الشارع المغاربي – المؤرخ عبد الجليل بوقرة: الحركة الشعبوية لا تقدر إلا على بيع الكلام ومآلها الاندثار

المؤرخ عبد الجليل بوقرة: الحركة الشعبوية لا تقدر إلا على بيع الكلام ومآلها الاندثار

قسم الأخبار

17 أكتوبر، 2020

الشارع المغاربي-عواطف البلدي: يمكن القول منذ البدء إنّ المؤرخ عبد الجليل بوقرّة هو من طينة الأكاديميين الذين آثروا الانخراط والتفاعل النقدي مع الوقائع والأحداث التاريخية فوصلوا بين الفكري النظري والممارسة العملية، أي بين هدوء الدرس الجامعي ورصانة البحث الأكاديمي وبين صخب المقالة الصحفية والكلمة الحرّة الناقدة. كتب عن البورقيبية صعودا وانحدارا، وعن اليسار تاريخا وانعطافات، وعن الدولة الوطنية منجزات وانكسارات…استضفناه هذا الأسبوع لنسأله عن الفكر وإشكالاته، وعن التاريخ وخباياه، وعن الراهن ومآزقه، وعن تونس ومساراتها.. تونس “الاستقلال” الفتيّة الشابّة، وتونس الراهنة “المريضة” و”الموجوعة”…

صرّحت منذ سنة تقريبا بأنّ الوضع أسوأ مما كان عليه خلال انتفاضة الخبز… ما الذي يمكن أن تضيف اليوم على هذا التشخيص؟

فعلا، هو ازداد سوءا عمّا كان عليه قبل سنة، مع الأسف. عندما تهبّ العواصف بعيدا عن الشواطئ ويشعر البحّارة بالخطر، يتّجه النّظر دائما إلى قارب النّجاة للتثبّت من قدرته على حمل المهدّدين بالغرق والوصول بهم إلى برّ الأمان. ذلك ما يحصل بالتحديد في المجتمعات أثناء الأزمات الكبرى. أمّا قارب النجاة في هذه الحالة فهو الدّولة بكلّ مؤسّساتها، من قضاء وأجهزة تنفيذ ومؤسّسة التشريع. وعندما حصلت انتفاضة الخبز بتونس سنة 1984 لم يشعر التونسيون بأنّ الخطر تجاوز الحدّ الذي باتت معه الدولة التونسية مهدّدة جدّيا في كيانها. وفي السّنة الماضية، ورغم الانهيارات المتتالية ورغم كمّ الخيبات، كان الأمل ما يزال قائما في الانقاذ حتّى وإن كنّا لا نعلم من أين سيأتي الانقاذ أو كيف سيكون… أمّا الآن فقد تأكّد انهيار الدولة التونسية بعد أن طال أخطبوط الفساد السياسي والمالي كلّ مؤسّساتها وبعد أن عجزت الحكومات المتعاقبة حتّى عن فتح طريق أو حماية مراكز الانتاج، ففقد التوانسة ثقتهم في الدّولة، أي في قارب النجاة، وغابت الحلول السياسية وأصبح الجميع يفكّر في حلول فردية للنجاة من الغرق المحتّم، وبدا ذلك في هجرة الكفاءات الجماعية وفي ارتفاع نسق “حرقة” الشباب، إنّه نزيف في العقول وفي الأذرع.. فماذا بقي ؟

الدّولة في حالة شلل والفوضى والارتباك يميّزان أداءها، ولئن وصف المؤرّخ والكاتب التونسي فتحي ليسير دولة ما بعد 2011 بأنّها “دولة هواة”، فإنّ حالها اليوم يقول بأنّها “دولة أطفال الشوارع”..

ما الحل للخروج من حالة العطالة في الدولة ورأب الصدع الذي يهز اركانها وأسسها؟

لن يأتي الحل من السّماء، بل لن يكون الحلّ سوى أرضيّ: إمّا من أرض تونس أو من وراء البحار..لن تنتظر الجهات الأجنبية المانحة للقروض والهبات طويلا وهي تراقب ترنّح الدّولة التونسية واحتضارها وستكثّف من تدخّلاتها وتنوّعها لحماية مصالحها وتثبيت مواقعها. لذا لم يبق أمام التوانسة من حلّ سوى الاعتماد على أنفسهم وتعديل بوصلتهم المشوّشة لإنقاذ دولتهم رغم صعوبة الظّرف واستفحال المرض. إنّ مضاعفة الضغط من أجل تعديل القانون الانتخابي الكارثي سيكون بالتأكيد خطوة مهمّة جدّا في اتّجاه تعديل الدستور الذي كان القدّوم المستعمل لتهديم الدولة التونسية. قدّم المؤسّسون للتوانسة دستورا غير عصري وغير ثوري في مبادئه ومفاهيمه، وجاء غريبا وهجينا ومتداخلا، يؤسّس للصّدام والصّراع ولا يقدّم حلولا، ووقع خلطه بمكوّنات غريبة لا تتفاعل في ما بينها فظهرت عيوبه في جوانبه وبين فواصله. لقد راعى المؤسّسون أثناء سنّ دستور 2014 مصالح الموتورين والمتوتّرين والفاسدين والانتهازيين والسماسرة… راعوا الجميع باستثناء الدولة واستقرارها وقدراتها على ضمان الإصلاح والتنمية الشاملة واللحاق بركب الثورة الصناعية الرابعة.

صحيح أنّ المشهد قاتم جدّا فأين تولّي وجهك لا ترى سوى الخراب، لكن منطق الطبيعة لا يقبل التعميم ويفرض التنسيب في كلّ الأحوال، فإذا دقّقنا النظر نرى بوادر يقظة وإن كانت قليلة، ومؤشّرات عن فرز جديد ستستفيد منه الدولة التونسية دون شك. فبعد “شكشوكة” السنوات الماضية واختلاط الصالح بالطالح يبدو انّ العديد من التوانسة بدأوا يتحسّسون طريق النجاة وتحديد مواقع المطبّات ومن وضعها ومن يقف وراءها ويعمل على إدامتها، وذلك بعد استنفادهم لمشاريع جماعة الهوية و”الاسلام في خطر” والثورجيين وأخيرا الشعبويين.

إنّ طريق الخلاص صعب ومعقّد وكلّه فخاخ وإمكانية الارتداد واردة في كلّ منعرج، بل في كلّ لحظة وخاصّة في اللحظات الحاسمة والفارقة التي تتطلّب الحكمة وبرودة الأعصاب والتماسك والقدرة على تحديد طريق النجاة في الليلة الظلماء، وذلك من شيم الزعماء التاريخيين الذين يفرزهم الميدان وليس بترديد الشعارات وإلقاء الخطب الرنّانة. نحن مقبلون بالتأكيد على فترة حاسمة وعلى فرز جديد، وقد يؤدّي كل ذلك إلى استعادة الدولة عافيتها وإنقاذها من مصير دولة الصادق باي في سنة 1881، وعودة الاختلاف الفكري والاجتماعي إلى مساره الطبيعي بعناوين واضحة دون مخاتلة أو مُوَارَبَة.

هل أن الدولة الوطنية اليوم في حالة ازمة؟

طبعا في أزمة، بل هي أخطر أزمة عرفتها الدولة الوطنية منذ الاستقلال. لقد وصلت الدولة الوطنية في السنوات القليلة الماضية إلى وضعية “تكون أو لا تكون”، ويكاد كلّ منجزها الإيجابي يتبدّد ويذهب هباء.

لا يمكن انكار منجز الدولة الوطنية التونسية سواء في ما يتعلّق بتكريس السيادة الوطنية رغم صعوبة استكمال الاستقلال بعد سنة 1956 من جلاء عسكري وتأميم أراضي المعمّرين أو وضع أسس اقتصاد وطني بإنشاء البنك المركزي التونسي وبظهور الدينار التونسي، ومشروع تحديث المجتمع في بلد محافظ ومتمسّك بالتقاليد تحت تأثير المشعوذين والدجاجلة من ذوي المصلحة في تكبيل العقول ونشر الجهل، غير أنّ ذلك المشروع الوطني الطموح تعرّض إلى عدّة انتكاسات ومآزق أدّت إلى حدوث أزمات خطيرة أفرزت ما وصلت إليه الدولة الوطنية راهنا من حالة ضعف وهوان منذرة بموتها وضياع منجزها الإصلاحي والتنويري.

بقدر النجاحات التي حقّقتها الدولة الوطنية في المجالات المذكورة أعلاه، فإنّها فشلت في تحقيق حدّ أدنى من التوازن الجهوي بين شريط شرقي محظوظ، نسبيا، وقسم غربي شبه منسي يرتكز اقتصاده أو يكاد على تجارة “الكنطرة” وعلى “ماندات” المهاجرين، لذا لم يكن غريبا أن تنطلق الانتفاضة الشبابية لسنة 2010 من ولايات ذلك القسم.

كما طال الفشل الجانب السياسي في المشروع التنموي الوطني، فكانت تنمية عرجاء تسير بقدم واحدة ولمّا تعبت تلك القدم ولم تستطع أن تحمل وحدها وزر مجتمع كامل وأن تستجيب لطموحات جيل طموح مكّنه الانترنات من الاطّلاع على ما يجري في العالم من تحوّلات سريعة ومذهلة، انهار النّظام دون وجود بديل وطني مقنع قادر على كسب رهانات القرن الجديد وفي مقدّمتها رهان الانخراط في الثورة الصناعية الرابعة، أو الثورة التكنولوجية.

تكمن خطورة الأزمة الرّاهنة أساسا في مبادرة النخب الحاكمة بعد 2011 بهدم الدّولة الوطنية، وليس نظام بن علي فقط، دون تقديم بديل أفضل يكون مقنعا ومجمّعا ومحفّزا على الانخراط في الإنجاز.

البعض يرى ان زمن الايديولوجيات الكبرى قد ولّى كالقومية العربية بفرعيها الناصري والبعثي واليسار الماركسي والاسلام السياسي بتفريعاته المتنوعة… هل نحن أمام مخاض ميلاد عالم جديد من الافكار؟  كيف تتفاعل مع هذا الرأي والتشخيص؟

منذ انهيار جدار برلين سنة 1990 وما تبعه من انهيار المعسكر الاشتراكي وحلف وارسو ونهاية الحرب الباردة، بدأ الحديث عن نهاية عصر الايديولوجيات، ونشر الأستاذ الجامعي والفيلسوف الأمريكي وابن مدينة شيكاغو “فرنسيس فوكو ياما ” كتابه المرجعي ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، سنة 1992، معتقدًا أنّ الديمقراطية الليبرالية هي تتويج للتطور الأيديولوجي للإنسان، وعدم وجود بديل غير بربري وخطير يعني أن الحجج الأيديولوجية للآخرين لا ترقى لمقارعة الديمقراطية الليبرالية، مستخلصًا أنّها ” نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وبداية عولمة الديمقراطية الليبرالية كشكل نهائي للحكومة الإنسانية”. واعتُبِر كتابه في وقته “كتاب النيوليبرالية المقدّس”. وانطلت تلك الخديعة على عديد السياسيين والمثقفين بالعالم العربي حيث سارعت عديد الأحزاب اليسارية الى تغيير اسمائها وشعاراتها وخطابها، مثل ما قام به الحزب الشيوعي التونسي الذي بات يسمّى بــ”حركة التجديد”، وغاب الحديث عن الاشتراكية وأصبح الجميع يتحدّث عن “الديمقراطية الاجتماعية” وهو مصطلح غائم وحمّال أوجه. غير أنّ أزمة 2008 المالية سرّعت في تقويض “نظرية فوكو ياما” الذي تراجع بدوره عن قناعاته القديمة، حيث كانت مدّة ربع قرن فقط كافية لتنقلب أثناءها الأشياء إلى نقيضها، ولم يعد اليوم يوجد حجر على حجر من التنبؤات الواثقة لتلك الأيام. ففي حوار مع “نبي الليبرالية الجديدة فوكو ياما” نشرته المجلّة الأسبوعية البريطانية “نيوستيتسمان” ( the New Statesman )، القريبة من وسط اليسار، في عدد 17 أكتوبر 2018، تحوّل “فوكو ياما” من مدافع بارز عن الرأسمالية ومنتقد شرس للاشتراكية إلى  الاعتراف بأن التحليل الماركسي للأزمة الرأسمالية كان صحيحا بشكل أساسي، وبأن السعي الجامح لاقتصادات السوق الحرة نحو الربح أدّى إلى إفقار جماعي من جهة، وإلى الهيمنة الكاملة على العالم من قِبَل الأوليغارشية الرأسمالية المتوحشة والفاحشة الثراء من جهة أخرى. ولئن لم ينتصر صراحة للحلّ الاشتراكي فإنّه عبّر عن انحيازه إلى نموذج رأسمالية الدّولة المطبّق في الصين الشعبية كــ”موديل” قادر على تجاوز أزمة الليبرالية الجديدة التي كان من أبرز منظّريها.

ومن المفارقات أنّه في الوقت الذي بدأ فوكو ياما يراجع أفكاره ويقترب من فكر اليسار الماركسي، واصل اليساريون الماركسيون التوانسة سياسة “التخلّص” من كلّ ما له صلة بذلك الفكر حتى على مستوى تسمية أحزابهم وحركاتهم، حيث غيّر الشيوعيون من جديد اسم حزبهم من حركة التجديد إلى حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، سنة 2012. وفي السنة ذاتها أصبح اسم حزب العمال الشيوعي التونسي حزب العمال التونسي، وتخلّص “الحزب الاشتراكي اليساري” من التسمية اليسارية.

بقطع النّظر عن الارتباك الذي وسم مواقف اليسار الماركسي التونسي وخطابه، فإنّ مسار التاريخ الاجتماعي والاقتصادي يؤكّد تواصل وجود التّربة التي تنتعش فيها العقيدة الاشتراكية والعقائد المضادّة لها حتى وإن خفت صوت المدافعين عن الاشتراكية وتراجع تأثيرهم، كما هو الحال في تونس اليوم.

وأنت المؤرخ المختص في تاريخ اليسار التونسي ماذا بقي اليوم من اليسار؟ وهل يصحّ القول بأنّ اليسار التونسي انتهى؟

يمرّ اليسار التونسي اليوم، بجناحيه الماركسي والقومي العربي بأسوأ مرحلة منذ أن ظهر في تونس. لقد ذبح اليسار نفسه بسكّين مشحوذ عندما أضاع فرصة تاريخية بعد 2011 في قيادة التيار التحديثي والتنويري الذي احتكر الدساترة توجيهه على امتداد حوالي 90 سنة.

يجب التّذكير بأنّ أهمّ إضافة حقّقها الخطاب اليساري الاشتراكي، منذ أن أصبح تونسيا مع امحمد علي الحامي والطاهر الحداد مرورا بالحزب الشيوعي التونسي في نسخته التونسية وصولا إلى اليسار الجديد مع حركة “آفاق” (برسبكتيف) وتفريعاتها، هي أساسا ذلك البعد الاجتماعي في خطاب الحركة الإصلاحية التحديثية التي ظلّ الدساترة يتداولون على قيادتها، حيث يعترف، مثلا، أحمد توفيق المدني، أحد مؤسّسي الحركة الدستورية في العشرينات، بأنّ الإصلاحيين الدساترة لم يكونوا منتبهين إلى القضية العمّالية وبأنّ الحامّي فاجأهم بدعوته لإنشاء تعاضديات عمالية في البداية وبتوجهه في ما بعد إلى تكوين نقابات عمالية تونسية.

رغم ما تخلّل مسار اليسار التونسي من إخفاقات ورغم مروره بأزمات فإنّ تمسّكه بالبعد الاجتماعي في أيّ مشروع إصلاحي تنموي كان له أثره في عدّة اختيارات وقرارات اتخذتها دولة الاستقلال، خاصّة خلال ستينات القرن العشرين عندما التجأ الحبيب بورقيبة إلى النقابي الاشتراكي أحمد بن صالح لصياغة مشروع تنموي متكامل لتونس المستقلّة بعد أن فشل رأس المال الوطني في تلك المهمّة أثناء الخماسية الأولى بعد الاستقلال. ورغم تخلّي الحكومات التونسية المتعاقبة عن البرنامج التعاضدي الاشتراكي منذ سنة 1970 فإنّ الدّولة لم تتخلّ كلّيا عن سياستها الاجتماعية (التعليم والصحة والنقل) ولا يزال القطاع العام وازنا بمائة وعشرة منشأة عمومية في المشهد الاقتصادي والاجتماعي العام رغم مشاكله الهيكلية والظرفية ورغم تراجع مردوده.

يرى الدكتور التيمومي ضرورة الانفتاح على تجارب يسارية معاصرة في العالم كاليسار البيئي ويسار الحركات المناهضة للعولمة وحركات الجندر والنسوية ما رأيك؟

المؤرّخ الأكاديمي الهادي التيمومي يعتبر من أهمّ مؤرّخي الفترة المعاصرة وتاريخ الزمن الرّاهن في تونس، وأعتقد أنّ المقصود بكلامه عن اليسار والآفاق الجديدة المفتوحة أمامه هو عموم اليسار في العالم دون تخصيص.

رغم سرعة انتقال التأثيرات بين كلّ القارّات والبلدان في الزمن الرّاهن فإنّه تبقى لكلّ بلد خصوصيته التاريخية والجغرافية والاجتماعية والثقافية، لذا إذا دقّقنا النّظر في أوضاع تونس الرّاهنة وفي مسار تاريخ الفكر السّياسي فإنّنا سنتوصّل إلى مهامّ أخرى لليسار التونسي معقّدة وصعبة الهضم بالنّسبة لأغلب اليساريين التوانسة، وثقيلة على أكتافهم. هذه المهام الجديدة يمكن تحديدها من خلال ضبط موقع اليسار في مسار الفكر السياسي التونسي الذي شهد منذ قرنين وما يزال صراعا بين تيّارين وتوجّهين:

– تيّار محافظ تقليدي يدعو إلى العودة إلى أصول الدّولة الاسلامية حسب ما رتّبها فقهاء الدّولة العبّاسية في العراق وواصل على نهجهم العثمانيون في تركيا وولاياتها، وتولّى التنظير لهذا التيّار رجال الدّين في كلّ المؤسّسات الدينية بالعالم العربي كشيوخ الأزهر بمصر والزّيتونة بتونس إلى حدود بداية القرن الواحد والعشرين عندما أزاح الإخوان المسلمون أولئك الشيوخ التقليديين وتولّوا مسؤولية التنظير للتيار المحافظ التقليدي برفع شعارات الجهاد وبالعمل على نسف كلّ المنجز الإصلاحي التحديثي بالعالم العربي رغم ضحالته، وبتضييق الخناق على التيار الخصم القديم- الجديد وهو:

– التيار التنويري الإصلاحي، الذي سعى منذ جيل محمد علي باشا مصر وحمودة باشا الحسيني في تونس إلى التوفيق بين الخصوصية الثقافية للعالم الاسلامي وبين مكتسبات الحداثة الغربية خاصّة على مستوى التشريع السياسي والحدّ من سطوة الحكم المطلق. وتولّى قيادة هذا التيّار في البداية بعض كبار المسؤولين في الدولة الحسينية مثل الوزير خيرالدين باشا، وبعد الاحتلال وتهميش دور الدولة الحسينية تولّت مسؤولية التنظير لهذا التيار مجموعة من المثقفين عرفوا باسم حركة الشباب التونسي مثل عبد العزيز الثعالبي صاحب كتاب “روح التحرّر في القرآن”، ثمّ أخذ المشعل عنهم الدّساترة إلى حدود سنة 2011، وعندما ظهر اليسار الاشتراكي مع الطاهر الحداد وامحمد علي الحامّي كان موقعه ضمن هذا التيّار ولكنّه لم يتمكّن من قيادته مما تسبّب له في أزمات متعاقبة وأحيانا في الارتباك وضياع البوصلة إلى حدّ انسلاخ أحد مكوّناته عن التيار التنويري التحديثي وتحالفه سنة 2005 مع التيار المحافظ التقليدي بتعلّة الدفاع عن الحرّيات العامة والعفو التشريعي العام، فلم يفقد بذلك الاختيار موقعه التاريخي ضمن الحداثيين فحسب بل فقد أيضا مصداقيته لدى جزء كبير من الرّأي العام التونسي وتسبّب في إلحاق الضرر بأغلب مكوّنات اليسار الاشتراكي.

ولكن رغم تلك العثرات والانتكاسات فإنّ الفكر اليساري الاشتراكي سيبقى مؤثّرا طالما استمرّ الحيف الاجتماعي والتهميش والإقصاء، حتى وإن اندثرت القيادات التاريخية لمختلف تشكيلات اليسار، ولأنّ الطبيعة تأبى الفراغ فسيفرز الواقع قيادة شبابية جديدة لحمل المشعل مثلما حصل في بداية الستينات عندما ظهرت حركة “برسبكتيف” الفتية على أنقاض تشكيلات يسارية قديمة متداعية ومنهكة بالصراعات والثرثرة.

الشعبوية تتنامى وتنتشر في الارض… كيف ترصد استتباعاتها وتداعياتها خاصة في تونس؟

تبقى الشعبوية دائما إفرازا طبيعيا للأزمات الكبرى، سواء كانت أوبئة أو أزمات اقتصادية. فكما أفرزت الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929 “الشعبوية” في شكلها الفاشي مع موسيليني في إيطاليا وهتلر في ألمانيا… فإنّ الأزمة المالية الكبرى لسنة 2008 والمأزق الذي آلت إليه النيوليبرالية أفرزت شعبوية جديدة في شكل ليبرالي مع ترمب في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أصبح خطاب الهوية المتعصّب والخطاب القومي الشوفيني يجد جمهورا واسعا يتجاوب معه نتيجة ما تسبّبت فيه الليبرالية المتوحّشة من بؤس لقطاعات واسعة من المجتمعات الغنية والفقيرة على حدّ السواء، وهو وضع أقرّ به أكبر منظّري النيوليبرالية “فوكو ياما” مثلما سبق أن بينّاه في بداية الحوار.

يمكن إطلاق صفة الشعبوية على كافة الحركات التي تدعي تمثيل مصالح الأغلبية الشعبية ضد النخب، وتتخذ من عنوان محاربة الفساد محورا أساسيًا لمعارضة نظم الحكم المنفصلة عن مشاكل السكان. ولعل تزايد شعبية تلك الحركات ناجم عن انعدام ثقة الناس في المؤسسات التقليدية، كالبرلمانات ووسائل الاعلام والأحزاب النمطية ومنها الأحزاب اليسارية المتحجرة، والنقابات المساهمة. وتتفق الكتابات التي تناولت الموضوع، في أن مؤشرات الدعم للتيارات الشعبوية إنما ترتفع في البلدان التي تعاني من معدلات بطالة عالية واقتصاد سيء، ومن تدفّق الهجرة الواسعة والهجمات الارهابية، وتنامي مشاعر الخوف والقلق على المستقبل. وبصفة عامة فإن الشعبوية بكافة تعبيراتها هي في التحليل الأخير رد فعل على الليبرالية المتوحشة واتساع الهوة الطبقية وغياب المساواة وتلاعب النخب السياسية بمصائر الشعوب.

وفي تونس المتأزّمة تسلّلت الشعبوية من بوّابة أزمة الأحزاب وعقمها وعجزها على التجاوز والتخطيط للمستقبل، فاكتسحت بسرعة الفضاء الانتخابي وتمكّنت من إيصال مرشّحها إلى سدّة رئاسة الجمهورية بفارق عريض عن مرشّحي الأحزاب، ولكن بما أنّ هذه الحركة لا تقدر سوى على بيع الكلام فإنّ مآلها سيكون الاندثار حالما يستعيد التاريخ وعيه وتتمكّن النخب السياسية والإعلامية من مراجعة مردودها وتجاوز أخطائها، ساعتها ستعود “القوس لباريها”، وسيأخذ التاريخ مجراه الطبيعي.

من زاوية المفكر والمؤرخ ما الذي غيرت كورونا فينا وفي رؤانا وتمثلاتنا المختلفة ؟ وما الذي سيتغير بعدها؟

هذا السؤال وحده يصلح أن يكون موضوع ندوة فكرية مستقلّة لو كانت نخبنا مسكونة بالوعي التاريخي لكن…  على كلّ حال أعتقد أنّ العنوان الأبرز لأزمة جائحة كورونا وما بعدها سيكون الدخول في زمن “المراجعات الكبرى”: مراجعة الفكر السياسي والأنماط الاقتصادية والاجتماعية ومراجعة دور المؤسّسة التعليمية ونوعية قادة الرّأي، وتجديد كلّ القراءات سواء كانت فلسفية أو تاريخية أو دينية.. وستكون أدوات تلك المراجعات الكبرى وذلك التجديد الشامل للقراءات ما ستوفّر الثورة التكنولوجية من وسائل تواصل واتصال جديدة ومتطوّرة وفي متناول الجميع، أي سيكون عالم ما بعد كورونا مختلفا جوهريا عن عالم ما قبلها، فهل استعدّ العرب ؟؟؟ وماذا أعدّت النخب العربية لمرحلة ما بعد كورونا؟؟؟.

نُشر بعدد أسبوعيّة “الشارع المغاربي” الصادر يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2020


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING