الشارع المغاربي – وَهْم ثَوْرَة؟ / بقلم: خالد عبيد

وَهْم ثَوْرَة؟ / بقلم: خالد عبيد

قسم الأخبار

29 ديسمبر، 2020

الشارع المغاربي: فضّلنا أن يكون عنواننا في شكل تساؤل، علّنا نستخلص في الأخير أنّ توْصيفنا هو الوهْم وإِنَّهَا لَثَوْرة..

وإذا كنّا نقصد بالثورة كوْنها أطاحت بِنِظام حكم وأبدلته بآخر فإنّها لَكَذِلك فعْلا، لكن، هل أنّ هذه “الإطاحة” أنْهت “نظاما” أم غيّرت أشخاصا بأشخاصٍ؟

وإذا كنّا نفهم الثورة كونها هي التغيير الجِذْري، وعُنْوانا لِنِهاية زمن وحُلول زمن آخر مُغاير له؟ فهل هي كذلك الآن في تونس؟

وإذا كنّا نتصوّر الثورة يسبقها تَثْويرًا لِلْعُقول والعقليات فلا تتلاءم مع واقع بات “رجْعيًا”، فهل هذا ما حدث فعلا في تونس؟ وإذا كنّا نعتبر كلّ الممارسات الشَنَآنَة والمَعِيبَة التي “اكتشفناها” لدينا بعد هذه “الثورة” هي ممارسات “ثورية” و”تقدّمية” فما هكذا الثورات؟

وإذا كنّا نرى الثورة هي الرجوع بعقارب الزمن بعيدا إلى الوراء، والدفع لإحْيَاء مَا انْدَثر، كما كان الحال في تونس بعد 2011 وإلى الآن، فما هكذا تُوصَف الثورات؟

وإذا كنّا نعني بالثورة أنّها تقطع مع الماضي وهي متواصلة في الزمن إلى تحقيق أهدافها، فما هكذا مفهوم لِلْثورة يمكن “إسْقاطه” على “الحالة التونسية”؟

وإذا كنّا نعْمد غالبا إلى مقارنة ما حدث في تونس بـ”الثورة الفرنسية”، فما تجوز المقارنة أصْلاً لمن درس جيّدا هذه الفترة من تاريخ فرنسا؟ وكلّ من يقوم بذلك مُسْتَسْهِلاً، إنّما يُغالط نفسه وغيره، ويقع في دائرة الخَدِيعة التي قد ترْتقي إلى الكُبرى، وذلك عندما توهّم البعض نفسه “رُوبَاسْبِيَار” تونس أو “دَانْتُونـَ”هَا، فوقع الذي وقع منذ “نكسة” فيفري 2011 في اعتصام القصبة الذي منح مجموعات الإسلام السياسي صكّ “الانقضاض على الحكم”، وما زلنا نَجْنِيَ آثار هذا الوهْم وما نتج عنه إلى الآن…

ولِنفْرِضَ جَدَلاً وليْس فعْلاً أنّنا نعيش “وهْم ثورة”، وَهْم وَقَرَ في العقول وتَمَلّكَ بالنُفوس، فباتت تردّد: ثورة..ثورة، ومَا هِيَ بِثوْرةٍ! إنّما خُيِّلَت إليهم كذلك! لذا، فكلّ ما يَنْتُج عن هذا الوهْم هو نَقِيض الواقع أو الحقيقة، فإذا قلنا مثلا “الثورة المضادّة” فهذا يعني “وهْم الثورة المضادّة”، وإذا صِحْنَا “أزْلام النظام البائد” فهذا يعني “وهْم أزلام النظام البائد”، وهكذا دواليك..

فما دام المُنْطلق خَاطِئًا، وهو هنا الوهْم، فالنتيجة خاطئة هناك، حتى، وإن كانت المنهجية من البداية إلى النهاية صحيحة، وينطبق التمشي ذاته على من ينادي بـ”تصْحِيح” المسارّ الذي انحرف..أو يعتبره “انتقاليا” بينما هو “وهْم المسار الانتقالي”، وهنا بالذات، علينا أن ندرك اسْتِتْبَاعات هذا “الوهم الانتقالي” طيلة هذه العشرية التي مرّت أمامنا وكأنّها “أوهام اليقظة” أو هي فعلا كذلك!

ويترتب على كلّ ما تقدّم إِنْ صَحَّ، ما نُلاحظه من إصرار مُتَصَاعد ومُتَزايد لدَى من لَدَيْه هذا “الوهم بالثورة” بأنّنا نعيش فعلا ثورة، وأنّها متواصلة إلى حدّ النصر النهائي وتحقيق أهدافها بالكامل، مع العلم أنّ “وهْم ثوْرة” هو عُنْوان لِثُلاَثية كتبْناها خلال شهر سبتمبر 2011، ومنذ ذلك الحين إلى الآن، وَددْنَا صادقين لو كذّبتنا الأيّام والسنوات، لكن، ها هي عشْرية مرّت تقريبا منذ ذلك التوْصيف إلى الآن، بينما، لم يَعُد الحَال كما كان بل أسْوأ ممّا كان، وكأنّ مضمون هذه الثلاثية كُتِب اليوم أو فعْلا هو كذلك في أغلبه.

 لكن، كلّما كَثُر الإحْباط وتزايدت الخيْبة وتَمَتْرَس القَرَفُ تجاه سياسِيِي ما بعد 2011، إلاّ وزادت “مُكَابَرة” الواهمين في أنّنا نعيش ثورة حقيقية سَتُحَقق أهْدافها يوْمًا مَا، بل ويصل الأمر بالبعض إلى الدعْوة جِهَارًا بضرورة تجْرِيم من يُشكّك في “الثورة” و”مكاسبها”، ومنهم من اخْتبرنا فَشَله الذريع في تسيير شُؤون دوْلة، وهنا بالذات، ما الفرْق بيْنهم وبيْن الأنظمة الشُمُولية والسُلْطَوِية بَلْ وحتى الأنْظمة الشُمُولية/ الكِلْيَانِيَة الكُلِّيَة؟!

فَهَل الثوْرة تَعْني تَكْمِيم الأفْوَاه مِثْل أو أكْثر ممّا كان عليه “النظام البائد”؟! أمْ تعْني نَصْب المَشَانق في السَاحات والسَحْل باسم “الثورة” كما يتمنى البعض ذلك لكلّ من يُخَالفه الرأي؟ وهذا راجعٌ إلى أنّه لم يتمكّن من أن يَنْزع عنه بعد هذا “الدِكْتَاتور” الصغير الكامن لديه، فتراه يُبرّر ذلك بأنّ هذا من ضروريات “العُنْف الثوري”! وبالتأكيد، يقصد هنا دون أن يدْري “وهْم العنف الثوري” أو يبرّره دينيا في انتظار “وهْم الخلافة المزعوم”، والدين منه بَرَاء.

وقد رأينا هذا الوهْم لدى البعض عندما تَبَخْتَر بالقوْل بأنّ تونس كانت قبْله هو تعيش 60 سنة خراب!! وهو هنا يتخيّل واهمًا ومُخطئًا في ذات الوقت، أنّه يعيش “ثورة” قَطَعت مع الماضي! لكن، ها نحن نكتشف أنّ هذه العشْرية هي عِشْرِيَة الخَرَاب ونِهاية كِيان الدولة في تونس، إنْ تَوَاصَل الحَالُ على ما هو عليه.

في رأينا، عندما “يتسلّح” البعض بالشجاعة الأدبية ويتوقف لِلَحْظةٍ متسائلا ما الذي حدث بالضبط منذ 2011 إلى الآن؟ وهل عشنا حقيقةً ثوْرة أم لا؟ وهل يُمْكن توْصِيف كلّ هذا المسار بأنه ثوْري أو انْحِرَافِي؟ وهل كنّا في وهْمٍ؟ وعليْنا نزْع الغِشاوة؟ وأنّه من الواجب علينا اسْتقراء هذه الأحداث جيّدا حتى نفهم أين يكْمن الخَلَل “القاتل”؟ والذي أدّى بنا إلى هذا النفق السَحِيق حاليا! لوْ حدث هذا يومًا، – وإِنْ كنا نشكّ في ذلك-، سنكتشف وقتها تَبَاشِير الشُعَاع الذي يُنير طريق هؤلاء “التَائِهِين”، أمّا لوْ لمْ يحدث، وهذا ما أتوقعه بالنظر إلى طبيعة التونسي المتميّزة بالعِنَاد والمُكَابَرة في الخَطَأِ، حتى وإن تبيّن له ذلك، فإنّنا سنواصل السقوط إلى القَاعِ وسَيُرَدّد بعضنا “وَإِنَّهَا لَثَوْرَة” بينما هو يَغْرق..

في الأثناء، ما يُقْلِقنا حقيقةً هو مُسَايَرة بعْض “النخبة” لهذا التيّار الذي “يُجَرّم” مَنْ لا يعتبرها “ثورة” مَخَافة أن يقع وصْفه بـ”الإنْكَاري” أو تجنّبا لِشيْطنةٍ مُحْتملة في مواقع معروفة أو ربّما تَمَنّيا لِمَنْصب ما، بينما على المثقف أن يكون مُلْتصِقًا بِهُمُومِ شَعْبِه ومُعَبِّرًا عنْها أوْ لا يَكُون!

وَوَاهِمٌ مَنْ يَعْمَد بِكُلّ السُبُلِ إلى مقارنة “الثورة” التونسية بنَظَائر لها في التاريخ وفي العالم، فالمُقارنة غير ممْكنة نظريًا وفعليًا، وَوَاهمٌ أكثر مَنْ يَتَعنت في مُقارنتها بـ”الثورة الفرنسية” وواهمٌ أكثر فأكثر من يظنّ أنّ مشروع “الثوْرة الإسلامية” قد حَان.

عَلَيْنا أنْ نَفِيقَ من غَفْوتنا ونَعِيَ جيّدا أنّ هذه المسائل تُدَار بالعقل وليس بالعاطفة والأماني، ومن لا يرغب في ذلك فَـ”صَدَمَات” الواقع كفيلة بإيقاظه، لكن بعد فوات الأوان، وَعَلَيْنا أن ننظر إلى أنفسنا في المرآة، ونُقيّم كلّ هذا المسار ونرصد مَكَامِن الخَلَل والأخطاء حتى نتمكّن من التقْوِيم.

عَلَيْنا أيضاً، أن نستوعب جيّدا أنّ الزمن تَرَاكُمٌ، حتى وإِنْ خُيِّلَ للْبعض أنّ هذا المسار قطيعةٌ وما هو بِكَذِلك فعْلا، وأن نُؤْمن بأنّ دعوات “تَسْوِيد” السابقين إنّما هي مشروع خراب اللاَحِقِين، كما هو الحال الآن بكلّ أسف.

وأخيرًا وليس بآخر، عليْنا أنْ نتواضع كثيرا ونُقرّ بأخْطَائِنا “الكارثية” وإهْدَارَاتِنَا العَبَثية لِمَوَارِدنا طيلة هذه العشْرية، التي سمّيْناها سابقا “عشْرية الهَدْر”، وأخيرًا، عليْنا أنْ نطلب الصَفْح والمَغْفرة من الأجْيال القادمة التي ارْتَهَنَّا مُسْتقبلها و”سَوَّدْنَاه”، فَهِيَ، كَمَا التاريخ، لنْ ترْحَمنا أبدًا على مُنْتَهَى العَبَث والهَدْر الذي قُمْنَا به خلال هذه العشرية، وما زال متواصلا لِلأسَف في العشرية التي تطلّ علينا.

لكن، بعد كلّ هذا، أَلَمْ يحدث أيّ شيء في آخر سنة 2010 وبداية 2011؟ بَلَى! حدث فعْلا، إنّها انتفاضة، قام بها نفر قليل من  التونسيين وليسوا كلّهم، سُرعان ما أجْهضتها قوى الظلام من هذا الطرف أو ذاك، وأجْهضَها خاصّة التونسيون الذين لم يشاركوا فيها ولم تكن لديهم الشجاعة لذلك وقتها، لكن أظهروا بعد ذلك من الانتهازية والرغبة في اقْتناص الفرص والمطالب المادية العبثية والبحث المَحْمُوم عن مناصب لم تُقَدَّ على مَقَاسِهِم  الذي لا يَرْقَى إِليْها، اعتقادا منهم بأنّ هذه السلوكيات هي “الثورة” ذاتها!

فـ”الثورة” في أذهانهم الضيّقة هي الفرصة التي لن تُعَوّض “لاسْتِبَاحَة” الدولة بعد أن ضَعُف النظام وانْهَار، فكانت المَحْصَلة الآن ضُعْف دولة وقُرْب انهيارها إِنْ تواصل الحال على ما هو عليه، وحتى ممارساتهم يظنون أنّها “ثورية” بينما هي “وهمية”، وهنا مُنْتهى العبث بمصير دولة ووطن أرجو له رُحْمانًا رحيمًا على حدّ قول حمّودة الطاهري سنة 1950 في مصر لمّا أدرك ما معنى أن يفقد التونسي رايته وشعاره ودولته فيصبح “وَلاَ شَيْء” على حدّ قول أحدهم، وسَتُفْتَح حتْما دفاتر التاريخ يومًا مَا، وستكتشف الأجيال القادمة هوْل “الجُرْم” الذي ارْتُكِبَ بِحَقها عنْ قصْدٍ أو غير قصْدٍ….


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING