الشارع المغاربي – البرلمان الفلكلوري ..عودة لاعتصام القائدة العُليا للقوّات التجمّعيّة! / بقلم معز زيّود

البرلمان الفلكلوري ..عودة لاعتصام القائدة العُليا للقوّات التجمّعيّة! / بقلم معز زيّود

قسم الأخبار

15 ديسمبر، 2019

 الشارع المغاربي: شهدت بلاد العجائب السبع، على امتداد الأسبوع الماضي، مشهدًا سرياليًّا جديدًا أظهر القدرة الخارقة لورثة نظام بن علي على ارتهان غير مسبوق لـ”مجلس نوّاب الشعب” ومحاولة منع مناقشة أهمّ قانون سنوي متمثلا في ميزانيّة الدولة، وتحويل البرلمان إلى مجرّد سيرك يتراقص فيه توابع البلطجة الفولكلوريّة هنا وهناك. مشاهد تعكس حالة العفن السياسي التي تردّت فيها بلاد ارتهن مصيرها بعض من صعّدتهم الانتخابات الأخيرة…

سقطت تحت قبّة البرلمان، خلال الأيّام الأخيرة، كلّ أولويّات البلاد وقضاياها المحوريّة وعذابات المحرومين والملتاعين ببرودة الطقس، لتُفسح المجال لمعارك هامشيّة وضيعة أقدمت قائدة جماعة “الحزب الدستوري الحرّ” على فرضها على أجندة مجلس النوّاب وعلى التونسيّين جميعًا. مشهد مقذع كريه فُرشت خلاله الأغطية والبطاطين في قاعة الجلسات العامّة للبرلمان، وألقيت الوسائد على سجّاد الأرضيّة وأُقِيم محفل “اعتصام” مفتوح. والحال أنّ مجرّد التلفّظ بكلمة “اعتصام” كان قبل الثورة يُعدُّ كفرًا بوّاحًا وإجرامًا خطيرًا زمن لهفة عبير موسي وأقرانها على التقرّب بكلّ السبل من وليّ نعمتها الراحل.

فولكلور مكذوب!

تمكّنت عبير موسي إذن من تعطيل أشغال مجلس نوّاب الشعب في زمن ذروة عمله، واختزلت كلّ مطالب التونسيّين في استصدار اعتذار رسمي عن نعت النائبة النهضويّة جميلة الكسيكسي اعضاء كتلتها البرلمانيّة بـ”الباندية والكلوشارات”. ومن ثمّة لم تدّخر القائدة العليا للقوّات التجمّعيّة أيّ جهدٍ لكي تُثبت أنّها خير أهلٍ لتلك النعوت المستهترة التي يُفترض أن تكون خارج سياق العمل البرلماني!.

“كلوشارات”، “بانديّة”، “قوّادة”، “دواعش”، دعاة إرهاب وتطرّف… وغير ذلك ممّا بخس من الشتائم المقذعة، تبادلتها تلك “الزبدة” من السياسيّين الذين اصطفاهم الشعب التونسي لتمثيله وتحقيق مطالبه وانتظاراته العاجلة. غياب للحدّ الأدنى من المسؤولية والاحترام للذات وللآخر، وكأنّنا بصدد مشاهدة معركة فولكلوريّة بالسيوف اللامعة بإحدى البِطاح من أجل سيجارة أفيون رخيصة بين مساجين مستجدّين أُطلِقَ سراحهم للتوّ!… فهل يمكن للأمر أن يتعلّق بمجرّد اعتذارٍ لا يُغني ولا يُسمن من جوع التونسيّين؟. وهل يجوز الاعتذار لمن يرفض مبدأ الاعتذار أصلا ولا يُدرك معناه فصلا؟.

من هي عبير موسي إذن أو أيّ نائب آخر من أيّ حزبٍ، حتّى يُسجّل لها اعتذار رسمي في الدفاتر التاريخيّة لبرلمان تونس؟. فهل سبق لـ”موسي” أن اعتذرت عن حدّة نصل الزغاريد لعقيلة رئيس نظامٍ قمع التونسيّين ونهب مقدّراتهم لفائدة أصهاره على امتداد أكثر من عقدين؟ وهل اعتذرت للشعب التونسي ولأبنائه عن عشرات الشهداء والجرحى الذين سقطوا أيّام الثورة؟. المفارقة هنا أنّ رئيس النظام السابق كان في حدّ ذاته أكثر جرأة منها في هذا المضمار، فقبل يومٍ واحدٍ من هروبه اعترف بالممارسات القمعيّة لنظامه، ناطقا تلك العبارة الديغوليّة الشهيرة “غلطوني”!.

لها الحقّ طبعًا في رفض “سحب تلك العبارات من مداولات الجلسة العامة ليوم 3 ديسمبر 2019″، مثلما ورد في بلاغ مكتب مجلس نواب الشعب المنعقد بتايخ 8 ديسمبر 2019. فكلّ ما قيل يومها والأيّام اللاحقة بات جزءًا من تاريخ برلماننا الفلكلوري الموقّر، ولا يمكن سحبه أو حذفه أو طمسه. وتصارخت أنّها ستعود إلى التسجيلات لمعاينة ما تلفظت به من كلام جميل يخلو من البذاءة. والحقيقة أنّ عليها العودة فعلا لا إلى مداخلاتها وإلى منطوق أتباعها، وإنّما إلى مداخلة النائبة سامية عبّو مثلا التي تلت كلمة موسي مباشرة، حتّى تأخذ درسًا نظريّا وعمليّا في معنى أن تكون ممثلا للشعب وأن تتفقّه شيئا مّا عن مهام البرلمان ونوّابه.

عمليّة ترهيب مكشوفة

ما جَدَّ، في قصر باردو، لم يحدث إذن في أيّ برلمان آخر في العالم. لم ينته إلى أسماعنا سابقا أنّ هناك برلمانيّا آخر احتلّ كرسيّ رئيس البرلمان المنتخب بصرف النظر عمّن يكون. ولم يحدث أن تحوّلت قاعة الجلسات العامّة إلى مرعى تُغطّى فيه الكاميراوات ليلا ويبيت فيه من خُرِمت عقولهم. لم يكن مجلس نوّاب الشعب هو المقصود بعمليّة “الارتهان” بل بات التونسيّون محور الاستهداف المُبيّت. فلا ريب أنّ منع مناقشة الميزانيّة العامّة للدولة في آجالها يعني -بكلّ ما في تلك الحادثة من خطورة- التجميد الفوري لكلّ المحرّكات بدءًا بإيقاف ضخّ رواتب الموظفين والأجراء وكلّ مؤسّسات الدولة وكبح تامّ لعجلة التنمية والاستهلاك والاستثمار ومصالح البلاد كلّها.

هل يمكن إذن اعتماد آليّات التحليل الرصين لتوصيف هذا القرف السياسي المتضخّم؟!. لقد اختنق المنطق من فرط العجز عن مواجهة هذا الانفلات العارم القميء. ولم يبق، الأسبوع الماضي، أمام المستجمعين الجدد سوى المطالبة بجلب بعض البضائع المهرّبة من سوق “سيدي بومنديل” لافتراشها ونصب خيمة للاتّجار بالمواقف والقوانين ولضرب المؤسّسات السياديّة للدولة، تمامًا مثلما يُباع الفول للسكارى المُتبوّلين أمام الحانات الرخيصة إمعانًا في تلويث بعض الأنهج العفنة أصلا في العاصمة.

تجاوزات الأسبوع الماضي، رغم هالتها، لم تكن سابقة بقدر ما كانت تتويجًا لمسار. فروائح الاحتراق المؤذي أخذت تفوح منذ الجلسة الافتتاحيّة لمجلس نوّاب الشعب وأداء القسم البرلماني. انطلقت عبير موسي يومها، ومن معها من تُبَّعٍ، في استعراض أوهام القوّة. ليست هي وحدها من سلكت تلك الطريق طبعًا، فسوء الظنّ والانتهازيّة كانت الغالبة بين أحزاب وكتل ونوّابٍ يتوقّع الكثير منهم ألّا تمضي الحكومة المقبلة شوطا طويلا، وأنّ البلاد مُقبِلة على احتمال كبير لخوض انتخابات مبكّرة. نوبة هستيريّة أدّت إلى سقوط الكثيرين في اعتماد سياسة الترهيب وإطلاق حملات انتخابيّة قبل الأوان، وحتّى قبل أن ينطلق البرلمان الجديد في أشغاله، دون أدنى اعتبار لحرمة مؤسّسات الدولة وللمصالح الحيويّة للتونسيّين وأولويّاتهم المعيشيّة.

كيف يمكن إذن، أمام هذا الخطب العظيم، الامتناع عن الاستناد حتّى إلى عقليّة المؤامرة من أجل تفسير ما حدث وإصباغه بنزرٍ زهيدٍ من المنطق؟!. لا يُمكن، وقد بلغت الحال هذا المأخذ، استبعاد فرضيّة أن يندرج ما أقدمت عليه عبير موسي ضمن مخطّط لإعمال الفوضى العارمة وإسقاط الدولة برمّتها. وقد يكون من المحال الغوص في تلابيب هذا التخطيط من دون تمويل أجنبي يهدف إلى تفتيت ما بقي من مؤسّسات الدولة والانتقام من البلاد وأهلها، بدعوى أنّ الإسلاميّين المعارضين للنظام السابق قد هيمنوا اليوم على البلاد وارتهنوا مصائر العباد. والحال أنّه لم تكن لا لحركة النهضة ولا لأيّ حزب آخر أيّ دور في الثورة، رغم الادّعاءات المكذوبة من هذا الشقّ وذاك!.

العجز عن تطبيق القانون!

من العبث اليوم أن ينطلي على ذوي العقول الوهم القائل بأنّ هناك حزبًا، سواء كان إسلاميّا أو يساريّا أو من أيّ طيف أيديولوجيّ آخر، يمكنه أن يقضي على الحريّات العامّة والفرديّة المكتسبة. تبدو تونس اليوم، رغم كلّ مصائب نخبها السياسيّة وتفاقم معضلاتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، بمثابة كائن متنوّع المشارب والأسس. فهي تضمّ إلى جانب مؤسّسات الدولة، مجتمعًا مدنيّا حيويّا واتّحاد شغل قويّا وصحفيّين تحرّرت أصواتهم وجيشا وأمنا جمهوريّين وشعبًا افتّك حريّة الكلمة في ربوعه، ولا يمكن أبدا أن يتراجع عن حريّاته وكلّ هذه المكاسب. صحيح أنّ هناك محاولات بين الآونة والأخرى لتهديد هذه المكتسبات، لكنّ تخويف التونسيّين ببعبع الإخوان أو الدواعش أو حتّى التجمّعيّين بات من وحي الأوهام. ومن ثمّة لا شكّ في أنّ ما حدث سيمرّ عند جفاف “خميرة” الهيجان وانتهاء وريقات دفتر شيكات مجهول.

هل يجب إذن أن نذمّ الديمقراطيّة لمجرّد أنّها أوصلت إلى البرلمان من لا يؤمن بها بل ولا يعتبرها سوى مطيّة لتحقيق أجنداته؟. وهل يمكن التزام الحياد الوهمي إزاء تشكيلات حزبيّة لا تعترف بالثورة، وتحاول أن تدوس مؤسّسات الدولة وضرب المسار الديمقراطي تكريسًا لأجندات عابرة للأوطان؟.

يعود هذا الوضع المرتبك إلى ما ساد البلاد خلال السنوات التسع الماضية من عقليّة “الغنيمة” و”الغَلَبَة” أو “المُغالبة” التي تُعبّر في حدّ ذاتها عن نوع من أنواع “البلطجة” التي سادت البرلمان طيلة الأسبوع الماضي. كما لا يخفى أنّ الوفاق المغشوش سابقا بين الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، وهو نشهد له اليوم نسخة رديئة أخرى، قد أدّى إلى تشكيل البرلمان الحالي نتيجة فقدان الثقة لدى التونسيّين في النخب السياسيّة، ولاسيما بعد فسح المجال للنجل المدلّل لتدمير نداء تونس وتقسيمه إلى 7 أحزاب، ثمّ الهرب خارج البلاد بالجمل وما حمل، دون أن يُجرى أيّ تحقيق بشأنه أصلا…

ينبغي الاعتراف إذن أنّ من كبرى كبريات مشاكل تونس، خلال سنوات ما بعد الثورة، العجز شبه التّام عن تطبيق القانون في كلّ المجالات. عجز عن مساءلة جلّادي النظام السابق، وعجز عن محاسبة الإرهابيّين والمتطرّفين ومن سفّروا شباب تونس إلى محارق الحرب في ليبيا وسوريا، وعجز عن ضرب الفاسدين والمرتشين والمحتكرين والمهرّبين، وعجز كذلك عن وضع حدّ لتكالب السياسيّين. والمفارقة أنّ المدوّنة القانونيّة في تونس لم تترك أمرًا تقريبا لم تُقيّده بفصل دستوري أو نصّ قانوني. وما هذه الجرأة التي تأبّطتها عبير موسي وتوابعها في انتهاك حرمة البرلمان وتعطيل أشغاله ذات الأولويّة إلّا استمراءً لهذا الشعور بالإفلات من أيّة مساءلة وعجز رئاسة المجلس عن تفعيل ما يتوفّر من إحكام إزاء من يُعطّل عمل مؤسّسات الدولة، ولاسيما في ظلّ التمتّع بـ”حصانة” برلمانيّة مفروضة دستوريا، ولا يُفترض أن تقوم في بلد لا يزال يخطو أولى خطواته الديمقراطيّة.

كيف العمل إذن في ظلّ ما يتراءى أمام الأعين من حقدٍ دفين، من هذا الشقّ أو ذاك، ورغبة في الانتقام من التونسيّين وتحويل البرلمان إلى رهينة ومحاولة إحلال الفوضى العارمة لتحقيق أجندات غير خفيّة؟. وهل تجرؤ حركة النهضة وحلفاؤها على القبول بمبادرة لتعديل الفصلين 68 و69 من الدستور في اتجاه إلغاء “الحصانة” الكارثيّة؟ لا نعتقد ذلك قطعًا، فالخشية من طرح الملفات تبدو قائمة دائمًا. والأكثر سوءا من ذلك أنّ هناك من لا يبغي من البرلمان إلّا الاحتماء بتلك الحصانة!. وما دام الحال كذلك فإنّنا سنشهد للأسف فصولا جديدة من الفولكلور البذيء المرتهن للبلاد والعباد…

مقال صادر في اسبوعية” الشارع المغاربي “بعددها 194.


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING