أو متديّنا على وجه العموم، يعني أن تبلغ بفهمك للدّين، المنهج الإنساني العميق، عندما تنتصر لعمقه، ولجوهره، وعندما تندد بضيق الفهم وتحجّره.

نجح كوفيد-19 في إعادة تشكيل المسألة الدينيّة والوعي بها، في عمقها، وفي وسائطها، و في أدواتها، نجح في زعزعة المناهج الموروثة ، وفي خلق علائقية جديدة مع النصّوص تتوسّل المبادرة الفرديّة، وتعدم المسّلمات التفسيريّة الموروثة المغذيّة للعصبيّة، نحو قداسة للنصّ وحده بعيدة عن توسّل مباركة “رجال الدّين”،  نجحت في عودة فرديّة للأصل، للقراءة بأدوات الرّهبة و الأمل، بأدوات كورونا التي دمرت النزعة الفردية و جعلت البشر يؤمون بأن خلاصهم واحد.

أثبتت أزمة كورونا اليوم، أن لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، فلا معبد، ولا حرّاس له، أمام قيمة الحياة ، كما دفعت هذه المحنة بمعظم المتديّنين إلى استحضار فعل التّأمل، والتدّبر والتفّكر في الكون، وفي ملكوت الله، وقدرته وجبروته، متوسّلين لطفه تعالى ورحمته، بدافع ذاتي فطري بعيدا عن كلّ أشكال الوسائط التقليديّة. هذا يجعلنا نؤكد مرة أخرى على ضرورة تفعيل القراءة المقاصديّة للقرآن الكريم، وعلى الالتفاف حول النصّ برؤية غائيّة، استشرافيّة لمضامينه ولأحكامه، من دون تقديس لموروث أنتجه أصحابه كفكر بشري مداره حول النصّ، فالفكر الإسلاميّ بتقديس الموروث يغلق على نفسه منافذ الإبداع، ويعطّل فعل القراءة للمقدّس الأصل:القرآن الكريم، إنّ ذلك الفكر الذي شُيّدت له المعابد، وتكّون في حرمه كهنوت جديد، أثبت اليوم وفي ظل هذه الجائحة العالميّة، إفلاسه على مستوى إدارة الأزمة، فقد يظهر أصحابه على وسائل التّواصل السّمعي البصري، ووسائل التواصل الاجتماعي بإطلالاتهم البهيّة، داعين لجهاد مغشوش في العراق وفي سوريا، أو محللين لما يسّمى بجهاد النكاح بلا حياء، و لا ضمير إنساني، أو دينيّ، أو أخلاقيّ، و قد يظهرون أيضا كمقدّمي فتوى حول رضاع الكبير، كمبتكري نوع جديد من أنواع الزّواج، هذا دون الحديث عن إبداعاتهم الخالدة في شأن النّساء، وحتّى في شأن كورونا، حيث تبيّن لأحدهم مثلا، أنّ هذا الوباء ما هو إلاّ عقاب إلهيّ لتونس جرّاء منعها حمل النّقاب.

غير أنّ هؤلاء لم ولن يظهروا، لدفع النّاس الذين يصنعون أمجادهم، نحو تقديم مدّخراتهم للعمرة والحجّ  للإسهام في إنقاذ الإنسانيّة-ونحن والعالم في ظروف استثنائية ألغت فيها السّعودية الحجّ  والعمرة لهذه السنة– لم يظهروا لحثّ الملايين من أتباعهم وانصارهم لدفع مدّخراتهم تلك لإنشاء مراكز بحوث علميّة، أو لبعث مخابر تحاليل، أو لتجهيز المستشفيات أو لبناء غيرها بالمناطق التّي لا توجد بها أدنى مؤسسة صحيّة، وإقناعهم بأنّ صنيعهم ذاك يحتسب عند الله صدقة جارية تدخلهم جنّتي الدّنيا والآخرة فضلا عن إدخالهم التّاريخ- علما وأنّ تكاليف الحجّ بلغت في السّنة الفارطة وفق وزارة الشؤون الدينيّة في تونس، ما يناهز 14000 دت، أنّ عدد الحجاج ناهز11000 حاج- عوضا عن بناء مسجد يوجد غيره على بعد مئات من الأمتار، ففي تونس والحمد لله مثلا لدينا أكثر من 5000 مسجد وجامع.

لم يظهروا ليذّكروهم بآيات من قبيل “.. ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعا..”، أو ليشرحوا لأتباعهم وانصارهم، دلالات طالعة القرآن” اقـــــرأ”.

كل ذلك يؤكّد أنّ كوفيد-19 من ضمن ما نجح فيه، تعريته عديد الحقائق وفي مجالات متعدّدة، سياسيّة واجتماعيّة وغيرها، ومنها المجال الدّيني، وتحديدا مجال المتعاطين مع القرآن الكريم، و السنّة الشريفة، والموروث الإسلامي عموما، من الدّعاة و المفتين ومن يعتبرون أنفسهم ” رجال دين” يؤثرون في شرائح واسعة من المجتمعات الإسلاميّة.

لقد صنع الفيروس اللعين من حيث لا يدري، المتديّن الكوني، والمسلم المقاصدي، كما  شّهر بشيوخ الفتنة و الاقتتال، صانعي ثقافة الموت ممّن حقّقوا أمجادهم على حساب ثقافة الحياة ومعاني الإنسانية، معدمين كلّ أنفاس التحرّر المبثوثة في القرآن الكريم، لأنّ الدّين لا يمكن أن يكون إلاّ إكسير حياة.

 


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING