الشارع المغاربي – لطفي زيتون بورقيبي !/ بقلم لطفي النجار
1000x300

لطفي زيتون بورقيبي !/ بقلم لطفي النجار

25 أكتوبر، 2018

الشارع المغاربي : منذ فترة ليست بالقصيرة يطالعنا لطفي زيتون القيادي بحركة النهضة بين الفينة والأخرى بمواقف وآراء يمكن عدّها في باب الرأي “المختلف” عن السّائد ممّا ترسّخ في عقول السواد الأعظم من النهضويين. تعدّدت “تغريدات” زيتون خارج السرب كما وصّفها محمّد بن سالم وتوزّعت مضامينها “المتفرّدة” على الراهن السياسي والجدل الدائر حول مسألة “الاستقرار السياسي والحكومي”، وعلى قضيّة المساواة في الميراث وأخيرا على الدولة الوطنية والدور البورقيبي.

في شهر أوت الفارط اعتبر محمد بن سالم أحد صقور النهضة في تصريح لإذاعة “ديوان آف آم” أنّ المستشار السياسي للحركة لطفي زيتون يغرّد خارج السرب منذ مدّة طويلة، ومشيرا إلى أنّ الأخير قدّم العديد من المواقف المختلفة في العديد من المسائل على غرار مسألة الاستقرار السياسي والاستقرار الحكومي. لم ينف لطفي زيتون في ردّده حينها على محمد بن سالم ضمنيا “شبهة خروجه” عن السرب، واستنكر ما جاء على لسان الأخير قائلا في تدوينة خطّها على صفحته الفايسبوكية إنّها “محاولات لتأسيس بوليس رأي في حركة النهضة”، ومضيفا “إنّ محمد بن سالم يصادر الرأي ويزيّف الحقائق وينشر مسائل داخلية مازال النقاش جاريا فيها داخل المؤسّسات والإصلاح في ذهنه يتعلّق بمسألة تنظيمية تقنية متعلّقة بإفراز المكتب التنفيذي”.

للرجل رأي إذن، يأبى ألّا يتراجع أمام “محاولات” لجمه في الداخل الحزبي عبر “تأسيس لبوليس رأي”، والإصلاح في ذهنه لا يتعلّق بمسألة تنظيمية تقنية متعلّقة بإفراز المكتب التنفيذي، بل هو نقد ذاتي متواصل ومراجعات لما استقر في الذهن ونأي بالنفس عن تزييف الحقائق. نقول هذا طبعا إذا أحسنّا تأويل ألفاظ لطفي زيتون عبر إخراجها من دلالتها المجازية إلى دلالتها الحقيقية كما علّمنا فيلسوفنا الكبير ابن رشد.

في سياقات تأوّلنا المماثل لمضامين المواقف والتصريحات المتفرّدة للطفي زيتون يمكن أن نسرد ذكرا لا حصرا مطالبته بضرورة تغيير النظام السياسي إضافة إلى تعليقه المفاجئ على قضيّة المساواة في الميراث، لمّا اعتبر “المساواة هو موضوع عالمي والإسلام أعطى للمرأة الحدّ الأدنى”، قائلا بالحرف:”موش معناها ما نجموش نزيدوا نعطيوها حقها”، ومضيفا “في النظم الديمقراطية يجب طرح كلّ الملفّات وكلّ الأسئلة مشروعة وعلى الناس المشاركة في صياغة الأجوبة وفق مبدإ المواطنة”.
في البورقيبية والدولة الوطنية…
يبدو أنّ لطفي زيتون لم يعد واقفا عند عتبة الإصداع بالرأي المختلف والتغريد خارج السرب في قضايا راهنة محلّ جدل في الفضاء العام فحسب، بل توغّل في مسلك المراجعات الذاتية إلى حدّ التطرّق إلى موضوع يعتبر أحد أهم “تابوات” الإسلاميين جميعا وهو منزلة بورقيبة ومشروعه التنويري ودوره المحوري في بناء الدولة الوطنية المستندة على قيم المواطنة والحداثة. لقد اعتبر زيتون في تدوينة بمناسبة الاحتفال بعيد الجلاء أنّ معركة بنزرت (التي قادها بورقيبة) هي “التأسيس الثالث للوطنية وواحدة من الملاحم الكبرى للأمّة التونسية في تاريخها المجيد وهي التأسيس الفعلي للجيش والحرس الوطني عمودي الدولة الوطنية التونسية”. بنزرت التأسيس الثالث حسب زيتون للوطنية التونسية”بعد معركة صفاقس التي واجه فيها سكانها مع قبائل المثاليث الباسلة الهجمة الاستعمارية الأولى سنة 1881 ….ومعركة الجنوب الكبرى 1914 التي واجهت فيها قبائل الجنوب الجيشين الفرنسي والإيطالي”، وهي التي أتت “لتسطر ملحمة أخرى لمواجهة الدم بالسيف” كما كتب زيتون على صفحته.

بورقيبة أو “القيادة السياسية” التي يبدو أنّ زيتون قد تحرّج من ذكرها بالإسم اتقاءا لردود فعل قويّة من القواعد النهضوية ومن بعض القيادات المتشدّدة، لم يعد ذلك “العدوّ” “المحارب للإسلام” و”العلماني الذي شيّد دولته على التغريب الحضاري وضرب هويّتها العربية الإسلامية”، بل هو سليل مسيرة نضال ومقاومة ومحطّة رئيسية أسّست للوطنية التونسية.

أعاد لطفي زيتون الاعتبار لبورقيبة وهي خطوة جريئة جدا في العرف النهضوي بل هي خطيرة ويمكن أن يكون لها تداعيات على موقع الرجل في الحركة وعلى مستقبله السياسي، وحاول أن يضعه في مقامه التاريخي والوطني والريادي الذي يستحق عبر قراءة متأنّية هادئة للمعطيات التاريخية بعيدة عن كلّ توتّر إيديولوجي لا يهدف إلّا إلى تصفية حساب لا يوجد إلّا في ذهن من أضمر الحقد والضغينة لبورقيبة. كما أعاد زيتون أيضا في تدوينته المذكورة ترتيب محطات التاريخ الوطني وفق سردية لا تقوم على التزييف والمقولات الإيديولوجية العرجاء والخصومات السياسوية، متوجّها بحديثه إلى الداخل النهضوي وحواشيه ممّن يضمرون أويصرّحون بمعاداتهم لبورقيبة و بالتشكيك في مقاصد حرب الجلاء ومراميها النبيلة قائلا:”البعض تحت تأثير مقولات إيديولوجية عرجاء وخصومات سياسوية يقلّل من قيمة هذه المعركة ويحاول توجيه الإدانة للقيادة السياسية التي دفعت إليها تحت مبرّرات التفاوت في موازين القوّة والتسليح بين الجيشين…ومتى كان تحرير الأوطان يأخذ ذلك بعين الاعتبار…”.

ينهي زيتون تدوينته بجملة تختزل ما نحسبه في باب مراجعات الرجل بجملة كثيفة الدلالة توجّه بها إلى هؤلاء الذين مازالوا تحت وطأة الإيديولوجيا العرجاء:”لا تكونوا خارج تاريخ بلادكم أو على هامشه في ذكرى بنزرت الخالدة..”. وتاريخ البلاد طبعا المقصود به هنا هو التاريخ الذي سطّره الشهداء بدمائهم في محطّات نضالية متعاقبة قبل الاستقلال وبعده، وهو الجمهورية والدولة الوطنية التي كانت الثمرة التي بناها وشيّد أسسها بورقيبة…أما البقاء خارج التاريخ أو على هامشه فلن تؤدّي بالمعنيين بكلام زيتون إلّا إلى الخيبة والخسران…لم يعد كلام الرجل مجازا واستعارة بل صار “مسّان في العظم” !.

 

 


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING