الشارع المغاربي – هل تحولت العلاقات الخليجية الإسرائيلية من التطبيع  الى التحالف غير المعلن؟ /بقلم أحمد بن مصطفى
Geely-GC6

هل تحولت العلاقات الخليجية الإسرائيلية من التطبيع  الى التحالف غير المعلن؟ /بقلم أحمد بن مصطفى

قسم الأخبار

28 سبتمبر، 2020

الشارع المغاربي: لا شك ان التوقيع على “اتفاقية سلام” بين إسرائيل وكل من الامارات والبحرين يشكل نقلة نوعية في مسيرة التطبيع والتعاون العربي الخليجي الاسرائيلي التي انطلقت رسميا بداية التسعينات تزامنا مع مسار أوسلو الذي كان من المفترض ان يؤدي الى إقامة دولة فلسطينية في غضون خمس سنوات بعد انطلاق المفاوضات. وإزاء تعثر مسيرة السلام وتنكّر إسرائيل لتعهداتها، كان على الدول العربية ان تتراجع عن هذا المسار خاصة بعد رفض إسرائيل مخطط السلام العربي الصادر عن القمة العربية المنعقدة ببيروت سنة 2002 التي عرضت التطبيع والتعاون الشامل مع كافة الدول العربية مقابل تفعيل حل الدولتين في حدود 1967 واستعادة كافة الأراضي العربية المحتلة.

لكن جل الدول العربية، الخليجية منها والمغاربية،بدلا من سحب المبادرة مثلما تعهدت بذلك، قبلت ضمنيا، تحت الضغط الأمريكي، بالانخراط في مشروع الشرق الأوسط الجديد القائم على عدم تقييد التعاون والتطبيع بضرورة نجاح مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية. وتستند هذه الرؤية، الى ان رفع العزلة عن إسرائيل وادماج المنطقة اقتصاديا من بوابة التبادل الحر في إطار التنسيق مع مخطط ادماج الدول المغاربية في الفضاء الاقتصادي الأوروبي، هو الكفيل بتحقيق السلام والاستقرار والرخاء لكافة بلدان المنطقة. وهكذا تخلت الجامعة العربية بدفع من الإدارة الامريكية عن مواقفها المبدئية ازاء القضية الفلسطينية وتنازلت فعليا عن إدارة هذا ملف لفائدة الولايات المتحدة التي سرعان ما فرضت ما يسمى بالحرب على الإرهاب على رأس سلم الأولويات العالمية مما أدى الى تهميش الصراع العربي الإسرائيلي ومعه دور البلدان العربية التي فقدت بذلك أي ثقل او تأثير جوهري على مسار الاحداث الإقليمية والدولية.

وفي ظل الأحادية القطبية الخاضعة للهيمنة الامريكية الغربية انخرطت تونس وبلدان الضفة الجنوبية للمتوسط في مسيرة التطبيع من خلال مسار برشلونة بزعامة الاتحاد الأوروبي الذي حرص على توسيع دائرة التعاون مع اسرائيل الى جل الدول العربية وجعله امرا واقعا وشاملا لكافة أوجه التعاون الاقتصادي والثقافي والرياضي وصولا الى المجالات السياسية والعلمية والاستراتيجية.وإثر الحرب على العراق، انكشف الوجه الخفي للمشروع الأمريكي الأوروبي الإسرائيلي المتمثل في تقسيم العالم العربي وتفكيك دوله والسطو على ثرواته لصالح المنظومة الغربية وذلك باللجوء الى الاستهداف العسكري لكافة مصادر التهديد او المقاومة ضد الاحتلال والهيمنة الإسرائيلية، مع السعي الى تحويل التطبيع الى تحالف اقليمي في شكل محور خليجي إسرائيلي موجه ضد إيران ومحور المقاومة.

بعد الثورة التونسية والانتفاضات العربية تدخلت مجموعة السبع لضمان استمرارية سياسات النظام السابق في ما يتصل بتوسيع الانخراط في منظومة التبادل الحر والإبقاء على جسور التواصل غير المباشرة مع إسرائيل. لذلك تم الضغط لمنع تجريم التطبيع سواء بالدستور او بالقانون. كما تدخل الحلف الأطلسي لتوسيع دائرة الاستهداف والاحتلال الى ليبيا وسوريا المعروفتين بعدائهما لإسرائيل وذلك بمساعدة وتنسيق مباشر من الدول الخليجية المناهضة اجمالا لأي نفس ديمقراطي او تحرري في العالم العربي. ويلتقي موقفها هذا موضوعيا مع الكتلة الغربية الحريصة قبل كل شيء على الحفاظ على مصالحها ومناطق نفوذها في الشرق الأوسط وجنوب المتوسط من خلال توسيع انخراط دولها في التبادل الحر الشامل والمعمق ومزيد ادماجها اقتصاديا مع إسرائيل وتعزيز تبعيتها الأمنية والدفاعية والمالية للغرب.

وفي ظل إدارة الرئيس ترامب، تحول الانحياز الأمريكي الى جانب إسرائيل الى انكار لحل الدولتين وتنكر للشرعية الدولية مع الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل والاصطفاف الى جانب مشروع اقصى اليمين الإسرائيلي وهو ما ترجم فيما يسمى بصفقة القرن المؤدية فعليا الى تصفية القضية الفلسطينية وانكار حق الشعب الفلسطيني في الوجود وفي تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. واللافت ان الرئيس الأمريكي يسعى لتوظيف هذا الملف انتخابيا مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي الأمريكي وهو ما يفسر الضجة الدعائية المحيطة بموكب التوقيع على اتفاقيات التطبيع وكثافة الضغوط المسلطة على السعودية ودول عربية أخرى للالتحاق بقافلة المطبعين.

لا يتسع المجال للوقوف على الابعاد الحقيقية لهذا الحدث والأسباب العميقة التي أدت ببعض الدول العربية وخاصة الخليجية الى التنكر بهذا الشكل للحقوق العربية ولحقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين والارتماء في أحضان إسرائيل التي تحولت بقدرة قادر الى شريك وصانع للسلام، في تجاهل تام لسجلها التاريخي الحافل بالجرائم وبالسياسات العدوانية والتوسعية المستمرة في المنطقة. لذا سنكتفي بالملاحظات التالية:

– اتفاقيات التطبيع الموقعة أو المتوقع توقيعها تتوج مسارا طويلا من التعاون والتشاور والتنسيق السري الذي يشمل دولا رئيسية غير خليجية ومنها مصر علما انه لم يقتصر على الجوانب الاقتصادية بل بلغ الجوانب الثقافية والأمنية والاستخباراتية والعسكرية والطاقية وهو يرتقي بذلك الى مرتبة التحالف غير المعلن.

– منذ تخليها عن سياسة التضامن والمواجهة الجماعية للسياسات العدوانية الإسرائيلية، ودخولها في مسار التسويات السلمية الوهمية مع تسليمها مفاتيح النزاع الى الولايات المتحدة، تخلت الدول العربية عن المشروع القومي الجامع الذي كان يوحدها ويمنحها الدور المركزي الاقليمي والدولي في الدفاع عن حقوقها وحقوق الشعب الفلسطيني. كما اقحمت في تحالفات لخدمة الاجندات الامريكية الإسرائيلية دون ان تجني في المقابل السلام المنشود بل تحول العالم العربي في ظل ما يسمى بمسيرة السلام الى أكبر بؤرة للفوضى والعنف والحروب الاهلية نتيجة التدخلات الخارجية الهادفة الى ضرب الاستقرار ومفهوم الدولة المستقلة وذات السيادة في المنطقة العربية.

– لم يسبق ان بلغ العالم العربي والعمل العربي المشترك هذا القدر من الضعف والهوان والانقسام مما حول الدول العربية بثرواتها ومقدراتها المادية والبشرية الى لقمة سائغة امام الاطماع التوسعية ومخططات الهيمنة الغربية الإسرائيلية التي تجاوزت فلسطين لتمتد الى العراق وليبيا وسوريا واليمن مما حولها الى حلبات للصراع بين العديد من القوى الإقليمية والدولية، ومنها روسيا وتركيا وإيران الى جانب الدول الغربية. وهذا ما يفسر الشلل الذي أصاب الجامعة العربية والغياب العربي الكلي عن التحولات الإقليمية والدولية الكبرى وكذلك عن الصراع الدائر في المتوسط حول الثروات النفطية والغازية.

-لا يوجد مبرر منطقي لخضوع الدول العربية المتمسكة بالحقوق العربية والفلسطينية لهذه السياسات الأحادية للرئيس الأمريكي الحالي المعزولة داخليا وخارجيا سيما انه لم يسبق ان كان الموقف القانوني العربي اقوى مما هو عليه الآن في مواجهة إسرائيل وحلفائها العرب الجدد الذين لا يراعون تطور موازين القوة العالمية لغير صالح أمريكا، ولا يجوز تباعا السماح بسيطرتهم على الجامعة العربية ولا تحكّمهم في القضايا العربية المصيرية.

– بعد الانتخابات الرئاسية الامريكية القادمة ستكون الظرفية الدولية ملائمة أكثر لاسترداد الدول العربية ذات المواقف المبدئية من القضايا العربية زمام المبادرة بخصوص النزاع العربي الإسرائيلي وغيره من القضايا المفصلية التي تستدعي التنسيق والتشاور لإعادتها الى الإطار الاممي ومجلس الامن الدولي مع السعي لربطها بمقاربة جديدة ومتوازنة للعلاقات شمال جنوب يتم التوافق بشأنها في إطار حوار استراتيجي بين ضفتي المتوسط.


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


  • من نحن ؟
  • للإتصال بنا

اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING