الشارع المغاربي – على هامش التتويج بالأميرة الافريقية: عندما يُوقد رذاذ الظلم نار الوحدة التونسية

على هامش التتويج بالأميرة الافريقية: عندما يُوقد رذاذ الظلم نار الوحدة التونسية

قسم الرياضة

13 نوفمبر، 2018

الشارع المغاربي: العربي الوسلاتي : أنجز حرّ ما وعد… وحقّق الترجي الرياضي لقب كأس رابطة الأبطال الافريقية على حساب العملاق المصري فريق الأهلي بعد الفوز في مباراة العودة بثلاثية تاريخية منحت ممثّل كرة القدم التونسية شرف زعامة الكرة الافريقية بعد احتجاب سنوات لم تعرف فيها الأندية التونسية طريق البوديوم.

الترجي التونسي ثأر لنفسه من مظلمة برج العرب ومن هزيمة الذهاب غير المستحقة وغير العادلة وما حصل يومها من اعتداء صارخ على قانون اللعبة وعلى نواميس الروح الرياضية بعد انحياز مفضوح من الحكم الجزائري مهدي عبيد الشارف الذي حاول الاجهاز على حلم الترجيين في معانقة اللقب القاري من خلال منح الفريق المصري أسبقية زائفة من حسن حظّنا أن تبعاتها كانت عكسية فحوّلت الفريق المنكسر الى بطل والظالم إلى ضحيّة.

ربّ ضارة…

الحديث الذي سبق مباراة العودة بين الغريمين يوم التاسع من نوفمبر “المجيد” كان كلّه يصّب في أفضلية الأهلي المصري واقترابه منطقيا من التتويج بلقبه الافريقي التاسع وكان هناك شبه اجماع تقريبا على استحالة انتفاضة الترجيين بحكم تأخّرهم في نتيجة مباراة الذهاب وكذلك بسبب الغيابات المؤثّرة التي تشهدها تشكيلة المارد الأحمر على غرار فرانك كوم وشمس الدين الذوادي وأيضا هيثم الجويني الذي لم يتخلّص من مخلّفات الاصابة التي عانى منها قبل “الفينال” والتاريخ لم  يعرف في سطوره السابقة فوزا ترجيّا بفارق أكثر من هدف وهو ما جعل البعض يذهب للتأكيد على أنّ مهمّة الترجي في رادس أشبه بالابحار بقارب مثقوب… لكن إرادة الترجيين وعزيمة المحاربين قلبت كلّ الموازين وتحوّل الحلم الى حقيقة استحوذت على كلّ العناوين… الترجي بطل افريقيا وزعيمها الجديد وانتصار بثلاثية نظيفة على أهلي لم يقو على مسايرة النسق الجنوني الذي فرضه زملاء الكابتن خليل شمام فكان التتويج المستحق بشهادة المصريين قبل التونسيين وحتى الصحافة العالمية نوّهت بمردود شيخ الأندية التونسية وبأحقيّته في التتويج بالكأس الافريقية على حساب فريق أنهكته فرضيات الفوز وحسابات الأسبقية.

الترجي الرياضي التونسي استحق فوزه وكان أفضل من منافسه على كلّ المستويات لكن النجاح أحيانا قد يكون وليد بعض الحظّ وكثير من الضمانات والترجي كان محظوظا لأنّ مظلمة مباراة الذهاب بملعب برج العرب التي حاك فصولها الحكم الجزائري خدمت الترجي وحوّلت سلبياته الى نقاط قوّة ضاربة. فالاهانة التي لحقت بممثّل كرة القدم التونسية في مصر جعلته يدخل مباراة رادس وكأنّها ساحة حرب وحتى الهبّة الجماهيرية كانت دافعا معنويا كبيرا لتحقيق “ريمونتادا” تاريخية كما أنّ إقصاء فرانك كوم والذوادي منح الفرصة لبروز نجمي عرس النهائي ونعني سعد بقير صاحب الثنائية الذهبية ومحمد علي اليعقوبي أفضل لاعب في تلك المباراة ولولا صفّارة الشارف الظالمة لما سنحت الفرصة لهذا الثنائي للظهور والتألّق في أهمّ مباراة بتاريخ الترجي… مباراة مائة سنة من المجد والتألّق والتتويجات فكانت ربّ ضارة نافعة.

التونسي لا يهان…

بعيدا عن فرحة التتويج وحسابات “البوديوم” وتسيّد الترجي الخارطة الرياضية الافريقية وبعيدا عن عناوين الميدان وما دوّنت الأقدام في ذلك الزمان والمكان لن تنسى الذاكرة التونسية ما علق بالأذهان من تلك الهبّة الجماهيرية التونسية بمختلف الألوان لنصرة الترجي في أهمّ رهان… لم يسبق تقريبا أن توحّدت الجماهير التونسية خلف فريق واحد ولم يشهد تاريخ الكرة في تونس مثل هذا الالتفاف الكبير وراء فريق بعينه خاصة أنّ المشهد الرياضي في تونس كان يعيش حالة توتّر وشدّ وجزر بسبب التنافس الشديد والعداء الرياضي بين فرق المقدّمة غير أنّ نهائي الكأس الافريقية هذه المرّة غيّر كلّ المفاهيم البالية وقدّم لنا صورة جديدة تعكس لحمة ومتانة هذا الجسم الرياضي البريء النقّي والخالي من شوائب الكره والنعرات الجهوية… الأمر لا يتعلّق في باطنه بحبّ الترجي وبتشجيعه مثلما يلوح في الظاهر ولكن الحقيقة أعمق وأشمل من ذلك بكثير…

الترجي كان يمثّل الكرة التونسية في أهمّ مسابقة افريقية لكنها ليست المرّة الأولى التي يصل فيها الترجي الى نهائي بهذا الحجم فقد خاض في السابق عديد النهائيات كما سبقته الى ذلك بعض الفرق الأخرى. مع ذلك لم نشهد هذه الهبّة وهذا الاصطفاف خلف زعيم الكرة التونسية والحقيقة التي لم تعد تخفى على أحد هي أنّ الظلم الذي تعرّض له الترجي في مصر لم ينل من العائلة الترجيّة فقط  بل طال أذاه كلّ الفرق التونسية وحالة الاحتقان الجماهيري التي لمسناها في تونس بعد أحداث ملعب برج العرب لها ما يبرّرها… الجمهور التونسي بمختلف انتماءاته شعر بالإهانة والمذلّة والظلم بسبب الاعتداء المادي والمعنوي على الترجي وهذا الشعور ولّد مواقف جديدة لم نعرفها من قبل فكانت انتفاضة حقيقية في وجه الظلم والنتيجة كانت وحدة وطنية في وجه “العدوان الرياضي”. ما شاهدنا وما عشنا على امتداد الأسبوع الفارط كشف للعيان أنّ الشعب التونسي لا ينكسر ولا يهان مهما تباينت الانتماءات ومهما اختلفت الألوان…

تأسّفنا جميعا لما حصل للترجي في ملعب برج العرب لكن ما تعرّض له الفريق في مصر من ظلم أيقظ فينا نداء الواجب ووحدة الوطن وكشف أنّ التونسيين كانوا ولازالوا صفّا واحدا مهما حاول البعض تفرقتهم وتجزئتهم الى فرق وشيع…

ميلاد مدرّب كبير…

المكاسب من فوز الترجي باللقب الافريقي الغالي لا تحصى ولا تعدّ… وإضافة الى الاشادة الدولية بالنجاح الباهر الذي تحقّق في عرس النهائي فإنّ كرة القدم التونسية شهدت ميلاد كفاءة جديدة في عالم التدريب والحديث هنا يخصّ قائد الكتيبة الترجية معين الشعباني الذي نجح في كسب الرهان وفاز بأهمّ لقب في مسيرته الرياضية الى حدّ الآن… معين الشعباني هو ابن الترجي وهو صاحب شخصية قويّة منذ كان لاعبا وهو كذلك يملك مواصفات القائد والكاريزما التي تؤهله لكي يكون عنوان الامتياز والتألّق في فريق كان يبحث منذ فترة طويلة عن مدرّب بمواصفات خاصة يبدو أنها اجتمعت كلّها في اسم الشعباني.

صانع ملحمة التتويج الافريقي بات أهمّ الأسماء في تاريخ الكرة التونسية بما أنّه المدرّب التونسي الثالث الذي يفوز بهذا اللقب غير أن امتياز الرجل عن غيره من المدرّبين هو أنه في بداية المشوار والطريق لازالت طويلة أمامه ليواصل معانقة المجد خاصة أنه يملك كلّ الآليات لتحقيق الانتصارات والنجاحات فمن يولد كبيرا يبقى كبيرا مهما تتالت الهزّات.


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING