الشارع المغاربي – في مصيبة الخلط بين "الدولة" والنظام والمنظومة/ بقلم : نادر الحمّامي

في مصيبة الخلط بين “الدولة” والنظام والمنظومة/ بقلم : نادر الحمّامي

قسم الأخبار

28 يناير، 2022

الشارع المغاربي: تمّ مؤخّرا بتونس وخارجها التداول إعلاميّا في مفهوم “انهيار الدولة”، وكان ذلك على خلفيّة التقرير الصادر مؤخّرا عن المنتدى الاقتصادي العالمي. وما يمكن ملاحظته أنّ ذلك التداول كان سريعًا جدّا ويحمل، إن شئنا، نوعا من الانفعالات والخوف دون مرور إلى توضيح ذلك المفهوم، إذ هو ليس مجرّد عبارة إنشائيّة استعاريّة وإنما هو مفهوم ينتمي إلى مجال العلوم السياسيّة والاقتصاديّة، ويشير في ذلك المجال إلى ما يتهدّد دولة خلال مدّة معيّنة. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الاطّلاع على التقرير المشار إليه ومقارنة وضعيّة البلدان والمخاطر الّتي تهدّدها يمكن أن يكشف الكثير من المسائل الّتي ينبغي الوعي بها وعيا دقيقًا. ومن ناحية أخرى فإنّ مفهوم “انهيار الدولة” هو التعبير المستعمل حسب جامعة هارفارد بالأساس للإشارة إلى فئة من البلدان الّتي تعتبر وضعيّتها الأكثر خطرًا، في حين تستعمل جهات أخرى تعبيرات أخرى من قبيل “الحالات القصوى” حسب جامعة جورج ماسون، أو “الدول المحتاجة إلى إعادة بناء” حسب الخارجيّة الأمريكيّة. وللوعي بخطورة هذه التصنيفات يمكن أن نشير إلى تصنيف جامعة هارفارد المعتمد في التقرير إذ يضع الدول المنهارة في وضعيّة أخطر من الدول الفاشلة.

بالعودة إلى التقرير فإنّه يمكن الإشارة إلى أنّ ملاحقه الثلاثة الواردة في آخره تضمّنت ثلاثة مواضيع أوّلها تصنيف المخاطر إلى اقتصاديّة، وبيئيّة، وجيوسياسيّة، واجتماعيّة، وتكنولوجيّة. ويشمل كل تصنيف كبير جملة من التفريعات وصلت إلى 37 تعرّف بشكل مكثّف ما سيأتي من تلك المخاطر في الملحق الثاني الّذي تضمّن جدولا يشير إلى 124 دولة من العالم، وتحديد المخاطر الخمسة الكبرى الّتي تهدّدها خلال السنتين المقبلتين اعتمادًا على استطلاع رأي لأكثر من 12000 خبير. وقد تمّ إنجاز ذلك في الفترة الممتدّة بين شهري ماي وسبتمبر من سنة 2021. وكان السؤال لجميعهم واحدًا: “ما هي المخاطر الخمسة الكبرى الّتي تهدّد بلادك خلال السنتين القادمتين؟” ليتمّ اختيار الإجابة من ضمن الاقتراحات السبعة والثلاثين المقدّمة دون ترتيب، ولكن الخبراء يحدّدون ما يعتبرونه الخطر الأكبر ثمّ الّذي يليه وصولاً إلى الخامس. وتضمّن الملحق الخامس منهجيّة العمل.

من خلال هذا التقديم للتقرير الّذي يمكن الاطّلاع عليه لتفاصيل أوفى، يمكننا قراءة ما تعلّق بتونس في الملحق الثاني في الصفحة 107 تحديدًا بحكم الترتيب حسب الحروف بالإنقليزيّة. وقد رُتبت المخاطر المتعلّقة بها كالتالي: الخطر الأوّل هو “انهيار الدولة” (State Collapse)، والخطر الثاني هو أزمة الديون الاقتصاديّة، والخطر الثالث هو الأزمات المتعلّقة بالتشغيل والظروف المعيشيّة، ويرتبط الخطر الرابع بالركود الاقتصادي الطويل، والخطر الخامس بانتشار الاقتصاد غير القانوني.

في قراءة لما ورد من تهديدات ومخاطر تتعلّق بتونس يمكن ملاحظة أنّ الخطر الأكبر ذو طبيعة سياسيّة أي “انهيار الدولة” لتكون المخاطر الّتي تليه اقتصاديّة بالأساس ولكن لها أثر اجتماعي في ما يرتبط بالخصوص بالظروف المعيشيّة. وهنا يمكننا التساؤل : أي نوع من الأخطار يسبّب الآخر، بمعنى هل إنّ “انهيار الدولة” هو نتيجة للمخاطر الاقتصاديّة المولّدة للتدهور الاجتماعي، أم أنّ ذلك “الانهيار” المحدق بالدولة هو سبب في ما تؤول إليه الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

ربّما من بين المداخل الأساسيّة للإجابة عن ذلك علينا إجراء مقارنة، وإن كانت سريعة، ببقيّة البلدان التي قدّم التقرير أنّها تشاركنا طبيعة الخطر الأوّل، أي التهديد الكبير، ونقصد “انهيار الدولة”، وهي خمس دول أخرى من ضمن الـ 124 دولة المذكورة وهي: لبنان ونيكاراغوا وفنزويلاّ وهندوراس والبيرو. ويربط التقرير مسألة “انهيار الدولة” بجملة من القضايا هي الصراعات الداخليّة، وانعدام دولة القانون، وتحلّل المؤسّسات، وكذلك الانقلابات العسكريّة، وعدم الاستقرار الإقليمي أو العالمي.

صحيح أنّ التقرير مرتبط باستبيان متأثّر إلى حدّ كبير بالظرفيّة الّتي أجري فيها، وهذا ما تدلّ عليه مثلا وضعيّة لبنان، إذ الخطر الكبير الثاني بعد انهيار الدولة هو الوضع البيئي، وهذا حتما واقع تحت تأثير ما عاش لبنان من قضيّة تكدّس النفايات في تلك الظرفيّة، ثمّ إنّه تقرير اقتصاديّ في المقام الأوّل وبتوجّه ليبرالي أو حتّى نيوليبراليّ، ولكنّه في كلّ الأحوال يبقى مهمّا جدّا وله آثاره الكبيرة على المخاوف في الداخل وكذلك على صورة بلد ما في العالم والنظرة إليه وبالتالي أسلوب التعامل معه. ومن هنا ينبغي أخذ ذلك التقرير بجديّة على الرغم من المواقف منه. 

إنّ أكثر البلدان ذكرا إعلاميّا في تونس حين تمّ الحديث عن التقرير و”انهيار الدولة” هو لبنان، وربّما قد يعود ذلك إلى السياق العربي والتداول الإعلامي المكثّف للوضع اللبناني ممّا يجعله المثال الأقرب عند المقارنة، وهذا الاعتبار لا يمكن أن يكون موضوعيّا في ما يتعلّق بمقارنة الأوضاع بين البلدان. وحتّى لا نطيل كثيرًا، فبمقارنة المخاطر المذكورة بين البلدان الّتي يهدّدها “انهيار الدولة” في المقام الأوّل يمكننا اعتبار أنّ المخاطر الأربعة المتبقّية الأقرب إلى الوضع التونسي ترتبط بالوضع في هندوراس بالخصوص، والأمر في جوهره يتعلّق بالوضع السياسي والنظرة إلى الدولة ومؤسّساتها، وهو وضع يعود إلى سنة 2009 وليس مستجدّا ومازال هذا البلد يعيش تبعاته الدراميّة إلى اليوم. ما حصل تحديدا هو شروع الرئيس زيلايا مباشرة بعد انتخابه في محاولة تغيير ما بُنيت عليه الدولة من أجهزة ومؤسّسات وخاصّة الإعلام والأحزاب عبر اتّهامها مباشرة بالسعي إلى احتكار السوق لتحقيق مصالح طبقة صغيرة من السياسيّين والاقتصاديّين على حساب بقيّة الفئات الشعبيّة. ولمقاومة ذلك كان اللجوء إلى الاستفتاء لتغيير الدستور حتّى في فصوله الّتي تنصّ على أنّها فصول غير قابلة للتعديل عبر جمعيّة تأسيسيّة، مع اعتماد خطاب ساخر بالأساس تجاه الحريّات العامّة والفرديّة. وأوصل المعارضة الشديدة لذلك داخليّا وخارجيّا إلى الدخول في متاهات الانقلابات العسكريّة قبل إجراء انتخابات مبكّرة.

ما يشير إليه هذا الوضع في الهندوراس يجعلنا نتبيّن أمرًا أساسيّا يتعلّق بالتعاضد التامّ بين السياسي والاقتصادي وينزع فكرة فصلهما كما هو شائع منذ سنوات في الحالة التونسيّة، إذ الملاحظ في ما نسمع من تحليلات هو البعد السياسوي الصرف الّذي تفسّر به الأوضاع وهذا واضح تماما في خطابات الأحزاب والمحلّلين السياسيّين، أو التغليب الكلّي للبعد الاقتصادوي البحت لدى المهتمّين بالشأن الاقتصادي. ولكن الأخطر من كلّ هذا في تقديرنا أنّ الأمر في كلّ الحالات يتعلّق بتصوّر الدولة نفسه، والسعي بشكل أو بآخر منذ سنة 2011 إلى اليوم إلى تغيير طبيعة الدولة نفسها في تنكّر تامّ لتاريخ الدولة التونسيّة برمّته والّتي تمثّل ميزة أساسيّة وجوهريّة في المنطقة العربيّة، ولا نرانا في حاجة إلى الإفاضة كثيرا في التاريخ.

إنّ ما حصل منذ 2011 هو محاولة الفاعلين السياسيّين الّذين حكموا إلغاء مكتسبات الدولة التونسيّة بخلطها مع مفهومين آخرين هما “النظام” و”المنظومة”. فما سعى إليه  الحكم بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 هو معاداة دولة الاستقلال بالخصوص تحت راية “إسقاط النظام” مع الحفاظ على “منظومته” في المستوى الاقتصادي والاجتماعي. وما يحصل منذ سنتين تقريبا هو معاداة مكتسبات الدولة التونسيّة في ما يرتبط بالأجسام الوسيطة ومنظّمات المجتمع المدني وغيرها بجعلها جميعا في سلّة واحدة تحت شعار ضرورة تغيير “المنظومة”. ومن هذه الناحية نجد أنفسنا أمام خطر واحد بثلاثة رؤوس هو انهيار الدولة الّتي بنتها أجيال تونسيّة كثيرة جدّا لبنة فلبنة، مع تجديد النظام القمعيّ قشرته، وإدامة المنظومة الفاسدة، وقد يكون الرجوع إلى “ما قبل الدولة”. ومن هنا تكون الإجابة عن السؤال المطروح أعلاه، أي هل إنّ انهيار الدولة نتيجة لبقيّة العوامل الاقتصاديّة والاجتماعيّة أم هو سبب لها هي أنّ انهيار الدولة هو السبب الّذي ينتج البقية. فالقضيّة في تونس إن شئنا أن نستعير عنوان كتاب محمّد الحدّاد، “دولة عالقة” هي أن النخب السياسيّة بالخصوص لم تتّفق على طبيعتها وتوجّهاتها لتكون الاختلافات لاحقا داخلها وفي إطارها، ولا تتحوّل الى صراعات على هدمها.

نشر بأسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 25 جانفي 2022


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING