الشارع المغاربي – رسالة‭ ‬مفتوحة‭ ‬لرئيس‭ ‬الحكومة.. ارفعوا‭ ‬أيادي‭ ‬حاشيتكم‭ ‬عن‭ ‬الإعلام - بقلم محمد اليوسفي


رسالة‭ ‬مفتوحة‭ ‬لرئيس‭ ‬الحكومة.. ارفعوا‭ ‬أيادي‭ ‬حاشيتكم‭ ‬عن‭ ‬الإعلام – بقلم محمد اليوسفي

21 سبتمبر، 2018

الشارع المغاربي : السيد‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬يوسف‭ ‬الشاهد‭… ‬بعد‭ ‬تحية‭ ‬مواطنية‭ ‬تليق‭ ‬بمقامكم‭ ‬،‭ ‬أود‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬أن‭ ‬أشكركم‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬التي‭ ‬حبوتموني‭ ‬بها‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬حينما‭ ‬عرضتم‭ ‬علي‭ ‬الاشراف‭ ‬على‭ ‬ادارة‭ ‬احدى‭ ‬مؤسسات‭ ‬الاعلام‭ ‬العمومي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬مستشاركم‭ ‬الاعلامي‭ ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬نجدد‭ ‬لكم‭ ‬الاعتذار‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬قبول‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المسؤوليات‭ ‬التي‭ ‬ربما‭ ‬قد‭ ‬تجدون‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬أكفأ‭ ‬منّا‭ ‬للاضطلاع‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬أحسن‭ ‬وجه‭ ‬فطريقنا‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الظرف‭ ‬الصعب‭ ‬الذي‭ ‬تمر‭ ‬به‭ ‬تجربة‭ ‬الانتقال‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬وقطاع‭ ‬الاعلام‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬الذي‭ ‬قدرنا‭ ‬حاليا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬فيه‭ ‬صحفيين‭ ‬قاعديين‭ ‬ضمن‭ ‬السواد‭ ‬الاعظم‭ ‬من‭ ‬بنات‭ ‬وأبناء‭ ‬صاحبة‭ ‬الجلالة‭ ‬هو‭ ‬معاكس‭ ‬لدروب‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬الذاتية‭ ‬والامتيازات‭ ‬الزائلة‭ ‬حتى‭ ‬ان‭ ‬صدقت‭ ‬النوايا‭ ‬لخدمة‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬نحن‭ ‬ندين‭ ‬لها‭ ‬بالفضل‭ ‬لما‭ ‬وفرته‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬فرصة‭ ‬لامتطاء‭ ‬المصعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬خوّل‭ ‬لنا‭ ‬الوصول‭ ‬لموقعنا‭ ‬الحالي‭ ‬المتواضع‭.

‭ ‬سيدي‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬المهتمين‭ ‬بالشأن‭ ‬العام‭ ‬أنيّ‭ ‬كنت‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬المتحمسين‭ ‬لتكليفكم‭ ‬بمهمة‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سنتين‭ ‬فقد‭ ‬قلت‭ ‬يومها‭ ‬مثل‭ ‬لفيف‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬أنّ‭ ‬الفرصة‭ ‬ربما‭ ‬قد‭ ‬حانت‭ ‬لكي‭ ‬يتحمّل‭ ‬أحد‭ ‬السياسيين‭ ‬الشبّان‭ ‬مهمة‭ ‬قيادة‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفيذي‭ ‬للدولة‭ ‬كسرا‭ ‬لتقاليد‭ ‬وعقليات‭ ‬متخلفة‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تقتل‭ ‬فينا‭ ‬روح‭ ‬الابداع‭ ‬والاندفاع‭ ‬نحوالاصلاح‭ ‬والتغيير‭ ‬وتأسيسا‭ ‬أيضا‭ ‬لديناميكية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬المتمرس‭ ‬بالسياسة‭ ‬والقادر‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الحلم‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬والشعارات‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭. ‬

وقتئذ‭ ‬كنت‭ ‬أزعم‭ ‬أنّ‭ ‬الروح‭ ‬التحرّرية‭ ‬للثورة‭ ‬وآفاقها‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬أتاحت‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬رئاسة‭ ‬تحرير‭ ‬مؤسسة‭ ‬اعلامية‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬لم‭ ‬أتجاوز‭ ‬فيه‭ ‬26‭ ‬سنة‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬خوض‭ ‬غمار‭ ‬تجربة‭ ‬انتخابات‭ ‬عضوية‭ ‬المكتب‭ ‬التنفيذي‭ ‬للنقابة‭ ‬الوطنية‭ ‬للصحفيين‭ ‬التونسيين‭ ‬والظفر‭ ‬بثقة‭ ‬مئات‭ ‬المنخرطين‭ ‬من‭ ‬فارسات‭ ‬وفرسان‭ ‬السلطة‭ ‬الرابعة‭ ‬وسنّي‭ ‬لم‭ ‬يتعد‭ ‬الـ28‭ ‬عاما‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬شرعية‭ ‬صندوق‭ ‬الاقتراع‭ ‬،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفرز‭ ‬قيادة‭ ‬سياسية‭ ‬شابة‭ ‬تكون‭ ‬وفيّة‭ ‬لدماء‭ ‬الشهداء‭ ‬ونضالات‭ ‬آلاف‭ ‬المناضلين‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الاستبداد‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬اغتصب‭ ‬حريّة‭ ‬التعبير‭ ‬والاعلام‭ ‬ومن‭ ‬هناك‭ ‬انطلقت‭ ‬قصّة‭ ‬اغتيال‭ ‬الامل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬ديمقراطية‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬جغرافي‭ ‬عرف‭ ‬تاريخيا‭ ‬بموروثه‭ ‬الثقافي‭ ‬المعادي‭ ‬للحقوق‭ ‬والحريات‭. ‬ولكني‭ ‬اليوم‭ ‬أصبحت‭ ‬أشكّ‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬امكانية‭ ‬تحقّق‭ ‬ذلك‭ ‬فالطريق‭ ‬إلى‭ ‬الأنظمة‭ ‬السلطوية‭ ‬حبلى‭ ‬بالنوايا‭ ‬الحسنة‭ ‬وأرجو‭ ‬ألا‭ ‬يأتي‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬أعتذر‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬حماقة‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬أكون‭ ‬ارتكبتها‭ ‬تحت‭ ‬سحر‭ ‬وهم‭ ‬خدّاع‭. ‬

ألم‭ ‬يقل‭ ‬الفيلسوف‭ ‬ديكارت‭ ‬يوم‭ ‬اجترح‭ ‬الكوجيتو‭ ‬الوجودي‭ ‬الشهير‭ ‬أنّ‭ ‬في‭ ‬الشكّ‭ ‬طريقا‭ ‬لليقين؟‭ ‬سيدي‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة،‭ ‬ربما‭ ‬أنتم‭ ‬الان‭ ‬تتساءلون‭ ‬عن‭ ‬ماهية‭ ‬وخلفيات‭ ‬هذه‭ ‬المقدمة‭ ‬التأطيرية‭ ‬التي‭ ‬أرى‭ ‬أنّها‭ ‬ضرورية‭. ‬فما‭ ‬يهمني‭ ‬شخصيا‭ ‬وبشكل‭ ‬مباشر‭ ‬ليس‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬حصيلة‭ ‬حكومتكم‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والدعوات‭ ‬الموجهة‭ ‬لكم‭ ‬للاستقالة‭ ‬فأنا‭ ‬سأترك‭ ‬لأهل‭ ‬الذكر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬ولزملائكم‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬الهواة‭ ‬منهم‭ ‬والمحترفين‭ ‬حرية‭ ‬التقييم‭ ‬والاختلاف‭ ‬عبر‭ ‬الادلاء‭ ‬بدلوهم‭ ‬في‭ ‬قضيّة‭ ‬الحال‭ ‬رغم‭ ‬أنّي‭ ‬بصفتي‭ ‬المواطنية‭ ‬لي‭ ‬رأي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬وان‭ ‬كان‭ ‬للشعب‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الامر‭ ‬الكلمة‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬والاختيار‭

‬إنّ‭ ‬شغلي‭ ‬الشاغل‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬الوضعية‭ ‬التي‭ ‬آل‭ ‬اليها‭ ‬مناخ‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬ولاسيما‭ ‬حالة‭ ‬قطاع‭ ‬الاعلامي‭ ‬برافديه‭ ‬العمومي‭ ‬والخاص‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الاخيرة‭. ‬هنا‭ ‬بالذات‭ ‬يكمن‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الحلّ‭ ‬لازمة‭ ‬البلاد‭ ‬والذي‭ ‬انقلب‭ ‬إلى‭ ‬مشكل‭ ‬عويص‭ ‬وخطير‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬التجربة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الناشئة‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭.‬

سيدي‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة،‭ ‬أعلم‭ ‬أنّه‭ ‬من‭ ‬حقّكم‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تكوين‭ ‬حزام‭ ‬اعلامي‭ ‬للتسويق‭ ‬لرؤيتكم‭ ‬بخصوص‭ ‬اصلاح‭ ‬أوضاع‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد‭ ‬وهذا‭ ‬مشروع‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬انحرافات‭ ‬عديدة‭ ‬قد‭ ‬سجلت‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬حكمكم‭ ‬نتاجا‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬للأزمة‭ ‬السياسية‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بسبب‭ ‬سياسة‭ ‬حكومتكم‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاعلامي‭ ‬الذي‭ ‬اختلط‭ ‬فيه‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬انتهكت‭ ‬فيها‭ ‬أخلاقيات‭ ‬المهنة‭ ‬وميثاق‭ ‬الشرف‭ ‬الصحفي‭ ‬من‭ ‬الموالين‭ ‬لكم‭ ‬قبل‭ ‬معارضيكم‭

‬من‭ ‬العار‭ ‬علينا‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬قائمات‭ ‬لشخصيات‭ ‬ممنوعة‭ ‬من‭ ‬الاستضافة‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬اعلام‭ ‬عمومية‭ ‬وخاصة‭ ‬محسوبة‭ ‬عليكم‭ ‬بالنظر‭ ‬لمواقفها‭ ‬المعارضة‭ ‬لحكومتكم‭ ‬

كما‭ ‬أنّه‭ ‬من‭ ‬المخزي‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬اتهامكم‭ ‬بشراء‭ ‬ذمم‭ ‬منتمين‭ ‬للقطاع‭ -‬وأنا‭ ‬أنزهكم‭ ‬وأنزه‭ ‬غالبية‭ ‬الزميلات‭ ‬والزملاء‭- ‬عبر‭ ‬استغلال‭ ‬‮«‬الخزينة‭ ‬السوداء‭ ‬‮«‬‭ ‬وتمويلات‭ ‬مشبوهة‭ ‬محليّة‭ ‬وأجنبية‭. ‬كم‭ ‬وددت‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬حدّا‭ ‬لهذا‭ ‬النزيف‭ ‬والتبرؤ‭ ‬من‭ ‬ممارسات‭ ‬تؤشر‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬البداية‭ ‬يوم‭ ‬كانت‭ ‬وكالة‭ ‬الاتصال‭ ‬الخارجي‭ ‬ونظام‭ ‬الرئيس‭ ‬الأسبق‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬يستبيحان‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬صناعة‭ ‬مجد‭ ‬سياسي‭ ‬الجميع‭ ‬يعلم‭ ‬مآلاته‭ ‬وحجم‭ ‬الفساد‭ ‬الذي‭ ‬أفرزه‭ ‬ونحن‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬مازلنا‭ ‬نعاني‭ ‬من‭ ‬ارثه‭ ‬المقزّر‭.

‬سيدي‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة،‭ ‬يوم‭ ‬خطاب‭ ‬منح‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬وفي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تصريح‭ ‬اعلامي‭ ‬كنتم‭ ‬قد‭ ‬وعدتم‭ ‬باحترام‭ ‬حرية‭ ‬الاعلام‭ ‬والصحافة‭ ‬وبالسعي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تعزيزها‭ ‬ففي‭ ‬ذلك‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والتربية‭ ‬والتثقيف‭ ‬وحتى‭ ‬ان‭ ‬وجدت‭ ‬بعض‭ ‬الاخلالات‭ ‬والتجاوزات‭ ‬فلابد‭ ‬من‭ ‬التحلي‭ ‬برحابة‭ ‬الصدر‭ ‬وتجنب‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬القمعية‭ ‬والزجرية‭.

‬بيد‭ ‬أنّه‭ ‬بعد‭ ‬سنتين‭ ‬ونيف‭ ‬من‭ ‬توليكم‭ ‬مهام‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬فإنّ‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬تقريبا‭ ‬تغيّر‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬بمسار‭ ‬اصلاح‭ ‬الاعلام‭ ‬العمومي‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬سجنا‭ ‬مقيّدا‭ ‬للكفاءات‭ ‬والطاقات‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬منافذ‭ ‬لتكريس‭ ‬مرفق‭ ‬عام‭ ‬ينتصر‭ ‬لقضايا‭ ‬الشعب‭ ‬الحارقة‭ ‬وينير‭ ‬درب‭ ‬الساسة‭.

‬إنّ‭ ‬الاخطر‭ ‬من‭ ‬تدجين‭ ‬هذا‭ ‬الصنف‭ ‬من‭ ‬الاعلام‭ ‬عبر‭ ‬تعيينات‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الولاء‭ ‬لا‭ ‬الكفاءة‭ ‬وعن‭ ‬طريق‭ ‬آليات‭ ‬الضغط‭ ‬والابتزاز‭ ‬لكبار‭ ‬المشرفين‭ ‬على‭ ‬المرفق‭ ‬الاعلامي‭ ‬العمومي‭ ‬هو‭ ‬التدخل‭ ‬السياسوي‭ ‬لتوجيه‭ ‬المضامين‭ ‬بمقاربة‭ ‬عبثية‭ ‬ستعود‭ ‬بنا‭ ‬حتما‭ ‬إلى‭ ‬بوتقة‭ ‬الاعلام‭ ‬الحكومي‭ ‬الدعائي‭ ‬الذي‭ ‬تغيب‭ ‬عنه‭ ‬الروح‭ ‬النقدية‭ ‬ووالاستقلالية‭ ‬الحقيقية‭.‬ ‭ ‬

سيدي‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة،‭ ‬تعلمون‭ ‬جيدا‭ ‬أنّ‭ ‬وضع‭ ‬الاعلام‭ ‬الخاص‭ ‬والمصادر‭ ‬أدهى‭ ‬وأمر‭ ‬ففيه‭ ‬تمرر‭ ‬أجندات‭ ‬المال‭ ‬السياسي‭ ‬الفاسد‭ ‬وقد‭ ‬وعدتم‭ ‬بأن‭ ‬تلتزم‭ ‬الدولة‭ ‬بمؤسساتها‭ ‬التنفيذية‭ ‬والتشريعية‭ ‬بدعم‭ ‬هذا‭ ‬الصنف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنظيم‭ ‬عملية‭ ‬الاشهار‭ ‬وقيس‭ ‬الجمهور‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬الهياكل‭ ‬الرقابية‭ ‬والتعديلية‭ ‬باعتبارها‭ ‬الضامن‭ ‬الشرعي‭ ‬للشفافية‭ ‬والتعددية‭ ‬وتفعيل‭ ‬أخلاقيات‭ ‬الصحافة‭ ‬الحرّة‭ ‬والنزيهة‭ ‬التي‭ ‬تتنوع‭ ‬فيها‭ ‬الرؤى‭ ‬التحريرية‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬حدود‭ ‬دنيا‭ ‬متعارف‭ ‬عليها‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمعايير‭ ‬المهنية‭.

‬غير‭ ‬أنّه‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الان‭ ‬معظم‭ ‬وعودك‭ ‬ظلّت‭ ‬حبرا‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أوراق‭ ‬للمناورة‭ ‬والضغط‭ ‬والاستمالة‭. ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أيضا‭ ‬الاشارة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬المقبول‭ ‬تواصل‭ ‬سياسة‭ ‬تفقير‭ ‬القطاع‭ ‬والعاملين‭ ‬فيه‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬منذ‭ ‬2011‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬المدافعين‭ ‬عن‭ ‬المسار‭ ‬الديمقراطي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رعاية‭ ‬النقاشات‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬فلم‭ ‬يدخروا‭ ‬أي‭ ‬جهد‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الاخبار‭ ‬وفسح‭ ‬المجال‭ ‬لمختلف‭ ‬الفاعلين‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬لايصال‭ ‬أفكارهم‭ ‬وبرامجهم‭ ‬لعموم‭ ‬المواطنين‭ ‬والناخبين‭ ‬وهم‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬مازالوا‭ ‬بصدد‭ ‬انتظار‭ ‬قرارات‭ ‬جريئة‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬توفر‭ ‬لهم‭ ‬ظروفا‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬أفضل‭.

‬سيدي‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة،‭ ‬ليس‭ ‬غرضي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬ارتداء‭ ‬جلباب‭ ‬الواعظ‭ ‬أوالناصح‭ ‬بل‭ ‬ان‭ ‬هدفي‭ ‬الأول‭ ‬والاخير‭ ‬هو‭ ‬اشعاركم‭ ‬بخطورة‭ ‬الوضع‭ ‬الذي‭ ‬أضحى‭ ‬عليه‭ ‬قطاع‭ ‬الاعلام‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬بطانتك‭ ‬في‭ ‬القصبة‭ ‬من‭ ‬افساد‭ ‬وتخريب‭ ‬للحياة‭ ‬الاعلامية‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تتجه‭ ‬صوب‭ ‬الدمقرطة‭ ‬وتعزيز‭ ‬الحريات‭ ‬وصون‭ ‬الأخلاقيات‭ ‬وتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬للقطاع‭ ‬دون‭ ‬المسّ‭ ‬من‭ ‬استقلاليته‭ ‬وحياده‭ ‬عن‭ ‬الصراعات‭ ‬الضيقة،طالما‭ ‬أن‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬هي‭ ‬الاهم‭ ‬والاجدى‭ ‬نفعا‭ ‬للدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬السواء‭. ‬ان‭ ‬الاعلام‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الوسائط‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬تحصين‭ ‬المسار‭ ‬الديمقراطي‭ ‬وبناء‭ ‬انسان‭ ‬تونسي‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬المواطنة‭ ‬الراشدة‭ ‬يحترم‭ ‬واجباته‭ ‬الفردية‭ ‬والوطنية‭ ‬ويسعى‭ ‬للالتزام‭ ‬بها‭ ‬قبل‭ ‬مطالبته‭ ‬بحقوقه‭.‬

فهذا‭ ‬القطاع‭ ‬هو‭ ‬الاكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬لدى‭ ‬الناشئة‭ ‬وعموم‭ ‬الجماهير‭ ‬وهو‭ ‬فضاء‭ ‬للتعليم‭ ‬والتعلّم‭ ‬لا‭ ‬يقلّ‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬مدرسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬والجامعة‭ ‬العمومية‭ ‬التي‭ ‬أفرزت‭ ‬خيرة‭ ‬كفاءات‭ ‬البلاد‭. ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬سلاح‭ ‬ذو‭ ‬حدين‭ ‬ومثلما‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬وازن‭ ‬فيه‭ ‬يزيّن‭ ‬لكم‭ ‬الواقع‭ ‬ويتحمس‭ ‬لتشويه‭ ‬خصومكم‭ ‬ومنتقديكم‭ ‬عبر‭ ‬بث‭ ‬الاكاذيب‭ ‬والاشاعات‭ ‬واقصاء‭ ‬المعارضين‭ ‬فهو‭ ‬حتما‭ ‬قد‭ ‬ينقلب‭ ‬عليكم‭ ‬بين‭ ‬عشيّة‭ ‬وضحاها‭ ‬حالما‭ ‬يسحب‭ ‬منكم‭ ‬بساط‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬كما‭ ‬تعرفون‭ ‬فانية‭ ‬وقديما‭ ‬قالوا‭: ‬لو‭ ‬دامت‭ ‬لغيرك‭ ‬لما‭ ‬آلت‭ ‬اليك‭. ‬

سيدي‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة،في‭ ‬ختام‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬صرخة‭ ‬في‭ ‬واد‭ ‬غير‭ ‬ذي‭ ‬زرع‭ ‬أرجو‭ ‬أن‭ ‬تعدّلوا‭ ‬بوصلتكم‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬بسياسة‭ ‬حكومتك‭ ‬تجاه‭ ‬قطاع‭ ‬الاعلام‭ ‬وأن‭ ‬تكونوا‭ ‬عنوانا‭ ‬للسياسي‭ ‬الديمقراطي‭ ‬ورجل‭ ‬الدولة‭ ‬الذي‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬الاجيال‭ ‬المقبلة‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬القادمة‭ ‬فالتاريخ‭ ‬المشرف‭ ‬يصنعه‭ ‬فقط‭ ‬المسؤول‭ ‬المستنير‭ ‬الذي‭ ‬يصغي‭ ‬للأصوات‭ ‬الناقدة‭ ‬قبل‭ ‬المتملقة‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مصالحها‭ ‬الذاتية‭ ‬وتنساق‭ ‬لاغواءات‭ ‬نرجسياتها‭ ‬الفجة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬من‭ ‬مكاسب‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬غير‭ ‬الغنائم‭ ‬الشخصية‭ ‬

إن‭ ‬الحقيقة‭ ‬وحدها‭ ‬ثورية‭ ‬والواقع‭ ‬الموضوعي‭ ‬يؤكد‭ ‬أنّ‭ ‬الاعلام‭ ‬الوطني‭ ‬اليوم‭ ‬يمرّ‭ ‬بمفترق‭ ‬طرق‭ ‬وأنّ‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬تختنق‭ ‬ولكنّ‭ ‬طريق‭ ‬التدارك‭ ‬والاصلاح‭ ‬مازالت‭ ‬متاحة‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الشوائب‭ ‬والفرص‭ ‬المهدورة‭ ‬وقد‭ ‬قال‭ ‬وقت‭ ‬ما‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬ان‭ ‬استشهدت‭ ‬به‭:‬‮»‬‭ ‬رحم‭ ‬الله‭ ‬اِمرَأ‭ ‬أهداني‭ ‬عيوبي‮»‬‭. ‬أخيرا‭ ‬وليس‭ ‬آخرا،‭

‬وفقكم‭ ‬الله‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬الخير‭ ‬لتونس‭ ‬الحبيبة‭.‬

محمد‭ ‬اليوسفي عضو‭ ‬المكتب‭ ‬التنفيذي‭ ‬بنقابة‭ ‬الصحفيين‭ ‬المكلف‭ ‬بالحريات.

صدر بالعدد الأخير من اسبوعية الشارع المغاربي بتاريخ 18 سبتمبر 2018.


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING