الشارع المغاربي – نهاية حكم الشيخين !/ بقلم كوثر زنطور

نهاية حكم الشيخين !/ بقلم كوثر زنطور

26 سبتمبر، 2018

الشارع المغاربي : كشف رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي عن زيف التصريحات البروتوكولية الصادرة عن الرئاسة وعن حركة النهضة ابان لقاءاتهما الاخيرة ، فالتوتر بين الشيخين تحول الى قطيعة اعلنها الرئيس في حواره التلفزي يوم امس وحمل تبعاتها الى النهضة مُتوقعا عودة الحركة للمسك
بزمام الحكم بعد انتخابات 2019 .

شكل الثلاثي حركة النهضة وشيخها راشد الغنوشي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد والمدير التنفيذي لنداء تونس المحور الأساسي لحوار الرئيس قائد السبسي على قناة الحوار التونسي يوم امس الاثنين 24 سبتمبر، الرسائل كانت واضحة إجمالا وأبرزها لا أهمية لإبعاد نجله حافظ عن نداء تونس وليست أولوية الأولويات اليوم أمام مخطط استحواذ النهضة على الحكم بالاستعانة بالشاهد الذي قال الرئيس صراحة ان لا سلطة له عليه .

وان تمسك الباجي بسلاحه الدستوري الوحيد لازاحة الشاهد وهو تفعيل الفصل 99 من الدستور مُعيدا في 4 مناسبات بان اعتزامه عدم تفعيل هذا الفصل يبقى وقتيا وغير مصحوبا ب «لا زمخشرية ،» وهذا يعني منطقيا اقرارا بخسارة الأغلبية البرلمانية وبعجزه عن ربح معركة البرلمان، فان التمسك قد يخفي اقرارا أيضا بامكانية تغيير موازين القوى بحدوث شرخ في تحالف النهضة والشاهد.

فيما شكّلت دعوته كلّ من الشاهد وحافظ الرحيل معتبرا أن ذلك لن يضرّ تونس بما ينفي عنهما أية مكانة في الحكومة وفي الحزب وأي وزن، شكّلت منعرجا في موقف الباجي من الأزمة السياسية سرعان ما قلّلت من أهميته دفاعه بعدها عن نجله وتأكيده بأنه ليس ضدّ الشاهد.
نهاية حكم الشيخين
تجنب الرئيس وهو يعلن نهاية التحالف الذي جمعه بحركة النهضة الحديث عن رئيسها راشد الغنوشي، مبرزا ان القطيعة تمت منذ أسبوع وبانها هي من سعت اليها وبطلبها، ليؤكد بذلك ما تداولته الأوساط القريبة من الرئاسة منذ فترة وفُند في البيانات الرسمية المنمقة التي تحرص النهضة في كل مرة على التنصيص فيها على تمسكها بالتوافق .

وابعد من اعلان القطيعة والتي تعني في السياق العام الذي تعيش على وقعه البلاد نهاية حكم الشيخين، ألمح الرئيس الى دخول تونس مغامرة في اشارة الى تحالف الحكم بين النهضة ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، مُنبها الى ان فترة ما قبل اتفاق باريس 2013 ستعود وستعيش الساحة السياسية على وقع حشد لخلق بديل يواجه النهضة يتوقع الرئيس أيضا ان تمسك بزمام الحكم بعد انتخابات 2019 .

إلى ذلك كشف الرئيس بين الأسطر سياسة الابتزاز التي كانت تجمعه بشيخ النهضة، اذ ألمح الى انها طرحت عليه إبعاد نجله حافظ قائد السبسي،
ويبدو ان هذا الطلب الذي قد يكون شرط الموافقة على إزاحة رئيس الحكومة يوسف الشاهد، أثار حفيظة رئيس الجمهورية وغضبه أيضا .

لنا ان نذكر في هذا السياق ان هياكل النهضة انتقدت في اجتماعاتها الداخلية عدم مبادرة نداء تونس بتقديم التهاني لها اثر فوزها في الانتخابات البلدية التي انتظمت في ماي 2018 علاوة على اتهام المدير التنفيذي حافظ قائد السبسي في أخر اجتماع السباعي الذي عقد باشراف الرئيس وجمع الشاهد ورئيسي الأعراف والشغالين ورئيس البرلمان، راشد الغنوشي بتزوير الانتخابات .

اللافت ان إعلان القطيعة بين الشيخين لم يشكل الحدث والمفاجأة بل كان متوقعا في ظل تمسك النهضة بالشاهد، لكن المفاجأ ان يأتي الاعلان من رئيس الجمهورية وان يكون الطرف المبادر بالقطيعة هي النهضة وليس الباجي قائد السبسي، ومن يعرف الرئيس يؤكد ان هذا الإعلان لا يأتي قطعا في اطار المكاشفة والصراحة بل لحسابات سياسية تتعلق بالأزمة الراهنة وربما باحتمال الترشح لانتخابات 2019 .

ونهاية حكم الشيخين يعني ولادة تحالف حكم جديد، و في صورة بقاء الشاهد وعدم اعتزام الباجي قائد السبسي تجديد العهدة الرئاسية فهو احالة على
التقاعد السياسي، فالخارطة البرلمانية اليوم تقدم أغلبية للشاهد وللنهضة مع شبه استحالة تغيير في موازيين القوى البرلمانية بما يحد من هامش التحرك
بالنسبة لرئيس وضع احتمال تفعيله الفصل 99 ان ارتأى ذلك.

في المحصلة تبدو القطيعة منعرجا جديدا بالنسبة للباجي وللغنوشي المٌتحالف اليوم مع مشروع هلامي يقوده الشاهد المتردد بين تأسيس حزب من عدمه ، الباجي الذي عين نفسه اليوم في منصب المتابع للاحداث ولتطوراتها ، وهو موقع حشر فيه منذ انقلاب الشيخ والشاب عليه وتنصيفهما إياه في خانة النسيان السياسي، يبدو قابلا بهذا الواقع.
حافظ ليس اولوية
لم يخيب الرئيس قائد السبسي امل كل من راهن على مواصلته مساندة نجله، ففي الحوار الذي بدا فيه متشنجا غاب الحسم في ملف المدير التنفيذي
لنداء تونس وان حاول في مناسبات رفع المسؤولية عنه كلما تم التطرق الى حزب حركة نداء تونس متخفيا وراء الدستور. لكن مع غياب الحسم ورفع اليد صراحة عن نجل اصبح مرفوضا حتى ممن استقدمهم لنداء تونس برواتب، وممن يرشحهم في كل مناسبة لمناصب وزارية، فان ردود فعل الباجي فضحته وكشفت ان هذا الملف يُحرجه ولا يعتبره أولوية رغم نزيف الاستقالات البرلمانية والجهوية وأيضا المركزية التي  تنبئ بانفجار الحزب.

وفي الحقيقة تحدث الباجي من موقع الاب وهو يدافع عنه عبر تقديم المغالطات، مغالطات امتدت منذ فترة التأسيس في النداء الى حين تغوله وتحوله
الى الزعيم الاول في مسيرة كان الباجي مهندسها وراعيها بل وسخر اجهزة الدولة لتثبيت موقعه، ما يمكن تأكيده في المقابل ان الكل بلا استثناء بارك
ذلك التمشي “لغاية في نفس يعقوب” ولان المناصب وحرب التموقع كانت تمر حتى وقت قريب عبر تحالف مع الابن .
لذلك يمكن القول ان الرئيس قائد السبسي وهو يحذره بدهاء سياسي يقوم على التلاعب بالمواقف وقول الشيء ونقيضه، وبثوب الحاسم غير عابئ
بمصير الابن، زاد القناعة الراسخة لدى جموع الفاعلين بأن معضلة الاب هي الابن، وان استشهاده بنهاية بورقيبة ودعوته الخجولة للمغادرة بشرف
قبل أن يرفقها بتشديد على انه ليس في موقع سلطة على نداء تونس، بيّن ضعفه الابوي .
ومع خياره الإبقاء على الابن تطرح سيناريوهات ما بعد الحوار واقربها تواصل وتيرة الاستقالات بنداء تونس، ربما توسعها بالنظر الى النقد الذي
وجهه الرئيس قائد السبسي في حواره الى النواب متهما من غادر سفينة الحزب نحو سفينة الشاهد بالسياحة الحزبية .

واليوم عاد الباجي لاستعمال ورقة النهضة حاشدا ضدها مطالبا ضمنيا العائلة الوسطية ومن بقي بنداء تونس بتجاوز الابن ” يجب ان ننسى
الاشخاص” كما جاء على لسانه، او العودة الى مربع ما قبل 2013 ، فهل ستؤتي هذه الورقة أكلها ؟ .  ومع اجابات رئيس الجمهورية الزئبقية على
كل الاسئلة المتعلقة بنجله وبرئيس الحكومة يوسف الشاهد، يمكن القول ان الاهم في حوار رئيس الجمهورية هو القرارات التي اعلن عنها وهي عدم
اعتزامه تفعيل الفصل 99 من الدستور في الوقت الراهن وتثبيت موعد الانتخابات في ديسمبر 2019 وأيضا القطيعة مع حركة النهضة.

بخلاف هذه القرارات التي كان فيها الرئيس واضحا وصارما وحاسما، فإن كل ما قاله بخصوص حزبه ونجله والشاهد لا موقف واضح بخصوصه، الشيء ونقيضه كما أشرنا ،فيما تُركت المسائل الاجتماعية الاقتصادية التي تبدو أكثر من هامة على هامش الحوار .

حسم رئيس الجمهورية في احد اهم الملفات المطروحة ليس داخل تونس فقط بل في الاوساط الدولية والمتعلقة بالانتخابات القادمة، والمعلوم ان انباء
تم تداولها منذ أشهر حول اعتزامه التمديد في العهدة الرئاسية بسنة عبر تفعيل الفصل 80 من الدستور، بما ينهي الجدل الدائر بخصوص موعد الاستحقاقات.
من جهة اخرى، سنراقب كيف سترد النهضة ورئيس الحكومة على ما جاء في حوار الرئيس، الاولى التي حملها تبعات القطيعة والثاني الذي دعاه
لعرض حكومته على مجلس نواب الشعب واصفا إياه بفاقد الشرعية، وعلى التهم التي جاءت بين ثنايا الحوار خاصة المتعلقة بخفايا تشكيل كتلة
الائتلاف الوطني التي يقول قائد السبسي ان حركة كبيرة وراءها في اشارة الى النهضة وأيضا بخصوص الترويج لاعتزام وزير الداخلية لطفي ابراهم تنفيذ
انقلاب، اكد الباجي قائد السبسي صراحة انه يعلم من يقف وراءها .

تغييرات قادمة في المشهد السياسي، والمؤكد ان تلميحات الباجي قائد السبسي بانقلاب ناعم قادته النهضة لافتكاك الحكم عبر السعي لانهاء التوافق
والوصول الى قطيعة لن تنتهي مع حوار الرئيس قائد السبسي وستكشف رواية النهضة تفاصيل جديدة بخصوصها.، اما حديث الوصايا ومنها تنقيح القانون الانتخابي وتعديل الدستور فهي حمالة أوجه أيضا ان كانت تهدف لوضع الدستور في موضع مسؤولية عجزه عن الفعل السياسي فيالوقت الراهن او تلميحا لامكانية ترشحه للانتخابات القادمة .

وحديث الوصايا في خطاب الوداع السياسي للباجي قائد السبسي الموجه أساسا للشاهد والغنوشي، انهى به الجدل أيضا بخصوص اعتزامه تنقيح الدستور.. ذلك الكتاب المقدس بالنسبة لمن صاغه، ومشكلة المشاكل بالنسبة لمن مارس الحكم أو يحلم بموقع فيه خاصة في الرئاسة.


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING