الشارع المغاربي – في الذكرى 61: القصة الخفية للخيار الجمهوري بتونس (1879 - 1957) بقلم المؤرخ لطفي الشايبي
1000x300

في الذكرى 61: القصة الخفية للخيار الجمهوري بتونس (1879 – 1957) بقلم المؤرخ لطفي الشايبي

25 يوليو، 2018

الشارع المغاربي: تُدْرج الدعوة للنظام الجمهوري في العالم الإسلامي العثماني المتوسّطي وتحديدا الإيالة التونسية الحسينية في سياق تداعيات انتصار الثورة الفرنسية سنة 1789 التي، كما أبانها الوزير المصلح خير الدين التونسي، «ساقت الملك لويس السادس عشر إلى مقتله وعوضت الملك بالربوبليك (أي الجمهورية) في سنة إثنتين وتسعين وسبعمائة وألف وأعطت الأمة الكونستيتيون مؤسّسا على الحقوق الإنسانية. وقد وضع هذا الانقلاب الفرنساوي مبدأ تاريخ جديد للاجتماع الإنساني حيث غيّر حال الناس إلى طور جديد بالانتقال من ربقة العبودية إلى تمام الحرية كما كانت ثورة انقلترا مبدأ تاريخ لدولة منظمة»(1).

مبادئ الثورة الفرنسية تستهوي النخبة الإصلاحية التونسية

ولئن تناغمت الحركة الإصلاحية التونسية مع دعوة التنظيمات العثمانية إلى حسن الإمارة والإدارة وإلى ما ترتّب عن إلغاء الملكية الفرنسية وإعلان الجمهورية 1792 من تكريس للحكم المقيّد بقانون شرعي أي دستور، فإنها لم تفصح عن خيار صريح وثابت للنظام الجمهوري. فبقدر ما أقرّ أحمد ابن أبي الضياف في « إتحافه» بأن الملك المقيد بقانون هو « الملك الذي يحاط به العباد، ويماط به الفساد، ويناط به المراد»(2)، خٓشي أن يناله استبداد الملك القهري إذا صرّح بميله إلى الملك الجمهوري المتماشي مع مبادئ الشورى الإسلامية. حيث يذكر من جهة أن في  الصنف الجمهوري « نفع دنيوي للعامة والخاصة» ثم يتدارك ذلك بسرعة مؤكّدا على أن «قواعد الملّة الإسلامية لا تقتضيه، لأن منصب الإمامة واجب على الأمّة شرعا، يأثمون بتركه، مثل تغيير المنكر»(3). وعلى أيّة حال لم يجْهر كلّ من  خيرالدين التونسي وأحمد ابن أبي الضياف بميلهما إلى النظام الجمهوري الذي سيقوض حتما نظام البايات في صورة الدعوة إليه.

ولكن في ثنايا التمهيد لانتصاب الحماية الفرنسية 18781881  هاجر بعض وجوه الإصلاح التونسي مثل بيرم الخامس وخير الدين التونسي والجنرال حسين نحو مصر والأستانة وإيطاليا ثم تلاهما في العقد الثاني من القرن الماضي إثر مقاطعة الترام سنة 1912، الشقيقان علي ومحمد باش حامبة نحو اسطمبول ولوزان بسويسرا. وعبّرت هذه الشخصيات الإصلاحية والوطنية في المهجرتناغما مع الدعوة الماصونية الفرنسية لعلوية النظام الجمهوري والتعريف بمبادئه في الامبراطورية الاستعمارية من جهة وتفاعلا مع الدعاية الألمانية أثناء الحرب العالمية الأولى التي بشّرت بجمهورية الريف المغربي (غرة جويلية 1923/ حركة عبد الكريم الخطابي) من جهة ثانيةعلى خيارها للملك الجمهوري.

ففي الرسالة التي وجهها الجنرال حسين المُبْعد في إيطاليا إلى خير الدين إثر إستقالته من خطة الصّدارة الكبرى للدولة العثمانية باسطنبول والمؤرّخة في 22 أوت 1879، أفصح عن رغبته «لكتب رسالةحتى أبين للمسلمين أن ديننا يسوغ الجمهورية، أعني الريبوبليك، عند فقدان من هو أهل للإمارة» مندّدا بموقف السلطان المخالف بدون دليل ما اتفق عليه وزراءه (4). والمؤكد أن الأحزاب الفرنسية ذات التيار الجمهوري الاشتراكي والراديكالي التي أسست فيدراليات لها في تونس أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ساهمت بقدر كبير عن طريق صحفها مثل Le Républicain، وLe Progrès de Tunis وLe Libéral de Tunis وTunisSocialisteوLe Courrier de Tunisie في إرساء الدعوة للملك الجمهوري الذي طال النخب التونسية وفي مقدّمتهم الشيخ عبد العزيز الثعالبي ومحمد باش حامبة ومحمد نعمان (5). ونكتفي في هذا الصّدد بالإشارة  إلى ما ورد في الرّسالة المؤرّخة في 31 جانفي 1920 والمُوٓجّهة من محمد باش حامبة (جنيف) إلى الشيخ عبد العزيز الثعالبي (باريس) والتي دعت بصفة صريحة إلى «قلب نظام الحكم ( إلغاء النظام الملكي أي نظام البايات) وتكوين حكومة يعينها مجلس منتخب من طرف كافة سكان البلاد»(6). وكان الشقيقان علي ومحمد باش حامبة أثناء الحرب العالمية الأولى قد قرّرا انطلاقا من المهجر، مناهضة الحضور الاستعماري الفرنسي في تونس والجزائر بحدّ السلاح وبالدعاية للاستقلال وهو ما أزعج محمد الناصر باي الذي سارع  بإمضاء الأمر المؤرخ في 5 جويلية 1917 والقاضي بحجز أملاك علي باش حامبة المتهم «بإثارة حركة من شأنها إحداث قلاقل خطيرة بين السكان المسلمين بتونس».

المحصّلة، أن التوافق بين الحزب الحر الدستوري التونسي الذي نشأ في مارس 1920 واحتضان محمد الناصر باي مطلب الدستور جوان 1920 مهّدا طريق الدعوة إلى الملكية الدستورية إلى حدود انعقاد مؤتمر الحزب بنهج الجبل (1213 ماي 1933).

مصطلح سيادة الشعب في خضم التنافس/ الصراع البورقيبي اليوسفي

لم يغب عن المناضل الكاتب الفرنسي المقيم في تونس» آرتور بلاغران» Arthur Pellegrin 18911956) والمنضوي إلى الفيدرالية الاشتراكية بتونس ما حصل من تطوّر في برنامج الحزب بين 1920 و1933 مشيرا إلى فكرة قابلية إقرار النظام الجمهوري من قبل «النخبة الوطنية الشابة / جماعة L’Action  Tunisienne التي انضمت إلى اللجنة التنفيذية المُوسّعة حيث بٓدٓت فكرة الجمهورية التونسية تُجٓنّح وتولج النفوس»(7). ففي سنة 1920، جاء في ميثاق الحزب بأن الأمير الحاكم مكلّف أيضا باختيار رئيس الحكومة (الوزراء التونسيون). وبهذه الصفة، يؤدي دورا شبيها لرئيس الجمهورية الفرنسية. بينما في 1933، لم يكن الدستور الجديد المصادق عليه مُعترفا بالأمير. بل  بدى في غنى عنه. وهكذا أصبحت فكرة الجمهورية التونسية، واحدة وغير مجزأة، تحلّق في الفضاء. فقد صادق مؤتمر نهج الجبل على مبدإ تكريس سيادة الشعب : «يعلن الحزب أن الغاية التي ترْمي إليها أعماله السياسية في تحْرير الشعب التونسي وتمتيع البلاد التونسية بنظام سياسي قارّ منيع يكون دستورا يحافظ على الشخصية التونسية وتتحقّق به سيادة الشعب».

واختار الديوان السياسي المنبثق عن مؤتمر الحزب الحر الدستوري بقصر هلال (2مارس 1934) بمناسبة الإعلان عن برنامجه وأسلوبه في الكفاح أن يهدّىء من تداعيات مقال «آرتور بلاغران» وما صدر عنه من استنتاجات في شأن الخيار الجمهوري وينفي «التعرض لها أصلا» مشيرا إلى «أن بعض الجرائد المحلية أرادت أن توهم الحكومة أن برنامجها يتعارض مع بقاء الهيئة المالكة في هاته البلاد ويرمي إلى تأسيس جمهوريةومع أن سائر رغائب هاته الأمة ممكن تحقيقها من دون أن تمس كرامة الملك المعظم أيده الله، في نيل الأمة لحرياتها ورغائبها تعزيز للسلطة المالكة. وأقوى دليل على ذلك هو أن السلطة قبل الحماية قد سنت قوانين وأنظمة منها عهد الأمان ودستور عام 1861 الذين في تنفيذهما فقط اتصال الأمة بحقوقها وبلوغها أمنيتها، ولو كانت تلك التغييرات متجهة ضد العرش لما بادر الملك في ذلك العهد من تلقاء نفسه وعن طيب خاطر بمنحها لأمته راغبا تطبيقها في الحال» (8).

وتبعا لهذا التوضيح، استقر لدى قادة الحزب خيار الملكية الدستورية  والجهْر به مع إخفاء خيار الملك الجمهوري لدى البعض منهم (الحبيب بورقيبة، الهادي نويرة، سليمان بن سليمان) والذي أقرّته «لجنة الدراسات المكلفة بصياغة الإصلاحات السياسية لصالح الشعب التونسي» في اجتماعها المنعقد يوم 13 نوفمبر 1944 ، طالبة الاستقلال الداخلي للأمة التونسية وإقامة نظام ملكي دستوري. غير أن إزاحة الباي الوطني محمد المنصف عن العرش الحسيني ونفيه في مدينة «بو» الفرنسية إلى حدود وفاته (غرة سبتمبر 1948) وتعويضه بمحمد الأمين ، «الباي المنصّب» من جهة وهجرة الزعيم الحبيب بورقيبة إلى الشرق العربي لتدويل القضية التونسية في جدول أعمال جامعة الدول العربية (19451946) ثم تحوّله إلى جمعية الأمم المتحدة بنيويورك (1947) وتكليف الديوان السياسي بتونس تحت إشراف صالح بن يوسف بالسهر على إعادة نشاط الحزب وإنجاز برنامجه في بعث المنظمات القومية من جهة ثانية طٓرٓحٓا بقوّة مسألة الظفر بصفة المحاور الجدير لدى السلطة الاستعمارية.

وسعى كلّ من الزعيمين بورقيبة وبن يوسف انطلاقا من مهامهما في الرئاسة والأمانة العامة للحزب إلى الظفر بهذه الصفة، الأوّل بالحصول من المنصف باي على تفويض بمساعدة المناضلين جلولي فارس وأحمد بن صالح «يخول له طرح قضية الباي الشرعي المنفي والقضية التونسية» أمام الهيئات الدولية، والثاني بالتقرب من محمد الأمين باي واعدا إياه بالمساندة في تحقيق تحوير نظام وراثة العرش الحسيني لصالح الإبن الأكبر للعاهل الحاكم. ويبدو أن مساعي الزعيم بورقيبة لتدويل القضية التونسية عبر جامعة الدول العربية وجمعية الأمم المتحدة لم تسفر عن نتيجة ملموسة بالرغم من الجهود المبذولةفي الوقت الذي كانت تصله أخبار التحالف من تونس الذي أصبح يتجسد يوما بعد يوم بين الزعيم بن يوسف والعاهل الحسيني الحاكمالشيء الذي جعل الزعيم بورقيبة يخطّط لمشروع تهريب المنصف باي من بو إلى القاهرة عن طريق سويسرا (بمساعدة سيسيل حوراني، مدير المكتب العربي للإعلام بنيويورك الذي تعرف عليه خلال زيارته والذي عين مستشارا لدى رئيس الجمهورية التونسية سنة 1965) ثم عن طريق إسبانيا بمساعدة الطالب الدستوري أحمد بن صالح الذي كان وثيق الصلة بالباي المنفي.

وأشعر الزعيم بورقيبة السكرتير الأوّل بالسفارة الأمريكية بمصر (جوانجويلية 1947)، «فليب إيرلند» Philippe Ireland بملامح مشروع التهريب. ويبدو أن الهدف من هذه العملية سحب البساط  أولا من التحالف اليوسفي / الأميني المُقر العزم على إقرار الملكية الدستورية التي ستُبوّب الزعيم صالح بن يوسف لترؤس حكومة المفاوضات المرتقبة والفوز بصفة المحاور الجدير لدى السلطة الإستعمارية وثانيا تمكين المنصف باي حال وصوله إلى القاهرة من الإعلان عن إلغاء نظام البايات وقيام الجمهورية (9).

ويبدو أن الزعيم بن يوسف الذي علم عن طريق مندوب الحزب بباريس المناضل جلولي فارس بمشروع تهريب الباي المنفي إلى القاهرة، تحوّل على جناح السرعة إلى باريس في مُوفى شهر أفريل 1948 وأقنع المنصف باي بوجوب التخلي عن تنفيذ المشروع الذي تم إجهاضه ثم رجع ثانية خلال شهر أكتوبر 1948 لتأكيد خيار الملكية الدستورية إثر وفاة المنصف باي (غرة سبتمبر 1948) في حديث أجراه مع الصحفي «دافيد شملة» من جريدة Le Petit Matin.

«السؤال: حصل الحديث إثر وفاة جلالة الملك سيدي منصف حول قيام جمهورية تونسية. ما هو موقف حزبكم؟

صالح بن يوسف: حزبنا ليس في حاجة لاتخاذ موقف في هذا الموضوع. موقفه معروف جيدا. نحن دائما مع الملكية الدستورية. إن مفهوم الملكية الدستورية متطابق منذ أمد بعيد مع الأمة التونسية. وكل أفراد العرش الحسيني متفقون حول هذا الخيار» (10).

ووظف الزعيم  بن يوسف مؤتمر دار سليم (17 أكتوبر 1948) للظفر بمهام الأمانة العامة وتثبيت أنصاره في مختلف تشكيلات الحزب مُكرّسا عملية المجاوزة على حساب زعامة بورقيبة وأعلن يوم 25 جوان 1949، أي قبل رجوع الزعيم بورقيبة الفجئي من القاهرة إلى مطار العوينة بتونس يوم 8 سبتمبر 1949، عن مبادرته «التي دعا إليها المثقفين ورجال الرأي ليناقشوا اللجنة السياسية المضطلعة بتحرير الدستور التونسي»(11) والتي قدّمت مشروعا في «شكل مقدّمة مؤلّفة من 15 بنْدا تمّ التصديق عليها في مستهلّ شهر جويلية 1949 وتضمّنت في بنْديها الأوّل والثاني :

1الدولة التونسية دولة ملكية دستورية ديمقراطية؛

2السيادة القومية رمزها الأعلى الملك ومصدرها الأمة التونسية وهي تتمثل في النيابة القومية؛(12).

ولم يهدأ بال الزعيم بن يوسف إلى أن نال حقيبة العدلية في وزارة شنيق التفاوضية (أوت 1950مارس 1952) . وقد سبق للمجلس الملي للحزب المنعقد بتونس يوم 4 أوت 1950 وبإشراف رئيسه الزعيم بورقيبة  أن صادق على مشاركة الأمين العام في تلك الحكومة التي حسب تقديره ستوفر له الظفر بصفة المحاور الجدير.

وبقيت الأمور على ما هي طوال فترة المقاومة والصمود (19521954) : التمسك بالمطلب الرسمي للحزب في إقرار الملكية الدستورية واحتداد التنافس بعد استشهاد فرحات حشاد يوم 5 ديسمبر  1952 بين الزعيمين الجمهوريين الحبيب بورقيبة والهادي نويرة من جهة  وبين الزعيم بن يوسف الموالي للملكية الدستورية ويعاضده في هذا المنحى الزعيم المنجي سليم من جهة ثانية. واختار بيار منداس فرانس في جويلية 1954 وبدعم من الزعيم نويرة ، الحبيب بورقيبة محاورا جديرا لدى السلطة الفرنسية.

مراحل الإعداد للخيار الجمهوري

ولم يُخْف الزعيم بورقيبة في لقائه مع رئيس الحكومة الفرنسية الراديكالي « إدقار فور» قبل عودته مظفّرا يوم 1 جوان 1954 مشروعه الرامي في الإعداد لإلغاء نظام البايات وإعلان الجمهورية. وكان الشرط الأوّل لتحقيق ذلك الانقلاب يتمثل في انتخابات المجلس القومي التأسيسي يوم 25 مارس 1956 وانتصار قائمات « الجبهة الوطنية» (التحالف الانتخابي بين الحزب الحر الدستوري التونسي والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والاتحاد القومي للمزارعين التونسيين) التي فازت بجلّ مقاعد المجلس (98). وإلتأمت أول جلسة له يوم 8 أفريل 1956 إيحاء إلى مظاهرة تونس الحاشدة (8 أفريل 1938) التي طالبت بدستور تونسي وحكومة وطنية. ويروي المناضل النائب الرشيد إدريس تفاصيل الإعلان عن الجمهورية يوم 25 جويلية 1957 في « مذكراته» (13) نقتطف منها الفقرات التالية :

«وفي بداية الاجتماع الحاسم الذي التأم يوم 25 جويلية ذكر رئيس اللجنة السيد أحمد بن صالح : « أن اللجنة رأت ألا تكتفي برأيها فيما يتعلق بشكل الدولة وبما أن المسألة عظيمة بالنسبة إلى مستقبل البلاد رأينا أن يتخذ المجلس التأسيسي بمجموع نوابه سواء منهم الذين يضطلعون بمسؤوليات في الحكومة أو في غيرها أو كنواب فقط أن يضطلعوا بهاته المسؤولية وأن يتخذوا القرار الحاسم في ضبط شكل الدولة

ثم طلب النائب الرشيد إدريس الكلمة وألقى خطابا تحليليا جاء في بدايته : « إننا اليوم نجتمع لتقرير شكل الحكم كتمهيد للدستور المنتظر الذي نعمل له منذ أكثر من سنة. ولقد تروينا وأعلنا هذا مرارا وأن رأينا استقر وقد جاء اليوم السيد رئيس لجنة التنسيق يقول لنا كلاما أقرب إلى المبادئ والعموميات منه إلى الحقائق ونحن نريد كلمة صريحة لا لبس فيها ولا شبه. نريد أن نعلم الصيغة التي تكون بها سيادة الشعب. نريدها كلمة واضحة لا التباس فيها ولا التواء نريدها جمهورية حرة».

وتداول الخطباء مؤيدين قيام النظام الجمهوري ومن ضمنهم مداخلة النائب محمد بدرة الذي طالب المجلس بأن يعتبر محمد المنصف باي من قادة الشعب ثم جاء دور الزعيم الحبيب بورقيبة الذي كان يشغل منصب رئيس الحكومة فألقى خطابا تعرض فيه لكفاح الشعب التونسي ولتعاون البايات مع الاستعمار الفرنسي ومحاولة استبقاء السلطة الفرنسية على حساب الحكم الوطني واصفا حسين بن علي مؤسس العرش الحسيني بكونه ليس إلاقشّة جابها الواد“. وعلى إثره، تمت عملية التصويت فكان الجواب بنعم ثم أعيدت العملية لمزيد الوضوح فكان الجوابالجمهوريةثم رفعت الجلسة إثر ذلك لتمكين لجنة الصياغة من تحرير القرار والتأمت من جديد فدعا رئيس المجلس السيد جلولي فارس الرئيس الحبيب بورقيبة إلى المنصة، وصفق النواب تصفيقا حارا وأنشدوا حماة الحمى.بعد النشيد تقدم رئيس المجلس وقال:

« أتلو عليكم القرار العظيم.

« بسم الله الرحمان الرحيم

«نحن نواب الأمة التونسية أعضاء المجلس القومي التأسيسي، بمقتضى ما لنا من نفوذ كامل مستمد من الشعب. وتدعيما لأركان استقلال الدولة وسيادة الشعب وسيرا في طريق النظام الديموقراطي الذي هو وجهة المجلس في تسطير الدستور.

«نتخذ باسم الشعب القرار التالي النافذ المفعول حالا:

نلغي النظام الملكي إلغاء تاما.

نعلن أن تونس دولة جمهورية.

نكلف رئيس الحكومة السيد الحبيب بورقيبة بمهام رئاسة الدولة على حالها الحاضر ريثما يدخل الدستور في حيز التطبيق ونطلق عليه لقب رئيس الجمهورية التونسية.

نكلف الحكومة بتنفيذ هذا القرار وباتخاذ التدابير اللازمة لصيانة النظام الجمهوري كما نكلف كلا من رئيس المجلس والأمين العام لمكتب المجلس والحكومة بإبلاغ هذا القرار إلى الخاص والعام.

«أصدرناه في قصر المجلس بباردو يوم الخميس في 26 ذي الحجة سنة 1376 وفي 25 جويلية 1957 على السادسة مساء.

جلولي فارس

رئيس المجلس القومي التأسيسي».

الهوامش :

(1) التونسي (خير الدين): أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك. المجلد الأول. تونس، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، 2000، ص. 274275.

(2) ابن أبي الضياف (أحمد): إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. الجزء الأول. تونس، 1963، ص. 32.

(3) نفس المصدر، ص.28.

(4) رسائل حسين إلى خيرالدين . الجزء الثالث. جمعها وحققها أ.د. أحمد عبد السلام. قرطاج، بيت الحكمة، 1992، ص. 4344.

(5) بن ميلاد (أحمد) وإدريس (محمد مسعود): الشيخ عبد العزيز الثعالبي والحركة الوطنية 18921940. الجزء الأوّل، قرطاج، بيت الحكمة، 1991، ص. ص. 72 و8990.

(6) طرأ خطأ في تاريخ هذه الرسالة المذكورة في تقرير قاضي     التحقيق العقيد بارون Le Colonel Baron المكلف بقضية        « تونس الشهيدة « والتآمر ضد أمن الدولة والتي شملت كل من عبد العزيز الثعالبي ومحمد باش حامبة ومحمد الرياحي وفرحات بن عياد والشيخ صالح بن يحيى. والصواب هو 31 جانفي عوضا عن 31 جوان 1920. راجع :

مراسلات محمد باش حامبة مع الشيخ عبد العزيز الثعالبي (13 سبتمبر 191931 جانفي 1920). مركز الأرشيف الديبلوماسي بنانت Nantes، صندوق 1552B2 ، الرصد الأول، ص. 252257.

(7) « تونس الاشتراكية»، 28 ماي 1933. مسائل تونسية: تطور الدستور، آرتور بلاغران.

(8) « العمل»، غرة جوان 1934. برنامجنا وأسلوبنا في الكفاح، الديوان السياسي.

(9) انظر شهادة الصحفي اليساري المناهض للاستعمار، «جون روس» الذي زار المنصف باي قبل وفاته أي في شهرأوت 1948 وسجّل ما يلي :

« J’ai fait sa connaissance en 1948, peu avant sa mort,, il entrevoyait un avenir républicain pour la Tunisie. Il m’a dit : « Des Beys, il n’en faut plus ! C’est le peuple qui doit élire ses dirigeants ».

Gauthier (Dominique) : Un homme de l’ombre Jean Rous. Paris, Ed. Cana, 1983, page 2.

(10)   Le Petit Matin, 10 octobre 1948. Nos interviews : Le Néo-Destour est pour une monarchie constitutionnelle, nous déclare Me Salah Ben Youssef de retour de Paris et du Caire, David Chemla.

(11) « الصريح»، 25 جوان 1949. تحرير الدستور التونسي.

(12) « تونس»، 15 جوان 1949. حوادث وإشاعات تصديق الدستور التونسي لائحة المبادئ العامة للدستور التونسي.

(13) إدريس (الرشيد): في طريق الجمهورية. مذكرات. بيروت، دار الغرب الإسلامي، 2001، ص. 513523.


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING