الشارع المغاربي – الفقر في تونس أرقام ودلالات
1000x300

الفقر في تونس أرقام ودلالات

قسم الأخبار

23 سبتمبر، 2020

الشارع المغاربي-كريمة السعداوي: بعد مرور عشر سنوات على أحداث 14 جانفي 2011 يحتد الفقر في تونس ليقتلع أحلام أجيال بأكملها في جيوب سكانية لم تنل حظها لا من التنمية و لا من سياسات متكاملة تراعي البعدين الاقتصادي والاجتماعي. بعد انقضاء عشر سنوات على تلك الأحداث لازال الفقر يفتك بمليون و600 ألف تونسي مهددين بالموت والجوع وبالمرض والأمية عاقبتهم الحكومات المتعاقبة جراء تصديقهم وعودها وحولت حياتهم الى جحيم.

وفي هذا الإطار، أبرزت دراسة نشرها اليوم الأربعاء 23 سبتمبر 2020 المعهد الوطني للإحصاء بعنوان “خارطة الفقر في تونس” ارتفاعا كبيرا لنسب الفقر بشكل رئيسي في مناطق الوسط والشمال. وقام المعهد بإعداد الدراسة بالتعاون مع البنك الدولي بناء على التقسيم الإداري المعتمد بالتعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014 دون احتساب المعتمديات المحدثة بعدها، ومستندا أيضا إلى المسح الوطني حول الإنفاق والاستهلاك ومستوى عيش الأسر لسنة 2015. واستعرضت الدراسة نسب الفقر بـ264 معتمدية موزعة على 24 ولاية، من خلال تحليل أبرز المعطيات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية على مستوى المعتمديات الموجودة بتونس الكبرى، والشمال الشرقي، والشمال الغربي، والجنوب الشرقي، والجنوب الغربي

الفقر والحرمان من المرافق العامة

يُعرّف الفقر عالميا بأنه عدم القدرة على تحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة وعلى الحصول على الخدمات الأساسية لتفادي المشاكل الناجمة عن الأمراض والجهل وسوء التغذية والمرض وارتفاع مستوى الوفيات في صفوف الأطفال وانخفاض معدل الحياة إضافة للتلوث البيئي.

أرقام المعهد الوطني للإحصاء تؤكد أن عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر بتونس يقدر بقرابة مليون و600 ألف شخص موزعين خصوصا على ولايات الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب الشرقي إضافة الى أن هذه الولايات تحتوي أيضا على مشكل الأمية الذي يعتبر هاما من حيث الحجم حيث يشمل مليون و800 ألف ساكن أغلبهم في ولايات جندوبة والقيروان وسيدي بوزيد وصفاقس والقصرين.

ويؤكد جل الخبراء في مجال اقتصاد التنمية أن الوصول للخدمات الأساسية أصبح عسيرا رغم أنه من المطالب المحورية حيث أصبحنا نسمع أخبارا عن وفاة حوامل أثناء ذهابهن للمستشفى بهدف الولادة وتلاميذ يقطعون الكيلومترات للوصول ال المدرسة.

و في نفس السياق، فإن النجاح بالنسبة لهؤلاء التلاميذ أصبح استثناء والفشل والانقطاع عن الدراسة هو القاعدة العامة مما يبرز نظرية أن جل التلاميذ الذين ينتمون لعائلات فقيرة يتحصلون على معدلات ضعيفة لا تكفل لهم الدخول لكليات تقنية خريجوها مطلوبون في سوق الشغل عكس التلاميذ الذين ينتمون لعائلات ميسورة الحال والمتحصلين على معدلات ممتازة والذين بمكنهم عبرها الدخول للكليات المرموقة على غرار الهندسة والطب ولديهم بالتالي أسبقية في سوق الشغل على حساب التلاميذ الفقراء.

مصادر متقاطعة أكدت أن الظروف اليوم أصبحت تساعد وتشجع على ما يصطلح عليه فكريا بـ”توارث الفقر “حيث يبقى الفقير فقيرا والغني غنيا وأن الحد من هذا المشكل يكمن في النظر في سياسة متعددة الجوانب تراعي تكوين أجيال متكافئة في الفرص بخلق ظروف ملائمة تساعد على ذلك وهذا ليس بالأمر المستحيل.

معضلة تضارب الأرقام الرسمية

بين معهد الإحصاء أن مستوى الفقر في تونس يناهز نسبة 15.2% فيما تقول وزارة الشؤون الاجتماعية أن النسبة حسب معطيات سجل الفقر الذي يتضمن بيانات مختلفة حول أوضاع العائلات المعوزة والفقيرة عموما هي 28 بالمائة. لكن هذه الأرقام لا تعكس فعليا حسب عدد من المتخصصين ما هو موجود في المناطق الداخلية إذ أنه وحتى بالعودة للموقع الرسمي لوزارة الشؤون الاجتماعية لا يوجد رقم واضح ودقيق للفقراء والمعايير التي تم قياسها بها مما يجعل الأرقام محل تشكيك من قبل الخبراء رغم تأكيد الوزارة سابقا أنها عملت وفقا لمنهجية اعتمدت بالأساس على الملفات التي تباشرها مصالحها على المستويات المحلي والجهوي والمركزي.

ويصرح مسؤولون بالوزارة أنهم يعتمدون سجل العائلات التي يقل دخل أفرادها عن 400 دينار في السنة للشخص الواحد والتي تبلغ 185 ألف عائلة وعلى سجل العائلات المنتفعة ببطاقات العلاج بالتعريفة المخفضة وعلى سجل المنتفعين بجرايات من صندوقي الضمان الاجتماعي بما فيهم العائلات التي تنتفع بجراية أقل من الأجر الأدنى المضمون والتي تبلغ 412 ألف عائلة.

أما المعهد الوطني للإحصاء فهو يعتمد على طريقة البنك الدولي التي تتشكل على مستويين اثنين لخط الفقر، الأول هو خط الفقر الأدنى أو ما يعبر عنه بالفقر المدقع الذي يشمل قرابة 400 ألف تونسي يعيشون تحت عتبة الفقر المدقع ولا يملكون مورد رزق صريح فيما يتمثل المستوى الثاني في خط الفقر الأعلى وهو يمثل دائما النسبة المعتمدة رسميا في تونس وتشمل مليون و200 ألف تونسي.

خارطة الفقر في مناطق الجمهورية

أشارت دراسة المعهد الوطني للإحصاء المنشورة اليوم الاربعاء إلى ارتفاع معدلات الفقر بشكل رئيسي في معتمديات حاسي الفريد وجدليان والعيون المتمركزة وسط البلاد، فيما سجلت المعتمديات المجاورة للعاصمة وخاصة معتمديات المنزه وحلق الوادي وأريانة المدينة أقل عدد من السكان الفقراء.

وكشفت الدراسة عن ارتفاع نسبة الفقر بشكل كبير على مستوى الوسط الغربي المتكون من ثلاث ولايات (القيروان والقصرين وسيدي بوزيد). ويعد هذا الاقليم، وفق الدراسة، أحد أفقر الجهات بمعدل 29.3 بالمائة فيما سجلت أعلى نسب فقر بمعتمديتي حاسي الفريد (53.3 بالمائة) والعيون (50.1 بالمائة).

وبالنسبة لنسب الفقر في جهة الشمال الغربي التي تضم أربع ولايات (باجة وجندوبة والكاف وسليانة) قال المعهد انها تبلغ بنبر 45.4 بالمائة، وبالروحية 40.7 بالمائة، وبساقية سيدي يوسف 39.7 بالمائة مشيرا الى انها المعتمديات الأفقر بالجهة، والى ان معتمديات جندوبة (10.7 بالمائة)، وبوسالم (16.6 بالمائة)، وسليانة الشمالية (16.8 بالمائة)، وطبرقة (16.7 بالمائة) تعد المعتمديات الأقل فقرا.

وكشفت الدراسة انه في مستوى الشمال الشرقي الذي يضم ثلاث ولايات (نابل وزغوان وبنزرت) تم تسجيل أعلى نسب للفقر في كل من معتمدية سجنان 39.9 بالمائة، تليها جومين بـ36.6 بالمائة وغزالة بـ34 بالمائة، في حين تنخفض معدلات الفقر بمعتمدية دار شعبان الفهري الى 4.9 بالمائة وبنزرت الشمالية الى 5.3 بالمائة لتسجل أدنى نسبة فقر بالجهة بمعتمدية نابل (4.7 بالمائة).

أما بالنسبة لجهة الوسط الشرقي التي تضم أربع ولايات (سوسة والمنستير والمهدية وصفاقس) فقد تم تسجيل أدنى معدل فقر في صفاقس المدينة بـ 2.5 بالمائة فيما ارتفعت معدلات الفقر بمعتمديتي أولاد شامخ (35 بالمائة)، وهبيرة (33.4 بالمائة).

وتشهد ولايات الجنوب الشرقي (قابس، تطاوين، مدنين) تفاوتا في نسب الفقر إذ سجلت أعلى نسب فقر بمعتمدية بني خداش 36.9 بالمائة، تليها معتمديتي منزل الحبيب 33.6 بالمائة وسيدي مخلوف 33.4 بالمائة، فيما تسجل معتمدتي قابس الجنوبية (9.4 بالمائة) وجربة حومة السوق ( 9.5 بالمائة) أدنى نسب الفقر بين معتمديات الجهة.

وعلى مستوى الجنوب الغربي (قفصة، قبلي، توزر) سجلت كل من معتمديات بلخير ( 31.2 بالمائة) والسند ( 27.2 بالمائة) ودوز الجنوبية ( 25.9 بالمائة) أعلى نسب للفقر. أما معتمديات توزر ( 10.3 بالمائة ) وقبلي الشمالية ( 12.3 بالمائة) وقفصة الجنوبية ( 15.4 بالمائة) فقد سجلت أدنى معدلات الفقر من بين جميع الجهات.

في المقابل انخفضت معدلات الفقر على المستوى الوطني في جهة تونس الكبرى والتي تعد أربع ولايات (تونس وأريانة وبن عروس ومنوبة)، حيث تراوح متوسط معدل الفقر على مستوى المعتمديات بين 6.1 بالمائة و15.2 بالمائة. وتعتبر معتمديات طبربة (15.2 بالمائة) والبطان (14.5 بالمائة) وقلعة الأندلس (12.5 بالمائة) الأكثر فقرا في تونس الكبرى، في حين تسجل معتمديات المنزه (0.2 بالمائة) وحلق الوادي (1.1 بالمائة) وأريانة المدينة (1.3 بالمائة) أدنى نسب الفقر في تونس الكبرى.

وخلصت الدراسة، التي تساهم في رسم السياسات الحكومية لتحقيق أهداف التنمية والتقليص من الفقر والفوارق، إلى أهمية استهداف سكان المعتمديات الأشد فقرا في البلاد عبر برامج التدخل الاجتماعي للحد من معدلات الفقر.

ويفيد جل المهتمين بالاقتصاد التنمية ومكافحة الفقر بأهمية استغلال الدراسات المتاحة في مجال تقييم الفقر باعتبار أنه من الممكن استعمال خرائطها و بياناتها على غرار الخارطة السابقة لحساب قواعد مختلفة من مخصصات الميزانية في سياق لامركزي ودقيق لاستهداف هذه الجيوب السكانية الفقيرة إلى جانب بناء أدوات فعالة من الممكن استخدامها لتقييم برامج أو مشاريع مكافحة الفقر أو لمساعدة الباحثين عن فهم العلاقة بين توزيع الفقر والظواهر الاجتماعية والاقتصادية المختلفة المتصلة بهذه المعضلة العويصة.

برامج حكومية فاشلة

تنتهج الحكومات بتونس منذ عقود سياسة اللامبالاة أو التسرع حيث نجد أن كلها ينفق أموالا غير ناجعة لأن البرامج التي تتم غالبا من عدة وزارات على غرار الصحة والتربية والتجهيز والتنمية والشؤون الاجتماعية والنقل يعوزها التنسيق والدقة.

وحتى إن كانت الإمكانات موجودة وتنفق الدولة مثلا في برنامج المساعدات للعائلات المعوزة حوالي 432 مليون دينار على 240 ألف أسرة معوزة فإنه ليس هناك سياسة تقييمية لمدى نجاعة هذا البرنامج وهناك أيضا برنامج السكن الاجتماعي والمساعدات الاجتماعية الدائمة والظرفية التي تتم دون تقييم يذكر.

وتوضح مصادر متقاطعة أن الوضع يستوجب ضرورة وضع سياسية لتقييم البرامج العمومية وهو ما كان مطلب عدة جهات فاعلة أثناء صياغة نص الدستور لكن تم تجاهل هذا الأمر المعمول به في عديد الدول كالمغرب مثلا.

ويتباهى عموما عدد من المسؤولين والمعنيين بالإشراف على الشأن التنموي بمساعيهم لخفض نسبة الفقراء ولكن في ظل الفقر المستمر، واتساع فجوة التفاوت، والنمو الهزيل، يبدو نجاح سياسات وبرامج مكافحة الفقر في تونس طيلة عقود وفي الظرف الراهن ملتبسة.

وفي حقيقة الأمر، كانت برامج مواجهة الفقر متواضعة، بل إن الأوضاع تدهورت في جل المناطق بالبلاد مما يشكك في نجاعة السياسات المعتمدة على ضعفها وضبابيتها للحد من الفقر، بحكم عدم تثبيت استقرار الاقتصاد الكلي الذي يهدف إلى تخفيض نسبة التضخم إلى مستويات متدنية وتعديل الأسواق وتسريع وتيرة النمو.
ويذكر أن استمرار تراجع الاستثمار العام في الصحة والتعليم وغير ذلك من البرامج الاجتماعية أدى والى حد بعيد في نهاية المطاف إلى زيادة عدد الفقراء بشكل مطرد. من جهة أخرى يبدو الاهتمام بالأسباب البنيوية للفقر في تونس ضعيفا للغاية، مثل عدم المساواة في الفرص، أو التوزيع غير العادل لثمار النمو.

اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING