الشارع المغاربي – التهيؤ‭ ‬للاستقطاب‭ :‬البلاد‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬لمشروع‭ ‬سياسي‭ ‬ناضج/ بقلم: فتحي التوزري
1000x300

التهيؤ‭ ‬للاستقطاب‭ :‬البلاد‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬لمشروع‭ ‬سياسي‭ ‬ناضج/ بقلم: فتحي التوزري

قسم الأخبار

27 يناير، 2021

ألشارع المغاربي: انطلاقا‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬سليمة‭ ‬للوضع‭ ‬الحالي‭ ‬بالبلاد،‭ ‬نفترض‭ ‬أن‭ ‬الانتخابات‭ ‬القادمة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬سابقة‭ ‬لأوانها،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أوانها،‭ ‬ستفرض‭ ‬علينا‭ ‬بالضرورة‭ ‬استقطابا‭ ‬محددا‭ ‬إحدى‭ ‬تبعاته‭ ‬الأساسية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬نسب‭ ‬المشاركة‭ ‬المرتقبة‭ ‬والمصيرية‭ ‬لكل‭ ‬انتخابات‭. ‬فالاستقطاب‭ ‬الضروري‭ ‬والمحمود‭ ‬هو‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬يوفر‭ ‬خيارا‭ ‬مقبولا‭ ‬ومتماسكا‭ ‬ومجزيا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤثر‭ ‬ايجابيا،‭ ‬نظريا‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬في‭ ‬نسب‭ ‬المشاركة‭ ‬ويحقق‭ ‬نتائج‭ ‬أفضل‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الممارسة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالانتخابات‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الحالي‭ ‬يتميز‭ ‬بالتشظي‭ ‬والتذرر‭ ‬والتردد‭ ‬في‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬الاستقطاب‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬لازالت‭ ‬متحركة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وضع‭ ‬داخلي‭ ‬مأزوم‭ ‬وضبابي،‭ ‬يضاف‭ ‬إليه‭ ‬وضع‭ ‬إقليمي‭ ‬غامض‭ ‬ومتعثر،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬هموم‭ ‬الجائحة‭ ‬وقسوة‭ ‬الانكماش‭ ‬الاقتصادي‭. ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬تبدو‭ ‬المشاريع‭ ‬السياسية‭ ‬مبعثرة‭ ‬ومعطلة،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تشتد‭ ‬المنافسة‭ ‬وتزداد‭ ‬المناورات‭ ‬بغاية‭ ‬التموقع‭ ‬الجيد‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتشكل‭ ‬بالقدر‭ ‬الكافي‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬منه‭. ‬فالحديث‭ ‬عن‭ ‬التوافق‭ ‬أضحى‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬ونتائجه‭ ‬كانت‭ ‬هزيلة‭ ‬ومثيرة‭ ‬للجدل‭ ‬وفي‭ ‬الحصيلة‭ ‬لم‭ ‬نجن‭ ‬الاستقرار‭ ‬المنشود‭ ‬ولا‭ ‬الانتقال‭ ‬السلس‭ ‬ولا‭ ‬الظروف‭ ‬السياسية‭ ‬المناسبة‭ ‬للإصلاح‭ ‬الاقتصادي‭.‬

أسئلة‭ ‬عديدة‭ ‬يطرحها‭ ‬اليوم‭ ‬التونسيون‭ ‬وهم‭ ‬يقاومون‭ ‬صورة‭ ‬نمطية‭ ‬مستقرة‭ ‬منذ‭ ‬مدة‭ ‬عن‭ ‬عبث‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬وكذلك‭ ‬عن‭ ‬تيه‭ ‬السياسيين‭ ‬وخواء‭ ‬خطابهم‭ ‬وضعف‭ ‬أدائهم‭. ‬كيف‭ ‬لأعداء‭ ‬الأمس‭ ‬أن‭ ‬يلتقوا‭ ‬على‭ ‬هدف‭ ‬مشترك؟‭ ‬وكيف‭ ‬لفصائل‭ ‬عديدة‭ ‬ومتناحرة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬أن‭ ‬تجتمع‭ ‬على‭ ‬مهمة‭ ‬موحدة؟‭ ‬كيف‭ ‬لنرجسيات‭ ‬مشبعة‭ ‬نخوة‭ ‬بسرديات‭ ‬النقاوة‭ ‬أوالجدارة‭ ‬أو‭ ‬الكفاءة‭ ‬المتصنعة‭ ‬والمنتفخة‭ ‬أن‭ ‬تتواضع‭ ‬للوطن؟‭ ‬كيف‭ ‬لزعماء‭ ‬أو‭ ‬هكذا‭ ‬بدا‭ ‬لهم‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬مرآة‭ ‬النرجسية‭ ‬المستنفرة‭ ‬أن‭ ‬يترجلوا‭ ‬ويتقبلوا‭ ‬العزاء‭ ‬في‭ ‬أوهامهم‭ ‬وطموحاتهم‭ ‬؟‭ ‬

نتيجة‭ ‬لهذا‭ ‬الوضع‭ ‬المعقد‭ ‬أنتجنا‭ ‬بضاعة‭ ‬فاسدة‭ ‬وأفنينا‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬الاختلاف‭. ‬اختلفنا‭ ‬على‭ “‬الثورة‭” ‬واختلفنا‭ ‬على‭ “‬الانتقال‭ ‬الديمقراطي‭”‬،‭ ‬واختلفنا‭ ‬على‭ “‬منوال‭ ‬التنمية‭”‬،‭ ‬واختلفنا‭ ‬على‭ “‬المصالحة‭”‬،‭ ‬واختلفنا‭ ‬على‭ “‬الأولويات‭”‬،‭ ‬واختلفنا‭ ‬على‭ “‬المحاور‭ ‬الأستراتيجية‭”‬،‭ ‬واختلفنا‭ ‬على‭ ‬السيادة‭ ‬الخارجية،‭ ‬واختلفنا‭ ‬على‭ “‬الهوية‭”‬،‭ ‬واختلفنا‭ ‬على‭ ‬معنى‭ “‬الكفاءة‭ ‬والفساد‭ ‬والاستقلالية‭” ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المصطلحات،‭ ‬ولا‭ ‬زلنا‭ ‬نواصل‭ ‬سلسلة‭ ‬اختلافاتنا‭ ‬بلا‭ ‬كلل‭ ‬ولا‭ ‬ملل‭. ‬فهل‭ ‬قدرنا‭ ‬الاختلاف،‭ ‬وهل‭ ‬تصمد‭ ‬هذه‭ ‬المقولة‭ ‬أمام‭ ‬قراءة‭ ‬أخرى‭ ‬للأحداث‭ ‬وللتاريخ؟

عرفت‭ ‬البلاد‭ ‬حركات‭ ‬تاريخية‭ ‬عديدة‭ ‬غيرت‭ ‬بصورة‭ ‬عميقة‭ ‬وطويلة‭ ‬ومستدامة‭ ‬الوضع‭ ‬العام‭ ‬بها‭ ‬وأحدثت‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬أنماط‭ ‬وسلوك‭ ‬ومواقف‭ ‬وممارسات‭. ‬نذكر‭ ‬منها‭ “‬الحركة‭ ‬التنويرية‭” ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬تجديد‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬ومؤسساته‭ ‬ومناهجه‭ ‬بغاية‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬العصر‭ ‬وتحقيق‭ ‬التقدم،‭ ‬و‭”‬الحركة‭ ‬الوطنية‭” ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الاستعمار‭ ‬المذل‭ ‬والرغبة‭ ‬الجامحة‭ ‬في‭ ‬التحرر‭ ‬وتكريس‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية،‭ ‬و‭”‬الحركة‭ ‬العمالية‭” ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬والنضال‭ ‬المستميت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحقوق‭ ‬العمالية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬والحركة‭ “‬النسوية‭” ‬في‭ ‬سياق‭ ‬النضال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المساواة‭ ‬والتحرر،‭ ‬وأخيرا‭ ‬وليس‭ ‬بآخر‭ “‬الحركة‭ ‬الديمقراطية‭” ‬بأجيالها‭ ‬العديدة‭ ‬وقاماتها‭ ‬العتيدة‭ ‬ومحطاتها‭ ‬المختلفة‭ ‬ونضالاتها‭ ‬البطولية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة‭ ‬والحق‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬وفي‭ ‬التأسيس‭ ‬لمجتمع‭ ‬العدل‭ ‬ودولة‭ ‬القانون‭ ‬واحترام‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وصون‭ ‬كرامته‭.‬

تشكل‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬التي‭ ‬وقع‭ ‬ذكرها‭ ‬بإيجاز‭ ‬شديد‭ ‬إرثا‭ ‬تاريخيا‭ ‬ونضاليا‭ ‬وفكريا‭ ‬مشتركا‭ ‬يعتد‭ ‬به،‭ ‬وله‭ ‬امتداداته‭ ‬اليوم‭ ‬ويعبر‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬التونسية‭ ‬ويعكس‭ ‬ثراءها‭ ‬وإبداعها‭ ‬وحيويتها،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬الحضاري‭. ‬كان‭ ‬لهذه‭ ‬الحركات‭ ‬وما‭ ‬راكمته‭ ‬من‭ ‬منتجات‭ ‬تأثيرات‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬محيطنا‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭ ‬وتشابكت‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬مع‭ ‬مثيلاتها‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬بقاع‭ ‬العالم‭ ‬وتفاعلت‭ ‬معها‭ ‬بالقدر‭ ‬الذي‭ ‬جعلها‭ ‬فعلا‭ ‬منتج‭ ‬حضاري‭.‬

أفرزت‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬وعيا‭ ‬شعبيا‭ ‬واسعا‭ ‬ترجم‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬تاريخية‭ ‬كثيرة‭ ‬وفي‭ ‬تغييرات‭ ‬مجتمعية‭ ‬جذرية‭ ‬وساهم‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬التاريخ‭ ‬الحضاري‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مواءمة‭ ‬القيم‭ ‬الكونية‭ ‬النبيلة‭ ‬أو‭ ‬مزيد‭ ‬التحرر‭ ‬والأنعتاق‭ ‬وتكريس‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وتحقيق‭ ‬المكتسبات‭ ‬التي‭ ‬ننعم‭ ‬بها‭ ‬اليوم‭.‬

ما‭ ‬يميز‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬تاريخنا‭ ‬الحديث‭ ‬هو‭ ‬البعد‭ ‬الفكري‭ ‬المتأصل‭ ‬فيها‭ ‬والمؤسس‭ ‬لتجذيرها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬التونسي‭ ‬والموجه‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬تفاعلاتها‭ ‬مع‭ ‬محيطها‭ ‬ومع‭ ‬العالم‭. ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬مسقطة‭ ‬كما‭ ‬يدعي‭ ‬البعض‭ ‬ولا‭ ‬مستوردة‭ ‬ولا‭ ‬متصنعة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬فعل‭ ‬فكري‭ ‬واجتماعي‭ ‬وسياسي‭ ‬متكامل‭ ‬ومترابط‭ ‬ومتواصل‭ ‬مع‭ ‬تاريخ‭ ‬البلاد‭ ‬وارتباطاته‭ ‬بالبعد‭ ‬الاقليمي‭ ‬والدولي‭ ‬وانفتاحه‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬الحضاري‭ ‬الإنساني‭ ‬المتاح‭. ‬ولقد‭ ‬طبع‭ ‬عديد‭ ‬المفكرين‭ ‬بآرائهم‭ ‬وكتاباتهم‭ ‬ومواقفهم‭ ‬هذه‭ ‬الحركات،‭ ‬ما‭ ‬مكنها‭ ‬من‭ ‬الانتشار‭ ‬والتأثير‭ ‬والانغراس‭ ‬وتعبئة‭ ‬الناس‭ ‬حول‭ ‬رؤى‭ ‬وتصورات‭ ‬وسرديات‭ ‬ملهمة‭ ‬ومحفزة‭ ‬غيرت‭ ‬موازين‭ ‬القوى،‭ ‬وفتحت‭ ‬مسالك‭ ‬ودروب‭ ‬جديدة‭ ‬وغيرت‭ ‬الواقع‭ ‬نحو‭ ‬الأفضل‭ ‬وفتحت‭ ‬آفاقا‭ ‬جديدة‭ ‬ورفعت‭ ‬من‭ ‬القدرات‭ ‬ومن‭ ‬مكانة‭ ‬تونس‭.‬

التذكير‭ ‬بهذه‭ ‬الحركات‭ ‬مهم‭ ‬وملهم،‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حركات‭ ‬طائفية‭ ‬أو‭ ‬مذهبية‭ ‬أو‭ ‬شمولية‭ ‬منغلقة‭ (‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تواجد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬وفي‭ ‬دينامكيتها‭) ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬حركات‭ ‬فكرية‭ ‬عالية‭ ‬الهمة‭ ‬تفاعل‭ ‬داخلها‭ ‬وفي‭ ‬إطارها‭ ‬أجيال‭ ‬ونخب‭ ‬وشرائح‭ ‬مجتمعية‭ ‬عديدة‭. ‬صحيح‭ ‬برزت‭ ‬داخلها‭ ‬انحرافات‭ ‬وصراعات،‭ ‬دموية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬وحتى‭ ‬مفجعة،‭ ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬ترتد‭ ‬بالبلاد‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬وبقيت‭ ‬تتقدم‭ ‬لتحقيق‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬وتصحيح‭ ‬الانحرافات‭ ‬ما‭ ‬أمكن‭ ‬ذلك‭. ‬

وتعتبر‭ ‬الثورة‭ ‬التونسية‭ ‬التي‭ ‬حصلت‭ ‬في‭ ‬2010‭ ‬وما‭ ‬سبقها‭ ‬من‭ ‬إرهاصات‭ ‬وما‭ ‬صاحبها‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬نتيجة‭ ‬وامتدادا‭ ‬لهذه‭ ‬الحركات‭ ‬وما‭ ‬أفضت‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬وعي‭ ‬جمعي‭ ‬متجذر‭ ‬للحاجة‭ ‬للحرية‭ ‬والمشاركة‭ ‬والكرامة‭. ‬وهي‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬لتثبيت‭ ‬مكتسبات‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬التاريخية‭ ‬الثقافية‭ ‬التأسيسية‭ ‬لتونس‭ ‬ومناسبة‭ ‬لتثبيت‭ ‬دور‭ ‬تونس‭ ‬الحضاري‭ ‬وتمكين‭ ‬التونسيين‭ ‬والتونسيات‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬طموحاتهم‭ ‬وتطلعاتهم‭ ‬وانتظاراتهم‭ ‬المشروعة‭ ‬والعيش‭ ‬في‭ ‬كرامة‭ ‬وأمن‭ ‬ورخاء‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مؤسسات‭ ‬أفضل‭ ‬ومشهد‭ ‬سياسي‭ ‬أرقى‭ ‬وبيئة‭ ‬ثقافية‭ ‬مشبعة‭ ‬بقيم‭ ‬التحرر‭ ‬والعدالة‭.‬

العقل‭ ‬السليم‭ ‬يدعونا‭ ‬الى‭ ‬التحرك‭ ‬للكف‭ ‬عن‭ ‬العبث‭ ‬والاستهتار‭ ‬بالزمن‭ ‬الحاضر‭ ‬وبالتاريخ‭ ‬وبالوطن‭. ‬فالبلاد‭ ‬مازالت‭ ‬اليوم‭ ‬بحاجة‭ ‬أكيدة‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬سياسي‭ ‬مستنير‭ ‬ومشرف‭ ‬وملهم‭. ‬مشروع‭ ‬سياسي‭ ‬متجذر‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬البلاد‭ ‬وتاريخها،‭ ‬ومستلهم‭ ‬حركاته‭ ‬الفكرية‭ ‬وأدوارها‭ ‬الحضارية،‭ ‬ناضج‭ ‬في‭ ‬أفكاره،‭ ‬قابل‭ ‬للحياة‭ ‬ودافع‭ ‬نحو‭ ‬الاستقرار،‭ ‬ومحمول‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬نخب‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬مسؤولة‭ ‬ومنفتحة،‭ ‬ومجهز‭ ‬للاستقطاب‭ ‬مع‭ ‬مشاريع‭ ‬سياسية‭ ‬طائفية‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬نفسها،‭ ‬تحرق‭ ‬ما‭ ‬حولها،‭ ‬أقل‭ ‬حظوة‭ ‬وبعيدة‭ ‬عن‭ ‬المسار‭ ‬الصحيح‭ ‬للتاريخ‭.‬

أعتقد‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬السياسي‭ ‬التونسي‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬المحك‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬الجرأة‭ ‬والجدارة‭ ‬وبعد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬العائلة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بألوانها‭ ‬وتقسيماتها‭ ‬وتضاريسها‭. ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬مقدرة‭ ‬عالية‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬والتأقلم‭ ‬والتحرك‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬قدوة‭ ‬شامخة‭ ‬ومؤثرة،‭ ‬وإما‭ ‬سيتراجع‭ ‬الوضع‭ ‬لحساب‭ ‬المشاريع‭ ‬الشعبوية‭ ‬الموتورة‭ ‬الناسفة‭ ‬للذكاء‭ ‬وستتدحرج‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬المنتظرة‭ ‬نتيجة‭ ‬المشهد‭ ‬المأزوم‭ ‬نحو‭ ‬الفوضى‭ ‬والتي‭ ‬ستقودها‭ ‬بالضرورة‭ ‬العصبيات‭ ‬والعصابات‭ ‬والحسابات‭ ‬الفئوية‭ ‬الضيقة‭. ‬مازال‭ ‬أمامنا‭ ‬متسع‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬لنستمع‭ ‬لبعضنا‭ ‬ولنتأمل‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭ ‬بكل‭ ‬تعقيداتها‭ ‬ولكي‭ ‬نستميت‭ ‬في‭ ‬الذود‭ ‬عن‭ ‬مكتسبات‭ ‬البلاد‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬بدا‭ ‬الأمر‭ ‬للبعض‭ ‬أضغاث‭ ‬أحلام‭.‬


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING