الشارع المغاربي – يا جماعة سينما الهواة شيء من التواضع يرحمكم اللّه... بقلم : منير الفلاّح
1000x300

يا جماعة سينما الهواة شيء من التواضع يرحمكم اللّه… بقلم : منير الفلاّح

10 أغسطس، 2018

الشارع المغاربي : تنطلق الدورة 33 للمهرجان الدولي لـ”فيلم الهواة” بعد غد الأحد 12 أوت بمدينة قليبية . ويعد  المهرجان من أعرق مهرجانات السينما في العالم العربي وإفريقيا ويركز على سينما “مقاومة” تْعنى بقضايا الجماهير وتكرّس قيم ثقافة المواطنة والدّيمقراطية. وعلى مدى ما يربو  على خمسة عقود من تأسيسه سنة 1964 شكّل مهرجان قليبية الدّولي لفيلم الهواة “مختبرا” حقيقيّا عملت فيه أجيال من السّينمائيّين التونسيّين  ممّن سطعت نجومهم لاحقا في سماء الفن السّابع نذكر منهم  فريد بوغدير الذي أخرج أفلامه الأولى على سبيل الهواية في الفضاء نفسه، وصولاً إلى إخراجه أشهرالأفلام التونسية “عصفور سطح”. هناك أيضاً عبد الحفيظ بوعصيدة، ومحمد دمّق، وسلمى بكّار، والطيّب الوحيشي رحمه اللّه، والنوري بوزيد، وأحمد الخشين، ورضا الباهي، وعبد الوهاب بودن وغيرهم من سينمائيي الجيل الحالي.

انطلق هذا المهرجان عام 1964 كمبادرة متواضعة ومن دورة إلى أخرى تحوّل إلى موعد للّقاء بين السّينمائيّين الهواة من جميع أنحاء العالم.

وأهم ما في مهرجان قليبية هو اكتشاف المواهب وخاصّة حرّية التعبير في فترة كانت الكلمة ممنوعة والنظرة مكبّلة والرقابة دائمة وقد تخطّى هذا المهرجان بشجاعة كلّ أنواع الرقابة وتمكن من استقطاب الشباب من طلبة معاهد السّينما ومعاهد الفنون التشكيلية وتحوّل إلى ساحة نقاش بحريّة ومدرسة للديمقراطيّة وبوتقة لتبادل التجارب.

وكمتابع للشأن السّينمائي في تونس تابعت ما جاء في النّدوة الصحفيّة التي انعقدت بالعاصمة لتقديم فعاليّات هذا المهرجان واستمعت لمدير الدورة ورئيس جامعة السّينمائيين الهواة في عديد اللّقاءات الإذاعيّة والتلفزيّة وتأكّد لي أن هذه المجموعة المديرة للمهرجان تقدّم عن غير قصد معطيات تاريخيّة خاطئة عن تاريخ هذه التّظاهرة وجامعة السّينمائيين الهواة عموما وتروّج فقرات من البرنامج على أنّها أحداث فريدة من نوعها تعدّ من نجاحات هذه الدّورة كقدوم المخرج العراقي “قاسم حول” للمشاركة في فقرة “شرّفوا المهرجان” التي سبق واستضافت في دورة السّنة الماضية “محمّد ملص” ..

شيء جميل أن تتمّ دعوة قامة سينمائيّة عربيّة مثل “قاسم حول” لكن حسب رأيي الأجمل منه ألا تنسى الهيئة تكريم أحد ركائز هذا المهرجان منذ إنبعاثه وأحد المكوّنين لجلّ المنخرطين في التربّصات الفنيّة وأعني الوجه السّينمائي والتلفزي “أحمد حرزاللّه” اللّه يرحمه الذي فارقنا منذ شهرين. انتظرت أن تسمّى هذه الدّورة باسمه وأن تقام حوله ندوة تجمع أترابه ومن عايشوا تجربته.

النّقطة الثّانية التي شدّت انتباهي المغالاة في إطلاق صفة النّضال على جامعة الهواة منذ انطلاقها سنة 1962 وأيضا على مهرجان قليبية منذ دورته الأولى سنة 1964. وهنا مغالطة تاريخيّة كبيرة أيضا لأنّ جمعيّة الهواة لم تنشأ من رحم الحراك السّياسي والاجتماعي والثّقافي الوطني كما هو الشأن بالنسبة لحركة نوادي السّينما في سنة 1949 بل تمّ بعثها بقرار سياسي فوقي زمن انطلاق التفكير في التجربة الاشتراكية التعاضديّة التي قادها الوزير الاسبق “أحمد بن صالح”.

الجمعيّة تكوّنت من شباب يقودهم “حسن بوزريبة” اللّه يرحمه تحت رعاية وإشراف منظمة الشّباب الدستوري. ومنذ تكوينها شهدت رعاية من طرف السلطة السّياسيّة في البلاد وصلت حد استقبال أعضائها من طرف الرّئيس” بورقْيبة ” الذي أسند لهم مساعدة ماليّة مهمّة وتمّ تمكين المشرفين عليه أيضا من مقر بنهج اليونان بجهة “لافايات” كما قام “أحمد بن صالح” بتجهيزهم بمجموعة مهمّة من “كاميرا 16مم” وطاولات مونتاح.

وبعد سنتين وببادرة من الأب الرّوحي للمجموعة “عبد الحق الأسود” اللّه يرحمه تمّ بعث مهرجان قليبية وتمّ تمكينهم من استغلال مدرسة الصيد البحري للمبيت والإعاشة والنّشاط…

وتكفي مشاهدة الأفلام الوثائقيّة للدورات الأولى لنلحظ مدى سيطرة السلطة السياسيّة والإداريّة على مفاصل وفقرات المهرجان…

فكرنفال الإفتتاح مثلا تؤثثه كل المنظمات الوطنيّة المنضوية تحت إتحاد منظمّات الشّباب الدستوري.

الجامعة والمهرجان لم يأخذا مسافة عن السيطرة السّياسيّة للسلطة إلّا مع نهاية السّنوات الستّين وبداية السّنوات السّبعين مع دخول بعض الشّباب التلمذي والطلّابي القادم من نوادي حركة نوادي السّينما ومن الحركة الطلّابيّة محمّلين بأراء سياسيّة جديدة يساريّة معادية لأطروحات السلطة.

في تلك الفترة دارت نقاشات كبيرة بين منخرطي النوادي دفعت للواجهة بوجوه جديدة يتقدّمهم “عبد الوهاب بودن” عن نادي القيروان الذي تقدّم بمبادرة سمّاها “برنامج الإصلاح” …ولاقت هذه الأفكار الجديدة صداها لدى النّوادي وتمّ انتخاب مكتب جامعي جديد قطع حبل الارتباط بالسلطة واقترب أكثر من أطروحات حركة نوادي السّينما وتجلّى ذلك في إصدار مجلّة “شريط” بإدارة “المنصف بن مراد” عن نوادي السّينما و”عبد الوهاب بودن” عن جامعة الهواة. هذه المجلّة أرعبت السلطة فأمرت بإيقافها وتضييق الخناق على الجمعيّتين .

وفي بداية السّبعينات وبعد تكوين جمعيّة السّينمائيّين التونسيّين في اجتماع حماسي بدار الثّقافة ابن خلدون تطوّعت الجامعة التّونسيّة لنوادي السّينما لاحتضان هذه الجمعيّة الفتيّة بمقرّها الكائن بنهج الكرمي تونس وتمّ بالمناسبة بعث لجنة الاتصال والتنسيق بين  المنظّمات السّينمائيّة الثلاث، هذا الهيكل ساعد على القيام بخطوات مشتركة من أجل إرساء سينما وطنيّة .

هذا الاقتراب  من حركة نوادي السّينما دفع الصّراع من جديد داخل جامعة السّينمائيين التّونسيين الهواة وظهرت أسماء جديدة معروفة بانتمائها لليسار تكوّنت داخل نوادي صفاقس وتونس وحمام الأنف وجمّال…

وطالبت هذه المجموعة بتجاوز برنامج الإصلاح لمجموعة “عبد الوهاب بودن” وبعث أرضيّة عمل ثقافي على شاكلة الأرضيّة التي تبنّتها حركة نوادي السّينما بعد مؤتمر سوسة 1975.

وأفرز الصّراع مكتبا جامعيّا جديدا نال فيه جماعة اليسار نصيب الأسد حيث ترأس الجامعة “لطفي العيّادي” وتحمّل الكتابة العامة “خالد التريكي”وتولّى أمانة المال “جمال بلحاج” بمعيّة “رضا بن حليمة” و”محمّد عبد السّلام” المعروفين بحيادهما وتركيزهما على الجوانب التقنيّة.

وتعهدت جامعة الهواة بتحقيق الأهداف التالية:

-تطوير الإنتاج السينمائي والسمعي والبصري فى تونس.

-المساهمة في بناء سينما تونسية وطنية .

-نشر ثقافة الصورة وخاصة وسط الشباب.

-تشجيع روح الإبداع والتجديد والخلق.

وذلك من خلال جمع السينمائيين الهواة داخل النوادي وتمكين المنخرطين من التكوين والتأطير وتجهيز النوادي بالوسائل المادية والتقنية المتطورة والعمل على خلق الصلات مع السينمائيين فى تونس والعالم لتبادل الخبرات والتجارب الفنية.

ومثّل هذا المكتب الجديد نقلة سياسيّة لجامعة الهواة ودعّم مواقف الاحتجاج على سياسات الوزارة ولعلّ أهمّها مقاطعة “أيّام قرطاج السينمائية” سنة 1978 التّي سرّعت بفتح ملفّ السّينما في تونس.

هذا التجذّر في المواقف أدّى أيضا إلى تجذر في رؤى مهرجان قليبية ولعلّ الاصطدام مع الوزير “محمّد اليعلاوي” اللّه يرحمه في دورة 1978  أحسن دليل على انخراط هذه الجمعيّة في التيّار المنادي بثقافة بديلة.

وسأعود في بطاقة قادمة إلى وقائع دورة 1979 لأصّحح بعض الأحداث التاريخيّة التي عشتها كعنصر من داخل هيئة التنظيم.

في الختام سادتي أعضاء الهيئة وجب عليكم التدقيق في معلوماتكم حتى لا تقعون في أخطاء وربّما في مغالطات تاريخيّة لا تخدم في شيء حركة سينما الهواة.

 


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING