الشارع المغاربي – في مخطط مجموعة السبع دول الكبرى لتأطير الاستثناء التونسي وتوجيهه (الجزء الثاني): بقلم أحمد بن مصطفى

في مخطط مجموعة السبع دول الكبرى لتأطير الاستثناء التونسي وتوجيهه (الجزء الثاني): بقلم أحمد بن مصطفى

25 مارس، 2019

الشارع المغاربي : في الجزء الأول لهذا المقال بينا الأسباب والخلفيات الكامنة وراء التحرك السريع لمجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى لاحتواء التداعيات السياسية والاستراتيجية للثورة التونسية على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي والحيلولة دون حصول مراجعات جوهرية في سياسة الانفتاح الاقتصادي والتبادل الحر التي تتبعها تونس باعتبارها السبيل الأمثل لضمان المصالح الغربية في المنطقة وتحديدا المكانة المتميزة لفرنسا وللاتحاد الأوروبي بوصفها الشريك التجاري والاستثماري الأول لتونس.
وفي هذا الجزء الثاني سنبين ان موقفا مشابها تم تبنيه من قبل فرنسا وحلفائها غداة الاستقلال للحفاظ على الهيمنة الغربية على جنوب المتوسط تجنبا لوقوعه، في عز الحرب الباردة، في دائرة النفوذ السوفياتي الباحث عن التمدد في حوض المتوسط و ذلك من خلال الإبقاء على نفس نمط العلاقة شمال جنوب القائم على المنظومة الاقتصادية الليبيرالية و التبادل التجاري المختل لصالح الكتلة الغربية فضلا عن ضمان استمرارية التبعية الاقتصادية و المالية و الثقافية لتونس إزاء فرنسا وشركائها الرئيسيين بالمجموعة الاقتصادية الأوروبية التي ستشكل النواة الصلبة لمجموعة السبع بعد تكوينها سنة 1975.
وسيظل هذا الموقف الغربي ثابتا كلما حصلت تحولات كبرى في العلاقات بين الضفتين او في موازين القوى الدولية ولا سيما بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية والدخول في مرحلة ترتيب العلاقات بين أوروبا ومستعمراتها القديمة وكذلك الشأن إثر سقوط الاتحاد السوفياتي واستفراد الولايات المتحدة بالزعامة على المستوى الدولي. وعادة ما تتزامن مثل هذه المتغيرات بمبادرة الغرب بتقديم إطار سياسي جديد يبدو سخيا ومجددا في ظاهره، على غرار مسار برشلونة وشراكة دوفيل، ولكنه يبقى في حقيقته متشبثا بنفس السياسات والقواعد الضامنة لاستمرارية منظومة اقتصاد السوق الخاضعة للهيمنة الغربية كأسلوب وحيد لإدارة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الضفتين وعلى الصعيد الدولي.

المجموعة الاقتصادية الأوروبية: الإطار الجديد لتأبيد الهيمنة الفرنسية الأوروبية على تونس
كان تشكيل المجموعة الاقتصادية الأوروبية سنة 1958 كمنطقة للتبادل الحر بين دول أوروبا الغربية يستند الى هاجسين أساسين و هما الحفاظ على المصالح الأوروبية في اطار التوازنات العالمية و الإقليمية الجديدة الموالية للحرب العالمية الثانية و المرطبة ببروز حركات التحرر من الاستعمار تزامنا مع خروج أوروبا مدمرة من الصراع و فاقدة للزعامة على الصعيد الدولي مما حولها الى أداة خاضعة لهيمنة الولايات المتحدة الامريكية المتزعمة للمعسكر الغربي في الحرب الباردة مع المعسكر السوفياتي الذي لم يكن ينظر اليه كخطر عسكري فحسب بل كمنافس للمنظومة الاقتصادية الليبيرالية و مصدر تهديد للنظام السياسي الديمقراطي الغربي فضلا عن كونه بديلا اقتصاديا اشتراكيا مغريا لدول العالم الثالث المستقلة حديثا.
وهكذا كانت جملة هذه الاعتبارات الجغراسياسية ضمن الاسباب الأساسية التي جعلت فرنسا والمجموعة الاقتصادية الأوروبية والكتلة الغربية عموما تحرص منذ البداية على فتح المجال للمستعمرات الفرنسية القديمة ومنها تونس والمغرب لإقامة علاقات “مشاركة” وصفت بانها خاصة ومتميزة مع أوروبا الغربية من بوابة اتفاقيات التبادل الحر وتحديدا الاتفاقية المبرمة مع تونس سنة 1969.
جدير بالذكر ان هذا الاتفاق تم التسويق له دعائيا وكأنه يعكس مقاربة أوروبية جديدة للعلاقات شمال جنوب تتجاوز الابعاد التجارية وتتعامل مع تونس وبلدان جنوب المتوسط كشركاء في رسم مستقبل المنطقة والعلاقات الاقتصادية والتجارية على أساس الندية والتبادلية في منح الامتيازات وحرية النفاذ الى الأسواق فضلا عن مساعدة هذه الدول للخروج من التخلف.
غير ان إمكانية النفاذ الى الأسواق الأوروبية دون قيود كانت وهمية الى حد كبير بالنسبة لتونس لأنها كانت متاحة فقط للسلع الصناعية التي لا تنتجها تونس، اما الصادرات الزراعية التونسية المنافسة للسلع الأوروبية كزيت الزيتون فأنها كانت وستظل مكبلة بقيود كمية وديوانية وإدارية صارمة. وسيبقى هذا الأسلوب في التعامل مع تونس ودول العالم الثالث هو القاعدة في كافة الاتفاقيات اللاحقة المبرمة مع الكتلة الأوروبية الراغبة فقط في استمرار احتكارها لشبكات القيمة في لأنشطة الاقتصادية المربحة ببلدان جنوب المتوسط فضلا عن تحكمها في خياراتهم الاقتصادية الكبرى وكذلك هيمنتها بدون مقابل على أسواقهم وعلى ثرواتهم المادية والباطنية والبشرية.
وفي واقع الامر لم يكن اتفاق 1969 من حيث أهدافه ومضمونه سوى امتداد لاتفاقية الحكم الذاتي الموقعة سنة 1955 المتعارضة نصا وروحا مع الآفاق العشرية للتنمية وهي الاستراتيجية الاقتصادية الاشتراكية التي تبنتها تونس مرحلة الستينات وقوامها “إزالة الاستعمار الاقتصادي الفرنسي” ضمن مشروع بناء دولة الاستقلال في حدودها الوطنية.
وللتذكير كانت اتفاقية الحكم الذاتي التي تم ادراجها كوثيقة مرجعية ببروتوكول الاستقلال مشفوعة ببنود وبتعهدات سرية من تونس بعدم تأميم الثروات الطبيعية والباطنية وكذلك الأراضي الفلاحية وممتلكات الأجانب المسروقة اثناء فترة الاستعمار مع تمديد العمل بالاتفاقيات ذات الصلة المبرمة قبل الاستقلال وهو ما تم الالتزام به الى يومنا هذا رغم تعارض هذه التعهدات مع الدستور وطابعها المجحف والمهين وما يترتب عنها من خسائر واضرار بالغة لحقت بتوازناتنا المالية وبمقدرات الشعب التونسي.
وهكذا تم منذ البداية تغليب مقتضيات المصالح الاستراتيجية الغربية على مصالح دول العالم الثالث وتطلعات شعوبها لنيل استقلال حقيقي قائم على سيادة القرار الوطني في تقرير المصير والتحكم في الموارد والثروات وفي رسم الخيارات الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية والتربوية المتلائمة مع اهداف السياسة التنموية للآفاق العشرية للتنمية التي كانت مبدئيا تتصدر أولويات سياسة التحرر الاقتصادي المتبعة من قبل تونس خلال تلك المرحلة.
لكن التجربة التونسية اثبتت ان حظوظ نجاح مثل هذه الخيارات التحررية الكبرى تبقى ضئيلة اذا لم تكن مشفوعة بشرطين أساسيين و هما حصول اجماع وطني حولها الى جانب تنقية الإطار القانوني والاستراتيجي والتشريعي الموروث عن الاستعمار ومراجعته بصفة جذرية لكونه يهدف، على غرار اتفاقية الحكم الذاتي التي ابقيت سارية المفعول بموجب بروتوكول الاستقلال، لضمان استمرار المكاسب التي حققتها فرنسا اثناء الحقبة الاستعمارية.
ولعل ذلك هو سبب التخبط في الاختيارات الاقتصادية الكبرى الذي وقعت فيه تونس مطلع السبعينات بعدولها المبكر عن التخطيط الاستراتيجي الوطني، تحت الضغط الداخلي والخارجي، ثم تراجعها سريعا عن اولوية بناء اقتصاد انتاجي قوامه تحقيق الحد الأدنى من الاستقلالية والاكتفاء الذاتي الصناعي والغذائي والتكنولوجي. ولا شك ان هذه التقلبات هي التي أضاعت على تونس الفرصة الوحيدة التي اتيحت للشعب التونسي للتحرر من مخلفات الاستعمار والولوج الى صف الدول المتقدمة على غرار البلدان الصاعدة.
غير ان التجارب التنموية الموفقة لهذه الدول، التي تطلبت جيل او جيلين، كانت شديدة الارتباط بتمسكها باستقلالية قرارها وبالتخطيط الاستراتيجي كسبيل للتنمية فضلا عن توفقها في الحفاظ على ثرواتها البشرية لتوظيفها في بناء نهضة علمية وصناعية منافسة على الصعيد الدولي.

أسباب فشل محاولات تونس لبناء علاقات متوازنة مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية
بالنسبة لتونس، لا شك ان هشاشة جبهتها الداخلية وتبعيها المفرطة للنفوذ الفرنسي ولاتباعه المحليين هو الذي دفع الرئيس بورقيبة للتخلي مبكرا عن الاستراتيجية التنموية لمرحلة الستينات لفائدة سياسة جديدة تم ارساءها سنة 1972. وتعطي هذه السياسة الأولوية لاستقطاب الاستثمارات الخارجية بالحوافز المالية والإعفاءات الديوانية والاندماج في الاقتصاد العالمي من بوابة المناولة رخيصة الثمن لفائدة المؤسسات الأجنبية وذلك في إطار توزيع غير عادل للأدوار الاقتصادية يضع الثروة البشرية التونسية في خدمة القدرة التنافسية للشركات الأوروبية والفرنسية.
وفي المقابل اهملت تونس قطاعاتها الإنتاجية الفلاحية والصناعية وتحولت الى دولة تابعة ومستوردة لحاجياتها الغذائية الأساسية كما اصبحت دولة تابعة ماليا وفاقدة لتوازناتها الكبرى بتوسيع انخراطها في التبادل الحر المختل وتخليها عن مواردها الديوانية واضطراها لفتح كافة أنشطتها التجارية والخدمية المربحة امام رؤوس الأموال الأجنبية في إطار علاقات الشراكة المختلة مع أوروبا.

وفي الواقع كانت تونس تدرك منذ البداية الطابع المختل للأطر القانونية المنظمة لعلاقاتها مع فرنسا والمجموعة الاقتصادية الأوروبية وقد حاولت تدارك هذا الامر في المفاوضات التي انطلقت منتصف السبعينات لأبرام اتفاق تعاون جديد يحل محل اتفاق التبادل الحر الموقع سنة 1969 الذي كان يكتسي صبغة تجارية بحتة ولم يكن يتماشى مع مخططات تونس التنموية فضلا عن كونه لا يراعي التفاوت في مستويات التنمية بين الجانبين.
وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة الى ان تونس سعت للاستفادة من الجهود التي بذلتها كتلة دول عدم الانحياز في اطار الأمم المتحدة لاستصدار مجموعة من القرارات الوثائق المرجعية التي تدعو لإرساء نظام جديد لتنظيم العلاقات الاقتصادية و المبادلات التجارية الدولية على أسس جديدة اكثر عدلا و انصافا تراعي مصالح دول العالم الثالث وتأخذ حاجياتها التنمية بعين الاعتبار في اطار اتفاقات تعاون و شراكة متوازنة تلزم الدول المتقدمة، من خلال نقل التكنولوجيا، بمساعدة الدول النامية على انجاز برامجها التنمية و تحقيق التنمية المنشودة لشعوبها.
ومن اهم هذه الوثائق العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والقرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة حول الحق في التنمية ، مع الإشارة الى ان هذه الوثائق، وان لم تغير موازين القوة الاقتصادية لصالح الدول النامية بحكم طابعها غير الملزم، فإنها أدت الى تحسين نسبي في شروط التفاوض بين الجانبين. وقد انعكس ذلك على مضمون اتفاق “التعاون” المبرم سنة 1976 بين تونس والمجموعة الاقتصادية الأوروبية الذي اقر بوجود تباين شاسع في مستويات التنمية فضلا عن تضمنه لتعهدات ملموسة بمساعدة تونس على النهوض بقطاعاتها الإنتاجية والخدمية وغيرها وفقا للأولويات الواردة بمخططاتها التنموية.
لكن هذا الاتفاق سيظل حبرا على ورق ولعل ذلك يعزى لتزامنه مع تحول هام في العلاقات الدولية تمثل في احداث مجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى سنة 1975 التي يبدو انها جاءت كرد فعل على التداعيات السياسية والمالية والاقتصادية الكبرى الناجمة عن حرب 1973 وما صاحبها من ازمة اقتصادية حادة جراء الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة بسبب الحظر النفطي العربي المسلط ضد الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية المنحازة لإسرائيل.

مجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى: الآلية الجديدة لفرض العولمة الاقتصادية على حساب الدولة الوطنية 

لم تكن سوريا و مصر تتوقعان لدى دخولهما   في مواجهة عسكرية   مع إسرائيل سنة 1973  لمحاولة استرداد أراضيهما المحتلة و لجوء الدول العربية المتضامنة  للحضرالنفطي ضد الولايات المتحدة ان العالم العربي سيجر تباعا الى نوع من الحرب الاقتصادية مع الكتلة الغربية مجتمعة خاصة وان هذا الصراع أعاد الى واجهة الاحداث قضايا التحرر من الاستعمار فضلا عن قضية استغلال البلدان الغربية الفاحش لثروات العالم الثالث وللثروات البترولية العربية بأسعار زهيدة مقابل تعهدات بتوفير الحماية للبلدان المعنية او دعم قادتها للاستمرار في السلطة.

والملاحظ ان أسعار الطاقة المتدنية تكتسي أهمية حيوية بالنسبة لتنافسية الصناعات الاستراتيجية ذات الطاقات الإنتاجية العابرة للحدود والمحتكرة عادة من قبل الشركات الغربية المتعددة الأطراف التي تؤثر بقوة في دوائر القرار بالولايات المتحدة وفي الدول الغربية لدفعها باتجاه فرض منظومة اقتصاد السوق والعولمة التجارية غير العادلة كإطار وحيد لتنظيم العلاقات التجارية الدولية سيما وان هذا الصنف من الصناعات (سيارات طائرات، أسلحة، زراعات كبرى، ادوية ….) يحتاج حتما للأسواق العالمية ولا يمكنه الاستمرار بدونها.

وهذا هو الإطار الذي جاء فيه احداث مجموعة السبع سنة 1975 بمبادرة فرنسية، وقد اعتبرت هذه الخطوة من عديد المختصين كبداية النهاية للدولة الوطنية وما يتصل بها من مفاهيم السيادة والديمقراطية واستقلالية القرار وهو ما تأكد لا حقا خاصة في ظل الأحادية القطبية وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وما ترتب عنه من تهميش لدور الأمم المتحدة واستفراد الولايات المتحدة والكتلة الغربية بالريادة في ادرة العلاقات الاقتصادية والتجارية  الدولية وكذلك الملفات السياسية الكبرى وفقا لمصالحها.

وعلى الصعيد المؤسساتي ترجم هذا التحول باحداث المنظمة العالمية للتجارة و تحول المجموعة الاقتصادية الأوروبية الى اتحاد أوروبي بهياكله وعملته وسلطاته التنفيذية والتشريعية القادرة على فرض قواعد عمل مشتركة ملزمة للدول الأعضاء. وتزامن كل ذلك مع بروز مفاهيم جديدة من قبيل الحكومة العالمية المرتبطة بالعقيدة الدبلوماسية الجديدة لمجموعة السبع وللاتحاد الأوروبي وهي قائمة على التمدد باتجاه شرق أوروبا و “الادماج” القسري للمناطق المجاورة بجنوب المتوسط من خلال سياسة الجوار والشراكة وتوسيع   “التبادل الحر” غير المتكافئ من خلال الآليكا.

ورغم وصول الأوضاع الاقتصادية الى طريق مسدود محليا وعالميا نتيجة ازمة العولمة المندلعة منذ 2018 وما افرزته من  معادلة جغراسياسية جديدة جراء الانتفاضات العربية و عودة الحرب الباردة و تصدع مجموعة السبع بسبب عودة الولايات المتحدة الى الحمائية التجارية، فان تونس، المعرضة اليوم لمخاطر تستهدف كيان الدولة التونسية،  لم تقم بالمراجعات الضرورية لهذه السياسات التي تتطلب كخطوة أولى قرارات سيادية باتجاه تنقية الاطار الاستراتيجي و القانوني المنظم لعلاقاتها مع فرنسا  و مع مجموعة السبع و الاتحاد الأوروبي على الصعيدين الثنائي و المتعدد الأطراف وهو ما سنتطرق اليه في مقالات لاحقة.

 

صدر بالعدد الأخير من أسبوعية “الشارع المغاربي”

بقلم   احمد بن مصطفى سفير سابقو باحث في القضايا الدبلوماسية و الاستراتيجية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                       

 

     


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING