الشارع المغاربي – متى سيستخدم رئيس الترجي "عصا المدّب" ؟

متى سيستخدم رئيس الترجي “عصا المدّب” ؟

31 أغسطس، 2018

الشارع المغاربي – العربي الوسلاتي : رغم حالة الاستقرار التي يعرفها الفريق على المستوى الرياضي قياسا بثبات نتائجه على الصعيدين المحلّي والقاري لم يغادر الترجي الرياضي التونسي مرّبع الأزمات الداخلية وظلّ يتخبطّ طوال هذه الفترة على وقع تسريبات شبه مؤكّدة تفيد باقتراب مغيب شمس رئيس النادي حمدي المدّب الذي توارى عمدا عن الأنظار فاتحا باب التأويلات والتخمينات على مصراعيه.

ولم يسبق للترجي الرياضي على مرّ تاريخه وخاصة منذ دخوله قوسي الادارة والهيكلة العصرية أن بقي دون عقد جلسة عامة انتخابية كالذي حصل في السنوات الأخيرة كما لم يسبق في تاريخ شيخ الأندية التونسية بكلّ الهزّات والنكسات والانجازات التي وشّحت دفاتره أنّ هدّد ربّانه بالرحيل مرارا وتكرارا على غرار ما نسج عليه الرئيس الحالي الذي بات يتلذّذ على ما يبدو تلويحه المستمرّ بالهروب.

وراء الستار

العارفون بخفايا الأمور داخل أسوار الترجي يدركون جيّدا أنّ التطورات الحاصلة في الفترة الأخيرة حول محيط الفريق ليست عفوية وأنّ الأخبار التي تتسرّب عنوة من داخل البيت الأحمر والاصفر ليست هي الأخرى بريئة أو نتاج تراكمات رياضية فحسب مثلما يسوّق له البعضفالترجيّون يعلمون أكثر من غيرهم أنّ ما يحصل حول الجمعيّة في الأسابيع الأخيرة وتحديدا منذ الاستحقاق الانتخابي البلدي الأخير كان مخطّط له مسبقا وبفعل فاعل والغاية منه هو سحب البساط من تحت قدمي الرئيس الحالي في خطوة أولى قبل دفعه الى المغادرة ورمي المنديل

ما يحصل في الترجي ليس ثورة جماهيرية تنشد التغيير كما أنّه ليس حركة احتجاجية على عناوين التقصير التي لاحت في الجمعية بسبب سوء التصرّف والتسيير. فالفريق يبقى رغم كلّ مساوئه ورغم بعض علامات الشيخوخة التي نالت من مفاتنه القاطرة التي تجرّ كرة القدم التونسية بدليل سجّله الخالي من الهزائم في كلّ المباريات التي خاضها مؤخّرا. لذلك فإنّ الحديث هنا عن فتاوى المراجعات الذاتية والتقييمات الموضوعية التي يلوكها البعض لا يستقيم رغم احتمال صوابها… 

الترجي الرياضي هو حاضنة جماهيرية كبيرة جدّا وهو خزّان شعبي يطوف حوله البعض كلّما تحرّكت ماكينة الأجندات وعادت سياسة التوجيهات وهذا ما يفسّر اتساع رقعة الاحتجاجات في صفوف الجماهير التي دخلت دون أن تدري لعبة الأحلاف والتكتلات

دوافع مكشوفة

رئيس الترجي الرياضي حمدي المدّب يعتبر حاليا الاستثناء في كرة القدم التونسية فهو يمسك بمقاليد النادي منذ 2007 وخلال عهدته طويلة الأمد حقّق الترجي كلّ الألقاب الممكنة وشكّل وجوده دعامة مالية كبيرة للفريق الذي كان ولازال بمعزل عن كلّ الهزّات والرجّات التي ضربت بقيّة الفرق التونسية خاصة منذ الثورة مع بداية حجب منح البلديات ودعم الولايات.

هذا الاستقرار على المستويين المالي والاداري جعل حمدي المدّب خارج دائرة المنافسة وخارج مرمى الانتقادات والإقالات والاستقالات وهذا ما دفع البعض لتحريك المياه الراكدة على أمل إزاحة الرجل من الكرسي الذي تربّع على عرشه لأكثر من 11 سنةوالطامعون في كرسي الرئيس ليسوا فقط من الحالمين بدخول عالم الأَضواء والشهرة بل فيهم من يبحث عن موضع قدم لاكتساب شرعية مسلوبة وفيهم من يبحث عن غطاء شعبي يستر به عورته السياسية المكشوفة وبينهما يقف بعض أولاد الترجي الحلال يباركون دعوات التمرّد في السرّ والعلن ويلعنون حظهم العاثر الذي رمى بهم خارج مركبّ الترجي وخارج فوهة الزمن

وخلال هذه الفترة الطويلة نسبيّا شيّد حمدي المدّب أسوارا عالية حول مركّب النادي وحال دون توافد بعض الاسماء وكثير من الدخلاءلكن ما فات المدّب هو أنّ الترجي ملك لأبنائه الأوفياء ولا يجوز تقزيمهم أو دفعهم بعيدا الى الوراء وهذا ربمّا هو أصل الداء الذي دفع الاخوة للوقوف في صفّ الأعداء

تصدّع من الداخل

منذ إشراف حمدي المدّب على رئاسة الترجي اختزل الرجل كلّ العناوين الرئيسية في النادي وبات الترجي بكلّ تاريخه ورموزه مسجونا في دائرة ضيّقة جدّا تدور حول فلك الرئيس الأوحد وعضده الأيمن رياض بنور الذي حصّن نفسه وثبّت أقدامه مع كلّ انجاز جديد ينضاف الى خزائن الترجيورغم بعض الاستثناءات التي حصلت عند اشتداد الأزمات من خلال تدعيم الفريق ببعض الوجوه المعروفة أصبح الحديث عن بعض رموز الترجي أشبه بالخوض في المحرّمات وأسماء مثل شكري الواعر وزياد التلمساني تترصّد خطواتها بعض الصفحات لتكيل لها التهم وكلّما عاد الحديث عن عودتهما تجنّدت بعض الأصوات لمهاجمتهما حتى لا تطأ أقدامهم مركّب النادي

نسمات الحرب الباردة بين أبناء الترجي خلقت تصدّعا شديدا داخل البيت وساهمت بشكل كبير في حدوث قطيعة معلنة بين جماعة المدبّ التي يقودها رياض بنور وجبهات المعارضة في الخارج والتي تتّسع رقعتها شيئا فشيئا بدخول بعض النافخين في رماد الفتنة.

اليوم لم يعد يخفى على أحد أنّ رجالات الترجي منقسمين فمنهم من يبايع الرئيس الحالي لاعتبارات عديدة ولا يخجل من الإصداع بذلك ومنهم من يقود معسكر الخوارج الذي يضمّ كلّ المغضوب عليهم وهذا مفهوم طالما أنّ بوّابة المركّب لا تفتح ذراعيها الاّ لمن يرضى عنهم آل البيتوهذا الانقسام هو الذي جعل الترجي يفقد ثباته ويلتحق بركب الأندية التي تنهكها معارك الإخوة الأعداء

ثوب الرئيس

لا يختلف عاقلان في أنّ بقاء حمدي المدّب على رأس الترجي يعتبر بمثابة مكسب كبير لكل العائلة الترجيّةولا يشكّ اثنان في أنّ جماهير الترجي الوفيّة تقف طواعية في صفّ رئيسها وتبارك بقاءه لسنوات طويلة وهذا أمر بديهي وطبيعي. فالرجل يصرف المليارات بسخاء وكثيرا ما كان في مستوى انتظارات الأحباءلكن اختفاء المدّب المتعمّد وراء صوت الحكمة والرصانة وتهرّبه المتكرّر من تحمّل المسؤولية عبر تهديده المستمرّ بالاستقالة جعل بعض الجماهير تفقد الكثير من ولائها المنقطع النظير للـبوص الكبيرخاصة أنّ البعض بات يرى في سلوكات المدّب إهانة لاسم ولتاريخ الترجي الكبير الذي لا يتوقف على أحد مهما كبر اسمه وعلا شأنه

قد يتفهّم البعض جنوح حمدي المدّب الى التواري عن الأنظار وتجنّبه الصدام مع أبناء الدار فهو المعروف منذ سنوات بقلّة خرجاته الاعلامية وندرة تصريحاته الصحفية كما أن الذاكرة الرياضية لا تحتفظ له سوى بصورة الرجل الهادئ والرصين والمتخلّق على عكس ما نشهد من فوضى في الجانب المقابللكن كلّ هذه الصفات مرفوقة بكثير من المال وبعض من القيل والقال لا تكفي لتسيير جمعية في حجم الترجيجمعية تملك كلّ مقوّماتالدولةوتحتاج فعلا لرجل دولة يحكم بقضبته وفي الآن ذاته على المال والرجال

صحيح أنّ رئيس الترجي يتعرّض منذ فترة لضغوط كبيرة لدفعه إلى الاستقالة وصحيح أنّ فتاوىالنبّارةومكائد المتربّصين بالكرسي أنهكت الرجل كثيرا وأثرّت حتى على صحّته وجعلته يختار أسهل الدروب برفع راية الهروب لكن هذا لا يبيح لرئيس الترجي التلاعب بمستقبل الفريق ومواصلة السير في المجهول وكان من المفروض أن يكون الرجل أكثر صرامة وأكثر جرأة وتصميما على المواجهة والمناورةجماهير الترجي التي لا تنتمي سوى لراية الدم والذهب كانت تمنّي النفس بأن يشهر المدّب عصاه في وجه كلّ المتربّصين بالفريق ويقف في وجه المتآمرين عليهكان على المدّب اختيار المواجهة وتحديد المسؤوليات وفضح كلّ التجاوزات وليس فسح المجال أمام بعض الصفحات للتحكّم في مصير الفريق حسب الأهواء والتوصيات والاملاءات.

اليوم لم يعد هناك أيّ مجال للمناورة أو الترنّح فإمّا أن يعلن حمدي المدّب استقالته ويفعّلها رسميا حتى يتحرّر النادي من قيده أو أن يخرج مرفوع الرأس الى العلن ويشهر عصاه عالية في وجه كلّ من يريد العبث باسم الترجي سواء خدمة لمشروع سياسي فاشل أو لتسللّ بعض المرتزقة الى الداخل


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING