الشارع المغاربي – الغنوشي: لا عهد لا ميثاق ! بقلم لطفي النجار

الغنوشي: لا عهد لا ميثاق ! بقلم لطفي النجار

4 أكتوبر، 2019

“اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدّوا عن سبيله إنّهم ساء ما كانوا يعملون” قرآن كريم

الشارع المغاربي : بعد أن كان رافعا للواء التوافق ومبشّرا بفضائل المصالحة الوطنية ومسوّقا لمقولة “الإسلام الديمقراطي النّاعم” وضرورات الوحدة الوطنية وأهمّية الشراكة المستقبلية مع “النظام القديم” والتعاطي إلى حدّ التماهي مع الدولة العميقة… ينكث الغنوشي كلّ عهوده وخطاباته وتعهّداته ويعود على عقبيه ليلتحف برداء “الثوّار” من جديد ويحتفي بالقضاء على “اليساريين والتجمّعيين الاستئصاليين” والعودة إلى خطابات التجييش “من أجل الانتصار للثورة وتحقيق أهدافها” عبر إعلان معارك هووية عقيمة ضدّ خصوم سياسيين وإيديولوجيين تعيدنا جميعا إلى مناخات 2011 وكوابيس الحكم “التركوي”..المهم هو بقاء “جماعته” المقرّبة في الحكم ولو على حساب الثوابت والمبادىء الأخلاقية الإنسانية.

“آشكون مازال باش يمّن الغنوشي؟” هو الاستفهام الذي يليق بهذا القفز البهلواني لراشد الغنوشي الذي غيّر من جلده السياسي مرّات عديدة في أقلّ من عشرية واحدة وفق اتجاهات الريح، مرّة عبر انحناء ظرفي تكتيكي حتى تمرّ العاصفة ومرّة أخرى مسايرة له والتسابق معه لعلّه يثبّت في النهاية مغانم ومصالح حزبية ضيّقة ولو عبر استثمار مقيت ومكرّر للرأسمال الديني. حينا يعلن الغنوشي بتحدّ ظاهر “نحن العمود الفقري الذي يمسك بالبلاد”، وحينا آخر يتبرّأ من فشل حكومة الشاهد ويصرّح أنّ حركته لم تحكم ووجب “معاقبة النداء” في التشريعيات المسؤول لوحده عن “الخراب” الاقتصادي والاجتماعي !.

انتهازية غريزية ليس إلّا

لننظر ونتمعّن قليلا في “الاستراتيجيات الغنوشية” من خلال الخطاب فحسب التي تعرّي عن انتهازية في درجتها الغريزية: سبتمبر 2016 يقول الغنوشي في القصرين أمام أنصاره “إنّ الذين يقولون إنّنا تخاذلنا وانبطحنا وقبلنا بالنظام القديم نقول لهم أعطونا نموذجا آخر في العالم العربي نتّبعه. هل أعجبكم الوضع في ليبيا ومصر وسوريا والعراق”، ويضيف “التجربة التونسية في التوافق والانتقال الديمقراطي باتت تدرّس في كلّيات العلوم السياسية في العالم”. 5 سبتمبر 2019 أي قبل شهر تقريبا يصرّح الغنوشي على قناة حنبعل أنّ الحركة ماضية في سياسة التوافق التي تحتاج إليها تونس، مضيفا أنّ سياسة التوافق حفظت تونس وأنقذتها من الكوارث. واعتبر الغنوشي أنّ الجميع سيحتاج إلى هذه السياسة خاصّة في البرلمان القادم، كما أكّد على أنّ تونس تصنع تاريخا جديدا للعالم العربي وحسّنت صورة الإسلام في العالم وقدّمته في صورة راقية تبرهن أن لا تعارض بين الإسلام والديمقراطية وحقوق المرأة والتنمية والآداب والفنون والوحدة الوطنية. هذا مقتطف من الإنشائيات المدحية للتوافق و”الإسلام الديمقراطي” والقول المتكرّر بالقطع مع المعين الإخواني عبر القيام بمراجعات تجعل الحركة منغرسة في التاريخ الوطني ورافدا من روافد الفكر الإصلاحي، حركة محافظة إصلاحية تفصل الديني عن السياسي وتعبيرة تونسية سياسية أصيلة عن جزء من التونسيين.
فجأة، وبقدرة عجيبة على التلوّن وتغيير المواقف والمواقع بشكل مقرف ومقزّز تجعل “تطوّر الحركة الفارط” على محكّ السؤال (كما تحطّ بالأخلاق السياسية إلى الحضيض فتفسد الأخلاق وترذّل السياسة)، يرفع الغنوشي الحجاب عن إيمانه الثوري المخفي شارحا في اجتماع شعبي في مدنين دوافع “الالتصاق بنداء تونس” بالقول أنّ “…في البوكس كيف يبدا صاحبك أقوى منّك تلصقه وتحتضنه” !! . هكذا وبصفاقة تحوّل شريك الأمس إلى ملاكم يُعانق على مضض، بقصد “تفكيكه واستنزافه وإنهاكه” كما فسّر وبيّن صهر الغنوشي ّرؤيته هو الآخر للتوافق والتعايش والوحدة الوطنية.
أسقط الغنوشي مظلّة التوافق وأنهاها بعد استنزاف شركائه وإنهاكهم، منطلقا بسرعة قياسية دون نقد ذاتي أو محاسبة سياسية عن سنوات الفشل والتيه لحكمه، في البحث عن شرعية جديدة تمكّنه من التموقع، وهي تحديدا “شرعية الثورة” من خلال استعداء أطراف سياسية وإيديولوجية بعينها وإثارة المعارك ضدّ من أصبح يسمّيهم فجأة “أعداء الثورة” ورموز الدولة العميقة التي غازلها الغنوشي نفسه لسنوات، فأغرى البعض وتقاطع بل تماهى مع البعض الآخر من النخب والإعلاميين ورجال الأعمال. اليوم يحتفي الغنوشي بالقضاء عليهم أمام أنصاره مشيرا إلى أنّه من أهداف هذا التحالف (التوافق) هو أنّ كتلة النهضة قد حافظت على البند الأول والثاني من الدستور اللّذين يقرّان بأنّ تونس دولة مدنية دينها الإسلام ولغتها العربية في الوقت الذي كان فيه “الشيوعيون يحاولون حذفهما”…هكذا يرمي بنا الرجل من جديد في أتون المعارك “الهووية” العقيمة وإلى اسطوانة “الإسلام في خطر” التي يقتات ويعتاش منها.

الانسجام الفكري أخلاق أوّلا وآخرا

نقول وبوضوح أنّ الانسجام الفكري أخلاق أوّلا وآخرا، وأنّ هذه الانتهازية المقيتة التي تطبع السلوك السياسي للغنوشي هي محرّكه الفكري الوحيد الذي يشتغل للبقاء في الحكم وأنّ هذه “البهلوانيات” أو هذا الانعدام الواضح للحياء الأدبي والأخلاقي والإنساني لم يعد ينطلي على “التوانسة” مهما زيّنها الرجل بمساحيق دينية من قبيل “صندوق الزكاة”.
لم تطرح النهضة على امتداد سنوات الترويكا وما بعدها فكرة إنشاء صندوق للزكاة، كما أنّها لم تشر أبدا قبل “زلزال” نتائج الرئاسية إلى هذا الاقتراح . ويبدو أنّ الفكرة (صندوق زكاة) قد قفزت إلى الأذهان النهضوية في سياق التنافس الحاد مع ائتلاف الكرامة على “الأصل التجاري” الديني. ولذلك تمّ الدفع باقتراح صندوق زكاة رغم محاذير طرحه من خلال برنامج انتخابي لحزب سياسي لأنّها تخرج (مسألة الزكاة) من باب المشترك الوطني إلى الجدل والانقسام الإيديولوجي…المهمّ هو كسب الأنصار وإغواء الناخبين وخاصّة الحدّ من نزيف القواعد الشاردة إلى يمين النهضة أي ائتلاف الكرامة الصّاعد والمهدّد لوحدة الحركة وتماسكها. لا يهم إذن، إذا طرحت مبادرات ذات مصادر دينية تعيدنا إلى مناخات الترويكا واستعمالات الديني في السياسي وما ترتّب عنه من تخوّفات للتونسيين ومن فتنة وشرخ في الوحدة الوطنية…كلّ الطرق تؤدي إلى النصر الانتخابي ولو كان الثمن خوف “التوانسة” والكذب وتوظيف ركن من أركان الإسلام (الزكاة) وإثارة الفتنة والانقسام الإيديولوجي والإدعاء الباطل بالطهورية والثورية.
للتذكير فحسب بالماضي الثوري والطهوري القريب، اشتغلت حركة النهضة خلال سنوات حكمها مع حزام من الجمعيات “الخيرية” خاصّة عشيّة كل محطّة انتخابية. وزّعت هذه الجمعيات “علالش العيد” مصحوبة بقفّة فيها “الطماطم والكسكسي وطبعا المقرونة” واستفادت الحركة طبعا من الريع السياسي لهذا “العمل الخيري” ! اليوم يعترف الغنوشي الفقير إلى ربّه قائلا دون خجل أو تردّد ” الله غالب معنّاش مقرونة” (هكذا) في إشارة لحزب قلب تونس الذي وصفه راشد بـ”ممثّل النظام القديم” وهو الذي طالما دافع عنه وعن قناته وربطتهما صداقة يعلمها الجميع.
بن سالم والشهودي
يقول نهضوي غاضب في رسالة موجّهة إلى راشد الغنوشي منشورة على صفحات التواصل الاجتماعي ” السلطة براقة والحزب كبر حجمه وتسلّل إليه الغرباء والقيادة المركزية لم نعد نراها إلّا في النزل والصالونات الفاخرة وعبر شاشات التلفاز وعلى صفحات التواصل الاجتماعي في صورة مبهرة تعكس انتمائها إلى طبقة ارستقراطية غريبة لم نعد نعهدها من قبل. كنتم محاطون بحاشية تحجب عنكم التواصل مع القواعد بدون حواجز…بريق السلطة والمصلحة الخاصّة الضيّقة العنوان الأبرز للمرحلة”. ويضيف في الرسالة: “لقد أعلنها محمد بن سالم ولم تنتبهوا “النهضة تحوي كثيرا من المرتزقة، تمّ فرض رفيق عبد السلام في مسؤوليات حسّاسة ممّا أثار غضبا داخل النهضة”…ثم يظهر قيادي آخر (زبير الشهودي) معلنا استقالته وداعيا رئيس الحركة إلى “اعتزال السياسة وملازمة بيته وإبعاد صهره عبد السلام”…لينهي صاحب الرسالة نصّه الطويل بجملة معبّرة “…لا نعلم ما الذي يجري….أما آن للنهضة أن تنظر في المرآة”.
فعلا لقد أوجز الرجل، إنّها مغانم الحكم التي تعمي البصر والبصيرة وتجعل الرجل “يميح مع كلّ ريح” ويصير مع الوقت لا عهد ولا ميثاق له و”ما يمّنو كان المهبول” !

صدر باسبوعية “الشارع المغاربي” في عددها الأخير.

 

 

 


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING