الشارع المغاربي – سببها‭ ‬مناولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬لها‭ :‬الجزائر تتخطّى ثالوث الضرورة والمصلحة والاخوّة مع تونس/ بقلم: صالح مصباح

سببها‭ ‬مناولة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬لها‭ :‬الجزائر تتخطّى ثالوث الضرورة والمصلحة والاخوّة مع تونس/ بقلم: صالح مصباح

قسم الأخبار

6 مايو، 2023

الشارع المغاربي: لا‭ ‬يَخلُو‭ ‬إبداءُ‭ ‬الرأي‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬التونسية‭ ‬الجزائرية‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬التّعقيد‭ ‬والحرج،‭ ‬لاسيما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬صاحب‭ ‬الرأي‭ ‬مواطنا‭ ‬تونسيا‭ ‬يتدبّر‭ ‬الحاضر‭ ‬ويتذكّر‭ ‬الماضي‭. ‬ومن‭ ‬دواعي‭ ‬التعقيد‭ ‬والحرج‭ ‬أن‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬مظاهر‭ ‬ثلاثة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬فيها‭ ‬الآراءُ،‭ ‬وهي‭ ‬الضرورة‭ ‬والمصلحة‭ ‬والأخوة‭. ‬ولا‭ ‬جدال‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المظاهر‭ ‬يباركها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأصل‭ ‬كل‭ ‬وطني‭ ‬في‭ ‬البلدين‭.‬لكنّ‭ ‬هذه‭ ‬العلاقةَ‭ ‬صارت‭ ‬اليوم‭ ‬محفوفةً،‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬مّا،‭ ‬باختلال‭ ‬التوازن‭.  ‬

‭/1 ‬علاقة‭ ‬الضرورة

اقتضى‭ ‬هذه‭ ‬الضرورةَ‭ ‬مُثنّى‭ ‬التاريخ‭ ‬والجغرافيا‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬فكاك‭ ‬منه‭. ‬أما‭ ‬التاريخ‭ ‬فمنه‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يحصى‭ ‬مِن‭ ‬مدونات‭ ‬المشتركات‭ ‬المرتدة‭ ‬إلى‭ ‬غابر‭ ‬الأزمنة‭. ‬ولو‭ ‬قصرنا‭ ‬القول‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬القريب‭ ‬لاستذكرنا‭ ‬المستعمرَ‭ ‬الواحد،‭ ‬والنضال‭ ‬المشترك‭ ‬لدحره،‭ ‬واختلاطَ‭ ‬دماء‭ ‬شهداء‭ ‬البلدين،‭ ‬وتحمّلَ‭ ‬توتس،‭  ‬في‭ ‬فجر‭ ‬استقلالها،‭ ‬لأوزار‭ ‬المساندة‭ ‬الكاملة‭ ‬لحركة‭ ‬التحرير‭ ‬الجزائرية‭ ‬ولاحتضان‭ ‬بعض‭ ‬قادتها‭.  ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬التآزر‭ ‬ضرورة‭ ‬حتّمتها‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬وحتّمتها‭ ‬الآفاق‭ ‬القريبة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يرنو‭ ‬إليها‭ ‬البلَدان‭.‬

أما‭ ‬الجغرافيا‭ ‬فمن‭ ‬أظهر‭ ‬عناوينها‭ ‬جوار‭ ‬مباشر‭ ‬بري‭ ‬وبحري‭. ‬يمتد‭ ‬الجوار‭ ‬البري‭ ‬شمالا‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬وجنوبا‭ ‬إلى‭ ‬مثلث‭ ‬الحدود‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬البلدين‭ ‬بليبيا‭. ‬ولهذا‭ ‬الامتداد‭ ‬الحدودي‭ ‬ما‭ ‬يفوق‭ ‬الألف‭ ‬كلم‭. ‬وتمتد‭ ‬الحدود‭ ‬البحرية،‭ ‬وفق‭ ‬الترسيم‭ ‬الرسمي‭ ‬لسنة‭ ‬2013،‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬الألف‭ ‬كلم،‭ ‬من‭ ‬طبرقة‭ ‬إلى‭ ‬الطارف‭.‬

أدرك‭ ‬مؤسسو‭ ‬الجمهوريتَين‭ ‬وساستهما‭ ‬تلك‭ ‬الضرورةَ‭ ‬إدراكا‭ ‬مبكرا‭ ‬متّصلا‭. ‬ظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الحرص‭ ‬المشترك‭ ‬على‭ ‬تسوية‭ ‬الحدود‭ ‬البرية‭ ‬والبحرية‭ ‬بالحوار‭ ‬الهادئ‭ ‬المتزن،‭ ‬وعلى‭ ‬دوام‭ ‬التعاون‭ ‬والتنسيق‭ ‬المتبادلين‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬خلافات‭ ‬ثنائية‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬بلدان‭ ‬الاتحاد‭ ‬المغاربي‭ ‬أقعدت‭ ‬الدور‭ ‬المرسوم‭ ‬لها‭ ‬فإن‭ ‬العلاقة‭ ‬التونسية‭ ‬الجزائرية‭ ‬ظلت‭ ‬علاقة‭ ‬ثنائية‭ ‬متعالية‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الخلافات‭. ‬لا‭ ‬بل‭ ‬اقترحت‭ ‬الجزائر‭ ‬على‭ ‬تونس‭ ‬أيام‭ ‬الرئيسين‭ ‬بورقيبة‭ ‬وبومدين‭ ‬وحدة‭ ‬اندماجية‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬استبعدها‭ ‬بورقيبة‭ ‬استبعادا‭ ‬لَبِقا‭ ‬لم‭ ‬يؤثر‭ ‬قط‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭. ‬ولم‭ ‬يفت‭ ‬الزعيم‭ ‬بورقيبة،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الوهن‭ ‬والشيخوخة‭ ‬لم‭ ‬يفُته‭ ‬أن‭ ‬يُوصيَ‭ ‬الرئيسَ‭ ‬الجزائري‭ ‬بن‭ ‬جديد‭ ‬خيرا‭ ‬بتونس‭ ‬ولا‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬بلدا‭ ‬ثانيا‭ ‬تلقى‭ ‬هذه‭ ‬التوصية‭.‬‭ ‬

2/‬علاقة‭ ‬المصلحة

على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬أدرك‭ ‬المؤسسون‭ ‬في‭ ‬البلدَين‭ ‬المستقلَّين‭ ‬علاقة‭ ‬الضرورة،‭ ‬أدركوا‭ ‬أن‭ ‬علاقةً‭ ‬المصلحةَ‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬متعالية‭ ‬على‭ ‬الاختلافات‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬اختارت‭ ‬مبكرا‭ ‬الفلك‭ ‬الغربي‭ ‬الذي‭ ‬رسمَت‭ ‬وِفقه‭ ‬سياستَها‭ ‬الخارجية‭ ‬والمجتمعية‭. ‬وكان‭ ‬رَسْما‭ ‬فَطِنا،‭ ‬لأن‭ ‬الزعيم‭ ‬لم‭ ‬يولّ‭ ‬الظهر،‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬لبلدان‭”‬الكتلة‭ ‬الشرقية‭” ‬وقتئذ،‭ ‬ولكيان‭”‬دول‭ ‬عدم‭ ‬الإنحياز‭”. ‬لكن‭ ‬الجزائر‭ ‬المستقلة‭ ‬اختارت‭ ‬الفلك‭ ‬الشرقي‭ ‬بقيادة‭ ‬الإتحاد‭ ‬السوفياتي‭ ‬وقتئذ‭. ‬ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬حربا‭ ‬باردة‭ ‬امتدت‭ ‬عقودا‭ ‬بين‭ ‬الكتلتين‭ . ‬وكان‭ ‬لاتّجاه‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬والجزائر‭ ‬إلى‭ ‬ذينك‭ ‬الكتلتين‭ ‬المتباينتين‭ ‬أن‭ ‬يُمليَ‭ ‬على‭ ‬البلدين‭ ‬سياستين‭ ‬خارجيتين‭ ‬ومجتمعيتَين‭ ‬غير‭ ‬متجانستين‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬سائرتين‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬واحد‭ .‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الاختلافات‭ ‬التي‭ ‬ليست‭ ‬هينة‭ ‬لم‭ ‬تضع‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الشك‭ ‬أو‭ ‬التردد‭ ‬علاقة‭ ‬المصلحة‭ ‬بين‭ ‬البلدين؛‭ ‬تلك‭ ‬المصلحة‭ ‬التي‭ ‬تقدمت‭ ‬حساباتها‭ ‬على‭ ‬حسابات‭ ‬التباين،‭ ‬وحَفّ‭ ‬بها‭ ‬احترام‭ ‬وتفهّم‭ ‬متبادلان،‭ ‬خاليان‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ألوان‭ ‬التدخل‭ ‬المتخطي‭ ‬لضابط‭ ‬السيادة‭. ‬ففي‭ ‬عشرية‭ ‬الدماء‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬الجزائر،‭ ‬لم‭ ‬تجوّز‭ ‬تونس‭ ‬لنفسها،‭ ‬رغم‭ ‬حساسية‭ ‬المرحلة‭ ‬أمنيا،‭ ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الجزائري‭ ‬تدخلا‭ ‬يتعدى‭ ‬أمارات‭ ‬السيادة،‭ ‬أو‭ ‬يشكك‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬الجزائرية‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المحنة‭ ‬بخاصة‭ ‬قدراتها‭.‬

لقد‭ ‬وَقَرَ‭ ‬مبكرا‭ ‬لدى‭ ‬قادة‭ ‬البلدين‭ ‬وعي‭ ‬أصيل‭ ‬عميق‭ ‬بعلاقة‭ ‬المصلحة‭ ‬المشتركة‭. ‬وقد‭ ‬شمل‭ ‬هذا‭ ‬الوعيُ‭ ‬أهمَّ‭ ‬هاجس‭ ‬وهو‭ ‬الهاجس‭ ‬الأمني‭. ‬فقد‭ ‬استقرّ‭ ‬أنّ‭ ‬في‭ ‬سلامة‭ ‬أحد‭ ‬البلدين‭ ‬الترابية‭ ‬سلامةَ‭ ‬الآخر‭.‬

وإنّ‭ ‬مِن‭ ‬دواعي‭ ‬علاقة‭ ‬المصلحة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬تمايزها‭ ‬عن‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬علاقات‭ ‬البلدين‭ ‬الثنائية‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬ببلدان‭ ‬الجوار‭. ‬فالجزائر‭ ‬تُعايش‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬توترا‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬جوارها‭ ‬المغربي‭. ‬وتونس‭ ‬عايشت،‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬عديدة،‭ ‬توترا‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬جوارها‭ ‬الليبي‭. ‬لكن‭ ‬تَوَثُّقَ‭ ‬المصلحة‭ ‬بين‭ ‬تونس‭ ‬والجزائر‭ ‬رسّخ‭ ‬ألا‭ ‬يُعايِش‭ ‬أحدُ‭ ‬البلدين‭ ‬توترا‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الآخر‭. ‬

ومن‭ ‬مفاصل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬القريب‭ “‬بيان‭ ‬جربة‭” ‬سنة‭ ‬1974‭ ‬الذي‭ ‬أشهر‭ ‬وحدةً‭ ‬بين‭ ‬تونس‭ ‬وليبيا‭ ‬لم‭ ‬تدم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬وعشرين‭ ‬ساعة‭.‬و‭ ‬قد‭ ‬كان‭ ‬للجزائر‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬وَأدِ‭ ‬ذلك‭ ‬المولود‭ ‬المرتجل‭ ‬عاضد‭ ‬العوامل‭ ‬الداخلية‭ ‬التونسية‭. ‬وتولّت‭ ‬الجزائر‭ ‬ذلك‭ ‬الدور‭ ‬تولّيا‭ ‬ودّيا‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تُمليه‭ ‬مصلحة‭ ‬الجوار‭ ‬المباشر‭ ‬من‭ ‬حسابات‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية‭ ‬قابلها‭ ‬الطرفُ‭ ‬التونسي‭ ‬بالتّفهّم‭.‬

3/‬علاقة‭ ‬الأخوة

لعلاقة‭ ‬الأخوة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬وجهان‭ ‬متلائمان؛‭ ‬وجه‭ ‬شعبي‭ ‬ووجه‭ ‬رسمي‭. ‬أما‭ ‬الوجه‭ ‬الشعبي‭ ‬فمنه‭ ‬خاصة‭ ‬التاريخ‭ ‬المشترك‭ ‬والجوار‭ ‬المباشر‭ ‬والمزاج‭ ‬العام‭ ‬المتشابه‭. ‬وقد‭ ‬رسَّخت‭ ‬هذه‭ ‬العواملُ‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬والذاكرة‭ ‬الجمعيين‭ ‬لدى‭ ‬الشعبين‭ ‬مشاعرَ‭ ‬أخوة‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يترجمها‭ ‬الشعبان‭ ‬ترجمة‭ ‬عفوية‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬المناسبات‭ ‬والمجالات،‭ ‬لَفَتَت‭ ‬أنظار‭ ‬الشعوب‭ ‬الأخرى‭.‬

أما‭ ‬الوجه‭ ‬الرسمي‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأخوة‭ ‬فترجمانه‭ ‬العلاقات‭ ‬والمعاهدات‭. ‬مِمّا‭ ‬تَتَرجمه‭ ‬العلاقاتُ‭ ‬أن‭ ‬حُكامَ‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬البلدَين‭ ‬المُداوِلِين‭ ‬للحكم‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يفتتحون‭ ‬زيارتهم‭ ‬الخارجية‭ ‬إلى‭ ‬البلد‭ ‬الآخر‭. ‬وإن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التعهد‭ ‬لعلاقة‭ ‬الأخوة‭ ‬واتصالها‭ ‬وتوسعة‭ ‬مجالاتها‭. ‬ومِمّا‭ ‬تترجمه‭ ‬المعاهداتُ‭ ‬معاهدةُ‭ ‬الأخوة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬المُصدَّق‭ ‬عليها‭ ‬رسميا‭ ‬سنة‭ ‬1983‭. ‬ولعل‭ ‬تلك‭ ‬المعاهدة‭ ‬لم‭ ‬تضف‭ ‬شأنا‭ ‬يذكر‭ ‬إلى‭ ‬الأخوة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬إضافة‭ ‬تتعدى‭ ‬اكسابَها‭ ‬الطابع‭ ‬الرسمي‭ ‬المؤسّسي‭.‬

بعد‭ ‬سنة‭ ‬2011،‭ ‬شهدت‭ ‬تونس‭ ‬كما‭ ‬نعلم‭ ‬اهتزازات‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية‭ ‬عديدة‭. ‬وشهدت‭ ‬الجزائر‭ ‬قدرا‭ ‬منها‭ ‬أقل‭. ‬ولئن‭ ‬أحدثت‭ ‬رئاسة‭ ‬المرزوقي‭ ‬لتونس‭ ‬بعض‭ ‬الخدش‭ ‬في‭ ‬صفحة‭ ‬تلك‭ ‬الأخوة،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تعدّل‭ ‬سلطةُ‭ ‬الإخوان‭ ‬البوصلةَ‭ ‬،‭  ‬على‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تلك‭ ‬الأخُوّة‭ ‬صمدت،‭ ‬لأنها‭ ‬رسميا‭ ‬بين‭ ‬الدولتين‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الحكام‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك‭. ‬وقد‭ ‬تَمَثّلَ‭  ‬الرسوخُ‭ ‬أيام‭ ‬قائد‭ ‬السبسي‭ ‬وزيرا‭ ‬أول‭ ‬أو‭ ‬بعدها،‭ ‬في‭ ‬العون‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تقدمه‭ ‬الجزائر‭ ‬لتونس‭ ‬المتداعية‭ ‬بفعل‭ ‬عشرية‭ ‬النهب‭ ‬والعبث‭ ‬الإخوانيين‭.‬

ومثلما‭ ‬فهم‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬التونسية،‭ ‬بورقيبة‭ ‬وبن‭ ‬علي‭ ‬وقائد‭ ‬السبسي‭ ‬علاقة‭ ‬الأخوة‭ ‬فهمها‭ ‬الغنوشي‭ ‬على‭ ‬نهجه‭ ‬الإخواني‭ ‬الإنتهازي‭ ‬فبكّر‭ ‬إثر‭ ‬فوز‭ ‬تنظيمه‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬2011‭ ‬التأسيسية‭ ‬بزيارة‭ ‬الجزائر‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أمضى‭ ‬فيها‭ ‬سنتَي‭ ‬1990‭ ‬و1991‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬باع‭ ‬إخوانه‭  ‬للرئيس‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬مقابل‭ ‬أن‭ ‬يمكّنه‭ ‬من‭ ‬مغادرة‭ ‬تونس‭.‬

4/‬حدود‭ ‬العلاقة

بعد‭ ‬جويلية2021،‭ ‬وضع‭ ‬سعيد‭ ‬مقاليد‭ ‬كل‭ ‬السلط‭ ‬بين‭ ‬يديه،‭ ‬وصيّر‭ ‬تونس‭ ‬متاعا‭ ‬له‭ ‬خاصا‭ ‬يصوغه‭ ‬على‭ ‬مقاس‭ ‬مزاجه‭ ‬السياسي‭ ‬والثقافي‭ ‬المشتق‭ ‬من‭ ‬مما‭ ‬لا‭ ‬يعلمه‭ ‬أحد‭ ‬سواه‭. ‬وأرفق‭ ‬استحواذه‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬والدولة‭ ‬بخطاب‭ ‬منفلت‭ ‬اللسان‭ ‬عَثُور،‭ ‬ناهل‭ ‬من‭ ‬هوامش‭ ‬الماضي‭ ‬غير‭ ‬التاريخي،‭ ‬منقطع‭ ‬عن‭ ‬ثوابت‭ ‬الدولة‭ ‬التونسية‭ ‬وعن‭ ‬مقتضيات‭ ‬زمانها‭ ‬الراهن‭.‬

لقد‭ ‬صنع‭ ‬سعيد‭ ‬عزلته‭ ‬بنفسه‭. ‬وهي‭ ‬عزلة‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭. ‬تدارك‭ ‬على‭ ‬العزلة‭ ‬الداخلية‭ ‬بالأجهزة‭ ‬الصلبة‭ ‬في‭ ‬الدولة‭. ‬وتدارك‭ ‬على‭ ‬العزلة‭ ‬الخارجية‭ ‬بأن‭ ‬وضع‭ ‬كل‭ ‬بيضه‭ ‬في‭ ‬سلة‭ ‬الجزائر‭. ‬وقد‭ ‬ازداد‭ ‬انحيازا‭ ‬لها‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬التبعية‭ ‬لأنها‭ ‬شدت‭ ‬أزر‭ ‬حكمه‭ ‬بالعون‭ ‬المالي‭ ‬إقراضا‭ ‬ميسّرا‭ ‬ووَهبا‭.‬

على‭ ‬خلاف‭ ‬تونس‭ ‬العاثرة‭ ‬ماليا،‭ ‬استفادت‭ ‬الجزائر‭ ‬من‭ ‬غلاء‭ ‬الطاقة‭ ‬إثر‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭. ‬وتعمق‭ ‬لدى‭ ‬السلطة‭ ‬الجزائرية‭ ‬الوعي‭ ‬بأهمية‭ ‬دولتها‭ ‬الطاقية،‭ ‬وقد‭ ‬أضحت‭ ‬قبلة‭ ‬المتودّدين‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬كبريات‭ ‬العواصم‭ ‬،‭ ‬مثلما‭ ‬أضحت‭ ‬رقما‭ ‬مٌهِمّا‭ ‬في‭ ‬جدول‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬الفلك‭ ‬الروسي‭ ‬الصيني‭ ‬النّازع‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭  ‬الإستقواء‭ ‬التّدريجي‭.‬

بفضل‭ ‬ذلك‭ ‬زادت‭ ‬الجزائر‭ ‬من‭ ‬قدراتها‭ ‬التسليحية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬يسودها‭ ‬عالميا‭ ‬التحفز‭ ‬العسكري‭. ‬وصارت‭ ‬تطمح‭ ‬مَزهوًّةً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تضطلع‭ ‬بدور‭ ‬القوة‭ ‬الإقليمية‭ ‬المؤثرة‭. ‬وهذا‭ ‬الطموح‭ ‬مشروع‭ ‬ويباركه‭ ‬كل‭ ‬وطني‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬وفي‭ ‬تونس‭.‬

لكن‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يبعث‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬وطني‭ ‬تونسي،‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الإستياء‭ ‬أن‭ ‬الجزائر‭ ‬قد‭ ‬استهلت‭ ‬سياسة‭ ‬توسعها‭ ‬الإقليمي‭ ‬بتونس‭ ‬المنهارة‭. ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يترتب‭ ‬عن‭  ‬توطّد‭ ‬العلاقة‭ ‬الشخصية‭ ‬بين‭ ‬سعيد‭ ‬وتبون‭ ‬تعاونٌ‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬مستزادٌ‭ ‬وإنما‭ ‬علاقة‭ ‬ثنائية‭ ‬غير‭ ‬متوازنة،‭ ‬أطل‭ ‬منها‭ ‬التدخل‭ ‬الجزائري‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الداخلي‭ ‬التونسي‭.‬

من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬سياسة‭ ‬تونس‭ ‬الخارجية‭ ‬لا‭ ‬تتأثّر‭ ‬اليوم‭ ‬خطى‭ ‬تقاليدها‭ ‬المتصلة‭ ‬عقودا‭ ‬والتي‭ ‬لها‭ ‬فيها‭ ‬مصالح‭ ‬رغم‭ ‬بعض‭ ‬المآخذ‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تفارق‭ ‬المصالح،‭ ‬وإنما‭ ‬صارت‭ ‬تنقاد‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تتجه‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الجزائرية‭ ‬اتجاها‭ ‬يصاحبه‭ ‬تعثّر‭ ‬كلما‭ ‬اقتضت‭ ‬الضرورة‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬سياسة‭ ‬تونس‭ ‬الخارجية‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬سيرها‭ ‬التقليدي‭. ‬وهو‭ ‬تعثّرُ‭ ‬مَن‭ ‬يسعى‭ ‬عن‭ ‬غير‭ ‬دراية‭ ‬إلى‭ ‬خسران‭ ‬لِحيَتَيه‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬صارت،‭ ‬كما‭ ‬يرُوج،‭ ‬ورقة‭ ‬سياسية‭ ‬تستعملها‭ ‬الجزائر‭ ‬في‭ ‬حساباتها‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية‭. ‬وسواء‭ ‬صحّ‭ ‬هذا‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يصحَّ،‭ ‬فإنّ‭ ‬له‭ ‬بعضَ‭ ‬الدّخان‭. ‬فقد‭ ‬ذكر‭ ‬موقع‭ “‬مغرب‭  ‬أنتلّجنس‭”‬أنّ‭ ‬الجزائر‭ ‬باعت‭ ‬رأس‭ ‬الغنوشي‭ ‬لِتُرضي‭ ‬باعتقاله‭ ‬السعودية،‭ ‬فتزيلَ‭ ‬السابقَ‭ ‬من‭ ‬عوائق‭ ‬التعالق‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭. ‬ويُضمِر‭ ‬هذا‭ ‬الرأيُ‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬نجزم‭ ‬بصحتّه‭ ‬أن‭ ‬مأتى‭ ‬الحماية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يحظى‭ ‬بها‭ ‬الغنوشي،‭ ‬والتي‭ ‬حيرت‭ ‬التونسيين‭ ‬لعلمهم‭ ‬بما‭ ‬فعل،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬إرادة‭ ‬الجزائر‭ ‬ومن‭ ‬طاعة‭ ‬سعيد‭ ‬لها‭. ‬وإنّ‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬المُضمَر‭ ‬في‭  ‬الموقع‭ ‬المغربي‭ ‬المذكور‭ ‬قد‭ ‬نشرته‭ ‬مؤخرا‭ ‬جريدة‭ “‬لوموند‭” ‬الفرنسية‭ ‬بالتنصيص‭ ‬الصريح‭ ‬على‭ ‬أن‭ “‬الجزائر‭ ‬تحمي‭ ‬الغنوشي‭”. ‬والسؤال‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الإحتمال‭ ‬هو‭ ‬لماذا‭ ‬حمت‭ ‬الجزائر‭ ‬الغنوشي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكف‭ ‬عن‭ ‬ذلك؟‭.‬

إن‭ ‬لذلك‭ ‬سببَين‭. ‬السبب‭ ‬الأول‭ ‬ذاتي‭. ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬الغنوشي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أقام‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬سنتين،‭ ‬كانتا‭ ‬صاخبتين‭ ‬هناك،‭ ‬لكنه‭ ‬التزم‭ ‬الصمت‭ ‬التام‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يجري‭ ‬موصول‭ ‬بمهجته‭ ‬الإخوانية‭. ‬وقد‭ ‬أعجَبَ‭ ‬الجزائريين‭ ‬صمتُه‭ ‬ونَومَتُه‭ ‬في‭ ‬الخندق‭ ‬المشهور‭ ‬بها‭ ‬كلّما‭ ‬ضاق‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭. ‬والسبب‭ ‬الثاني‭ ‬سياسي،‭ ‬وبيانه‭ ‬أن‭ ‬السلطة‭ ‬الجزائرية‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬فيها‭. ‬وتصريف‭ ‬ذلك‭ ‬لو‭ ‬صحّ،‭ ‬هو‭ ‬حكم‭ ‬مدني‭ ‬مسنود‭ ‬بالعسكر،‭ ‬ومدنيتُه‭ ‬الظاهرة‭ ‬هي‭ ‬خلطة‭ ‬تمثل‭”‬المحافظةُ‭” ‬أحدَ‭ ‬مكوناتها‭.‬و‭ ‬يمثّل‭ ‬هذه‭ ‬المحافظةَ‭ ‬ما‭ ‬يسمّيه‭ ‬الجزائريون‭”‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬المعتدل‭”. ‬ولعل‭ ‬السلطة‭ ‬الجزائرية‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬إخوان‭ ‬النهضة‭ ‬إسلاما‭ ‬سياسيا‭ “‬معتدلا‭” ‬على‭ ‬شاكلة‭ “‬مجتمع‭ ‬السلم‭” ‬المباركَ‭ ‬هناك‭ ‬رسميا،‭ ‬والذي‭ ‬ندّد‭ ‬رأسُه‭ “‬المقري‭” ‬باعتقال‭ ‬الغنوشي‭. ‬وعلى‭ ‬إدراكنا‭ ‬أن‭ ‬مؤسستنا‭ ‬العسكرية‭ ‬مؤسسة‭ ‬دولة‭ ‬لا‭ ‬مؤسسة‭ ‬حكم‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬فإن‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الرائج‭ ‬والمتوقع‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬وجاهة‭. ‬فاعتبار‭ ‬الجزائر‭ ‬الغنوشي‭ ‬ممثلا‭ “‬للإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬المعتدل‭”‬،‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬آلةً‭ ‬تقيس‭”‬اعتداله‭”‬،‭ ‬إنما‭ ‬تروِّجُه‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬النخبُ‭ ‬ترويجا‭ ‬يبدو‭ ‬باسم‭ ‬السلطة‭ ‬،‭ ‬لأن‭ ‬مروِّجيه‭ ‬مِن‭ ‬المقربين‭ ‬منها‭. ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬توابع‭ ‬العلاقة‭ ‬الجزائرية‭ ‬التركية‭ ‬التي‭ ‬تمتّنت‭ ‬وتنوعت‭ ‬مجالاتها‭. ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬تجاهل‭”‬الأخوّة‭” ‬التي‭ ‬بين‭ ‬الغنوشي‭ ‬وأردوغان‭. ‬ولهذا‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬سؤال‭ ‬محدد‭ ‬وهو‭ ‬هل‭ ‬ذاك‭ “‬البيعُ‭”‬،‭ ‬لو‭ ‬صحّ،‭ ‬ظرفي‭ ‬أم‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيه؟‭ ‬قد‭ ‬ينكشف‭ ‬الجواب‭ ‬بالقضايا‭ ‬التي‭ ‬يُعتَقل‭ ‬فيها‭ ‬اليوم‭ ‬الغنوشي‭ . ‬فإذا‭ ‬اقتصرت‭ ‬على‭ ‬تصريحه‭ ‬الأخير‭” ‬الملوّح‭ ‬بـ‭”‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ” ‬فلعلّ‭ “‬البيع‭” ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬فعليا‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬حرّكت‭ ‬السلطة‭ ‬التونسية،‭ ‬بواسطة‭ ‬النيابة،‭ ‬القضايا‭ ‬الثقيلة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بشبهات‭ “‬التسفير‭” ‬والإرهاب‭ ‬والنهب‭ ‬وتبييض‭ ‬الأموال‭ ‬و‭”‬تخريب‭ ‬الدولة‭”‬،‭ ‬واغلَقَت‭ ‬الأوكار‭ ‬والكيانات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬الخ‭… ‬فإنّ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تَدارُكا‭ ‬رسميا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فات‭ ‬مِن‭ ‬زَمَنٍ،‭ ‬وما‭ ‬أُهمِل‭ ‬من‭ ‬ملفات،‭ ‬بإنجاز‭ ‬المحاسبة‭ ‬القانونية‭ ‬الفعلية‭ ‬التي‭ ‬طال‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬التونسي‭ ‬انتظارُها‭.‬

‭   ‬إن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬للجزائر‭ ‬قولا‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬والإجتماعية‭ ‬بتونس‭. ‬فقد‭ ‬أضحى‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬سعيد‭ ‬والمنظمة‭ ‬الشغلية‭ ‬يُحَلّ‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭. ‬وأضحى‭ ‬الرئيس‭ ‬الجزائري‭ ‬تبون‭ ‬لسان‭ ‬حال‭ ‬تونس،‭ ‬الرافض‭ ‬لـ‭”‬المؤامرات‭ ‬التي‭ ‬تُحاك‭ ‬ضدها‭”‬،‭ ‬حتى‭ ‬يخيّل‭ ‬أن‭ ‬بتونس‭ ‬خرسا‭ ‬أو‭ ‬كأن‭ ‬تلك‭ ‬المؤامرات‭ ‬لا‭ ‬يعلمها‭ ‬عامةُ‭ ‬التونسيين‭. ‬وإن‭ ‬الخطاب‭ ‬الرئاسي‭ ‬الجزائري‭ ‬ينفي‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬نفيا‭ ‬مُتَعاوَدا‭ ‬قد‭ ‬يَرجُحُ‭ ‬به‭ ‬الإثباتُ‭ . ‬ثم‭ ‬إنّ‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬صار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬يردّ‭ ‬على‭ ‬معارضي‭ ‬سعيد‭ ‬الذين‭ ‬يدورون‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬الغنوشي‭ ‬على‭ ‬قَدرِ‭ ‬أقوالهم‭ ‬تماما‭. ‬فكأنّ‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الرئاستَين‭ ‬والدّولتَين‭ ‬قد‭ ‬انتَسخَت‭. ‬وقد‭ ‬توحي‭ ‬هذه‭ ‬الردود‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬ميلنا‭ ‬إلى‭ ‬حسن‭ ‬الطوايا،‭ ‬بأن‭ ‬للجزائر‭ ‬ورئيسها‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الوصاية‭ ‬على‭ ‬تونس‭ ‬ورئيسها‭ ‬الذي‭ ‬أضحى‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬أين‭ ‬يولّي‭ ‬الوجهَ،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يتلفظ‭ “‬بالقلائد‭”‬عن‭”‬السيادة‭ ‬الوطنية‭” ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬لها‭ ‬أثرا‭ ‬فعليا،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬ينعقد‭ ‬عليها‭ ‬يوما‭ ‬خِنصرٌ‭ ‬رسمي‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬التيار‭ ‬الدستوري‭.‬

‭  ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬دولة‭ ‬الجزائر‭ ‬أختٌ‭ ‬لدولةِ‭ ‬تونسَ‭ ‬شقيقةٌ‭. ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تمارس‭ ‬وصاية‭ ‬الأخت‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬الصغرى‭. ‬فمعاهدة‭ ‬الأخوّة‭ ‬الرائدة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬لا‭ ‬تنصّ‭ ‬على‭  “‬الكُبُورَةِ‭” ‬امتيازا‭ ‬للجزائر‭. ‬ومقاييس‭ ‬الكِبَر‭ ‬والصِّغَر‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬ليست‭ ‬وجوبا‭ ‬المساحةَ‭ ‬والتعداد‭ ‬السكانيّ‭.‬وأمثلة‭ ‬إثبات‭ ‬لهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬شهيرة‭ ‬عديدة‭. ‬وتاريخ‭ ‬البلدَين‭  ‬يُؤكّدُها‭.‬

*نشر بأسبوعية “الشارع المغاربي “الصادرة بتاريخ الثلاثاء 2 ماي 2023


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING