الشارع المغاربي – برامج إصلاحات صندوق النقد الدولي فشلت في كل العالـم (1) / بقلم: جمال الدين العويديدي

برامج إصلاحات صندوق النقد الدولي فشلت في كل العالـم (1) / بقلم: جمال الدين العويديدي

5 أبريل، 2018

الشارع المغاربي : في مارس 2016 أصدر ثلاثة من أبرز الخبراء التابعين لصندوق النقد الدولي مقالا جماعيا نشر في المجلة الرئيسية  التي يصدرها الصندوق تحت عنوانالمالية و التنميةاعتُبر حينئذ مقالا صادما حيث أكدوا فيهأن السياسة الليبرالية (التي يسوق لها الصندوق بكل قوة منذ أربعة عقود على الأقل) عوض أن تؤدي إلى التنمية الاقتصادية المنشودة أدت في الحقيقة إلى تعميق التفاوت بين الفئات الاجتماعية و أجهضت بذلك كل إمكانية لتحقيق نمو اقتصادي مستديم“. من أكد هذا الكلام ليسوا يساريين و لا نقابيين بل هم كل من جوناثان أوستري كاهية مدير إدارة البحوث بصندوق النقد الدولي وباركاش لونقاني أحد المستشارين لنفس المؤسسة و أستاذ الاقتصاد في مدرسة أوان العليا للتصرف بمدينة ناشفيل بالولايات المتحدة الأمريكية ودافيد فورسري خبير اقتصادي بصندوق النقد الدولي أيضا.

لقد اعتُبر هذا المقال  بمثابة النقد الذاتي للسياسات التي ما فتئ صندوق النقد الدولي يفرضها على مدى أربعة عقود على كل الدول التي مرت بصعوبات اقتصادية وطلبت التدخل المالي من الصندوق الدولي. وتتمحور هذه السياسات كما أصبح معلوما لدى الكثير حول التقشف في الميزانيات العمومية عبر الضغط على الأجور وعلى منح التقاعد والترفيع في نسبة الضرائب والضغط على المصاريف العمومية تزامنا مع تشجيع التوريد وحرية تنقل رؤوس الأموال الخارجية والتخفيض في قيمة العملات المحلية.

لقد بين هذا المقال أن سياسة التقشف أدت في النهاية إلى نتائج سلبية وعكسية في مقدمتها تقلص الطلب الداخلي الذي نفّر المستثمرين فتقلصت نسبة النمو وأدخل البلدان في أزمات اقتصادية واجتماعية حادة مما أدى مباشرة إلى ارتفاع نسبة خدمة الدين وارتفاع في عدد المؤسسات الداخلية التي أفلست وبالتالي ارتفاع حاد في نسبة البطالة. كما تبين أن فرض سياسة تشجيع التوريد أدت إلى اختلال التوازنات المالية الخارجية نتيجة تعميق العجز التجاري. كما أن حرية تنقل رؤوس الأموال التي ربما في البداية يمكن أن توفر سيولة مالية على المدى القصير سرعان ما تجعل تلك البلدان رهينة للاستثمار الخارجي الذي ما ان يقرر الانسحاب لسبب من الأسباب حتى تدخل البلاد المعنية في حالة ركود كبيرة علاوة على إمكانية تعرضها إلى أزمات مالية خانقة وخطيرة. ولنا في عديد البلدان أمثلة حية لهذه الوضعيات مثل إندونيسيا وتايلاند والمجر في أواخر التسعينات وبداية القرن الواحد والعشرين.     

ورغم تدارك إدارة صندوق النقد الدولي بعد مدة وجيزة من صدور هذا النقد الذاتي بالقول أن» هذا المقال لا يغير من طريقة المعالجة الذي يفرضها الصندوق الدولي» منذ أربعة عقود على الأقل. مضيفا على لسان موريس أوبستفلد الخبير الاقتصادي الرئيسي لصندوق النقد الدولي «لا أحد يريد فرض التقشف بدون مبرر وما على البلدان إلا أن تلتزم العيش في حدود إمكاناتها على المدى الطويل. وفي حال مخالفة هذه القاعدة ستتعرض لعدم القدرة على دفع الديون في آجالها. وهذا الوضع سوف تكون له كلفة باهظة على المواطنين وخاصة الطبقة الفقيرة» ومن أنذر فقد أعذر.

كلام في غاية الوضوح يمكن من خلاله التأكيد أن تونس تعيش منذ عدة سنوات فوق إمكاناتها عبر اللجوء إلى المديونية بدون هوادة وبدون تخطيط محكم للخروج من هذه الدوامة الخطيرة خاصة أن هذه القروض تستعمل أساسا لتمويل توريد المواد الاستهلاكية
ولتغطية خدمة الدين.

من هذا المنطلق يبقى السؤال المطروح لماذا هذا الانزلاق ولماذا هذا الهروب نحو مزيد تأزم الوضع؟ وهذا السؤال يطرح بدوره سؤالا أساسيا آن الأوان للإجابة عليه حيث كثيرا ما استمعنا إلى عديد المحللين يرددون بطريقة تبريرية للمؤسسة المالية الدولية بالقول أن السلطة التونسية هي التي توجهت إلى صندوق النقد الدولي وليس العكس. فماهي حقيقة هذا الطرح؟

للجواب على هذا الطرح لابد من التذكير بأن ما يجري اليوم في تونس هو نتيجة مباشرة لما تم الاتفاق عليه في مؤتمر الثمانية الذي انعقد في مدينة دوفيل الفرنسية في شهر ماي من سنة 2011. حيث في خضم الثورات العربية خاصة في تونس ومصر وسعيا لاحتواء هذه الهزات الاجتماعية تم استدعاء رئيس الحكومة التونسية آنذاك السيد الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية الحالي للحضور رسميا لهذا المؤتمر وتم الاتفاق على ان تلتزم  حسب ما صدر في البيان النهائي بلدان الثمانية وهي أساسا الولايات المتحدة الأمريكية والبلدان الأوروبية  رسميا بالعمل على إرجاع كل الأموال المنهوبة والمهربة من تونس وبتقديم تسهيلات مالية لكل من تونس ومصر في حدود 25 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات (-2011 2013) بالمقابل تلتزم الحكومة التونسية في المقابل بعدم تغيير منوال التنمية الذي يعتمد اقتصاد السوق وتحرير التوريد والذي يعني ضمنيا مواصلة تطبيق اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الخاص بتحرير المنتوجات الصناعية بل والاستمرار في تعميقه عبر ما يسمى حاليا باتفاق منطقة التبادل الحر الشامل والمعمق ليشمل كل القطاعات المتبقية الفلاحية والخدماتية وهي محل ضغط مكثف من الطرف الأوروبي للتوقيع عليه قبل موفى سنة 2018. غير أن ما يمكن تأكيده هو أن الطرف التونسي التزم تماما بما تعهد به بينما تنكر الطرف الثاني لكل التزاماته حيث لم يحرك ساكنا لاسترجاع الأموال المنهوبة. ثم تم تكليف صندوق النقد الدولي بمتابعة الملف التونسي حيث تقدم هذا الأخير لحكومة الترويكا في سنة 2013 بعرض استعداده مساعدة تونس للخروج من الأزمة المالية التي بدأت ملامحها تتبين خاصة بعد انفلات ظاهرة التوريد المكثف والفوضوي الذي عرفته البلاد خلال سنتي 2012 و2013 حيث سجل العجز التجاري ارتفاعا كبيرا بنسبة تفوق 26 بالمائة بين 2011 و2013 وفاق  35 بالمائة مقارنة مع سنة 2011

بالرجوع لهذه الوقائع الثابتة بشهادة بعض المسؤولين في حكومة الترويكا يتبين أن صندوق النقد الدولي هو الذي بادر بالتواصل للتعبير عن استعداده «مساعدة» تونس للخروج من الأزمة المالية وليس العكس. غير أن كل الأطراف التونسية التي تدوالت على السلطة مند سنة 2011 إلى اليوم سرعان ما فتحت الباب على مصراعيه لتمكين الصندوق من اتخاذ زمام الأمور في البلاد عبر تدخله الأول في سنة 2013 والثاني بداية من سنة 2016 لتصبح تونس إذا استثنينا اليونان من البلدان القلائل التي تلتجئ مرتين إلى صندوق النقد الدولي في ظرف وجيز.

كيف يمكن تحليل ما يجري اليوم في العلاقة بين الحكومة وتطبيق برنامج صندوق النقد الدولي؟

في الوقت الذي انطلقت فيه الحكومة بالقيام  بحملة إشهارية تسويقية لمحاولة إقناع الرأي العام بأهم محاور ما يسمى بـ«الإصلاحات الكبرى» المتعلقة بالوظيفة العمومية والوضع المالي للصناديق الاجتماعية و المؤسسات العمومية وصندوق الدعم. وهي «إصلاحات» جعل منها صندوق النقد الدولي شرطا أساسيا لتنفيذ وعوده بصرف قرض إجمالي بمبلغ 2,9 مليار دولار تم إقراره في مجلس إدارته في سنة 2016.  في نفس هذا الوقت  تشهد الساحة السياسية الوطنية تجاذبات عديدة نذكر من بينها الجدل المتعلق باقتراح رئيس الجمهورية الأخير بإعادة النظر في القانون الانتخابي وهو اقتراح في الوقع ليس له أية علاقة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي بالبلاد لأن الحكومة تتمتع بأغلبية عالية لتمرير كل سياساتها. وكذلك الشأن في موضوع طلب التمديد بسنة لهيئة الحقيقة والكرامة وكان من الممكن أن يتم التمديد بدون أي ضجيج لأن قانون الهيئة تعرض لإمكانية التمديد بكل وضوح. وكذلك الشأن أيضا في ما نلاحظه من تعفن للوضع الاجتماعي مقابل تقاعس لتقديم الحلول السريعة والضرورية للأزمات الحادة خاصة في قطاعي التعليم والصحة.

هذا التزامن في الواقع ليس من باب الصدفة ولكن يمكن اعتباره مناورة تسعى لتحويل وجهة الرأي العام عما يجري في الكواليس من مواجهة أصبحت مباشرة بين الحكومة ومنظمة الشغل حول موضوع «الإصلاحات الكبرى» وما تحتوي عليه من إجراءات تقشفية  تتعلق برفع الدعم والتقليص من الانتداب بالوظيفة العمومية علاوة على الوضع المالي المختل للصناديق الاجتماعية والتفويت المبطن في المؤسسات العمومية.

المغالطات الكبرى في البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحكومة في أفق 2020

أولا من ناحية الشكل لابد من لفت النظر إلى ما يوجد من تضليل عبر استعمال مصطلحات في غير محلها نذكر من بينها استعمال مصطلح «تغيير منوال التنمية» والحال أن الوثيقة تضيف مباشرة تغيير هذا المنوال في» إطار نمو اندماجي» مما يعني بديهيا الإبقاء على نفس المنوال الذي يعتمد تحرير التجارة وتحرير ولوج رؤوس الأموال الخارجية للتمكّن من المؤسسات العمومية المستهدفة للخصخصة وللتمكّن من برامج  الشراكة العامة والخاصة خاصة في المشاريع الواعدة المتعلقة بالطاقات المتجددة علاوة على استعداد الحكومة للتوقيع على اتفاق منطقة التبادل الحر الشامل والمعمق الذي يضغط الطرف الأوروبي لتنفيذه.

كما نذكر الإفراط في استعمال مصطلح «الإصلاحات الكبرى» وكأن التفريط  في المؤسسات العمومية يعتبر إصلاحا في حين أن الإصلاح الحقيقي يستدعي هيكلة كل المؤسسات العمومية  ودفعها نحو الإنتاج وخلق القيمة المضافة لتسترجع نشاطها وتساعد على خلق مواطن الشغل المستدامة. كما أن موضوع الوظيفة العمومية أصبح محل «إصلاحات كبرى» والحال أن تونس تعاني من نقص في الوظيفة العمومية مقارنة بما يجري في البلدان  المتقدمة مثل فرنسا وألمانيا حيث نسجل 5,7 ملايين موظف عمومي في فرنسا في سنة 2016 أي بنسبة 8,5 بالمائة من عدد السكان الذي ارتفع إلى 67 مليون نسمة في بداية 2018. بينما تعد ألمانيا 4,9 ملايين موظف عمومي أي بنسبة 6,1 من عدد السكان (80 مليون نسمة تقريبا). بينما يوجد في تونس تقريبا 620 ألف موظف عمومي أي بنسبة 5,6 بالمائة من عدد السكان وهي نسبة ضئيلة عكس ما يسوق له تضليلا للرأي العام وقد لاحظنا بمناسبة افتتاح السنة الدراسية الفارطة النقص في سلك التعليم بعديد المدارس والمعاهد بالبلاد كما نلاحظ النقص على مستوى الاطار الطبي بالمستشفيات وغيرها من المرافق العمومية.            

أما على مستوى المحتوى فنلاحظ أن الحكومة مثلها مثل سابقاتها تبنت تقييما للوضع الاقتصادي والاجتماعي مجانبا للصواب تقريبا على مستوى كل محاور بنود ما سمي بالإصلاحات الكبرى. حيث يبدو واضحا أن الحكومة لا تريد الاعتراف بالمشاكل الهيكلية للوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد بقدر ما تبنت حلولا سطحية لا يمكن أن تؤدي إلى حلول حقيقية للأزمة العميقة التي تعاني منها البلاد والتي لها علاقة بخيارات واتفاقيات ملزمة تم توقيعها منذ قرابة الثلاث عقود وتبين أنها أدت بالبلاد إلى الهاوية. لذلك لابد من التأكيد بالقول أن ما جاء في البند الأول من البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحكومة في أفق 2020 الذي تحدث عن «الوضع الاقتصادي الموروث» بالرجوع إلى ما جرى في الستة سنوات التالية للثورة هو مخالف للصواب لأن الأزمة الاقتصادية هي أعمق من ذلك بكثير والدليل أن انفجار الثورة كان تحت تأثير ما جرى من تصحر صناعي في البلاد أدى إلى فقدان أكثر 10 آلاف مؤسسة وطنية نتج عنه فقدان قرابة 400 ألف موطن شغل قار. كما أن البلاد دخلت في عجز تجاري هيكلي ومعمق نتيجة تحرير التجارة بدون استعمال صمامات أمان للتصدي للممارسات المخلة بقواعد المنافسة  علاوة على انتشار الفساد والسطو على الملك العام في عملية تدميرية لكل ما تم إنجازه منذ استقلال البلاد في جميع القطاعات.

لذلك سوف نتعرض إلى كل محاور الإصلاحات الكبرى المزعومة لنبين ما يجري من تضليل متعمد.


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING