الشارع المغاربي – المأزق السياسي والدستوري المفتعل بتونس: خطر داهم على الديمقراطية / بقلم احمد بن مصطفى

المأزق السياسي والدستوري المفتعل بتونس: خطر داهم على الديمقراطية / بقلم احمد بن مصطفى

12 يوليو، 2019

الشارع المغاربي : الوعكة الصحية الحادة التي تعرض لها مؤخرا رئيس الجمهورية، وما رافقها من مناورات ومساع غير بريئة منسوبة الى كتل وازنة من داخل مجلس نواب الشعب لتوظيف الدستور او تطويعه لصالح احدى الأطراف المتصارعة على الحكم في اعلى هرم السلطة، كشف عن عمق المأزق السياسي والمؤسساتي المفتعل بتونس الذي لا يعزى الى عيوب خلقية في النص الدستوري مثلما تروج الى ذلك الأطراف التي ما افكت تدعو الى تنقيحه او حتى استبداله بقدر ما هو نتيجة الممارسات الممنهجة للقوى المناهضة للثورة التي سعت جاهدة الى تعطيل المسار التأسيسي للجمهورية الثانية و الحيلولة دون تفعيل الدستور الجديد على ارض الواقع خدمة لمخططات مشبوهة غير معلنة تتقاطع في أهدافها مع الجهات الخارجة الساعية منذ البداية الى التحكم في خيوط اللعبة في تونس وفقا لمصالحها.

في الواقع هذه الأطراف كانت معنية أساسا باحتكار السلطة و بضمان استمرار السياسات الاقتصادية للنظام السابق المرتبطة باتفاقيات التبادل الحر غير العادلة المبرمة مع الاتحاد الأوروبي واتفاقيات التعاون المختلة التي تسمح لفرنسا و شركائها بالاستغلال الفاحش دون رقيب ولا حسيب لثرواتنا الوطنية مما جعلها تتدخل مباشرة للتأثير في مضامين الدستور عندما اتضح لها ان هناك نزعة استقلالية وطنية تسعى من داخل المجلس الوطني التأسيسي لتضمين الدستور توجهات اقتصادية واجتماعية جديدة تراعي مقتضيات السيادة الوطنية وتعمل على تغليب المصالح العليا للشعب التونسي.

الكل يتذكر في هذا الصدد، الجدل الواسع الذي اثاره الفصل 13 من الدستور بعد فشل المساعي المحمومة المبذولة للحيلولة دون اعتماده بحجة انه سيقلص من جاذبية تونس في مجال استقطاب الاستثمارات الخارجية البترولية والطاقية. ومنذ ذلك الحين انطلق التحامل على الدستور وبرزت، صلب الدوائر الحكومية الرسمية المتقاطعة مع أوساط المال والاعمال القريبة من الخارج ومن النظام السابق، دعوات صريحة لمراجعة الدستور وإعادة النظر فيه استنادا لحجج واهية من بينها انه اقر نظاما سياسيا هجينا وتوزيعا غير متوازن للسلطات في اعلى مستوى القرار معطل لدواليب الدولة لكونه لا يسمح بنجاعة العمل الحكومي.
هذه الادعاءات كان يمكن ان يكون لها أساس منطقي لو انها صدرت بعد فترة زمنية معقولة لممارسة فعلية للسلطة بناء على الدستور الجديد حتى يتسنى الوقوف على ثغراته ونقاط الضعف فيه، لكنه اتضح ان الحكومة المؤقتة التي تسلمت السلطة برئاسة المهدي جمعة بعد اعتماد الدستور و كذلك الحكومات التي تلتها بعد الانتخابات التشريعية و الرئاسية، تعمدت ان تتجاهل التوجهات الاستراتيجية للدستور في المجالات الاقتصادية والسيادية و المؤسساتية وذلك خضوعا للضغوط الأوروبية الغربية التي نجحت في فرض أولوياتها من خلال القروض المشروطة لصندوق النقد الدولي و المؤسسات المالية الدولية.

وفي الواقع ان التاريخ الدستوري التونسي الذي يعود الى القرن التاسع عشر حافل بمثل هذه المواقف المتخاذلة للحكام الذين بدا واضحا ان اولوياتهم تنحصر في الحفاظ على السلطة الوهمية والمحدودة المسموح بها من قبل القوى المهيمنة وهو ما يتماشى مع رغبات فرنسا التي كانت تفضل التعامل مع حكام ضعفاء وطائعين يسهل ابتزازهم والتحكم فيهم مما دفعها لعرقلة الإصلاحات المؤسساتية التي جاء بها اول دستور تونسي تم اقراره سنة 1861. وهذا ما يفسر تشجعها للحكم الفردي والنزعة التسلطية للبايات في الايالة التونسية خدمة لنواياها الاستعمارية في تلك الظرفية الدقيقة من تاريخ تونس وهو ما يفسر تدخلها سنة 1864 لعرقلة اول تجربة لإقامة مملكة دستورية في العالم العربي.

ومن المهم ان نتأمل قليلا في تلك الحقبة لنقف على أوجه التشابه العديدة التي تجمعها بالمرحلة المفصلية الحالية في العلاقات بين تونس والضفة الشمالية للمتوسط.

 

فرنسا تتدخل لإيقاف العمل بالدستور التونسي لسنة 1861

بعد احتلالها للجزائر سنة 1830 تضاعف النفوذ الفرنسي بتونس والمنطقة حيث شرعت في تثبيت وجودها من خلال المعاهدة التونسية الفرنسية الموقعة بتاريخ 8 اوت 1830 المتميزة بشروطها واملاءاتها المجحفة وهي الأولى من نوعها اذ تم تحريرها عن قصد باللغة العربية وهي ممضاة من قبل الباي حسين 2 الملقب بملك افريقيا تكريسا “لاستقلاليته” إزاء الإمبراطورية العثمانية. غير ان هذه الاستقلالية كانت مزيفة لأنه قبل بموجب المعاهدة بالخضوع لهيمنة فرنسية اشد وطأة تقيد حرية حركة الايالة التونسية بشكل كبير خاصة في مجال التشريع وسن القوانين التجارية.
وكانت هذه المعاهدة المقدمة التي مهدت السبيل لتكريس هيمنة فرنسية متصاعدة على تونس تحولت الى شبه وصاية وتجسدت في مرحلة أولى في ارغام إمحمد باي تحت التهديد العسكري الفرنسي البريطاني المزدوج على توقيع “عهد الأمان” وهو في الظاهر خطوة إيجابية لصالح التونسيين والمقيمين الاجانب من حيث انه اعلان لحقوق الانسان شبيه بالإصلاحات التي سبق اعتمادها بتركيا. ولكن المتمعن في مضامينه يدرك جيدا ان اهافه الحقيقية كانت، مثلما هو الحال اليوم بالنسبة للآليكا، تقنين الهيمنة الفعلية المطلقة التي كانت تمارسها الجالية الفرنسية والأوروبية عموما على الأنشطة الاقتصادية وخاصة منها التجارة الخارجية التي كانت شبة محتكرة من قبل التجار الفرنسيين. ومن المكاسب الكبرى التي تحققت للجالية الأوروبية بموجب عهد الأمان هو الحق في ملكية العقارات الذي فتح المجال للغزو الأوروبي للأراضي الفلاحية مثلما ساهمت منظومة الامتيازات الخاصة بالأجانب للأوروبيين باكتساح قطاع التجارة الداخلية والخارجية ثم الهيمنة عليه.
هذا ومنح عهد الأمان للجالية الأوروبية أيضا الحق في ممارسة كافة الأنشطة الإنتاجية الصناعية والزراعية الى جانب قطاع الخدمات مع الإشارة الى أوجه التشابه الكبيرة بين هذه المعاهدة واتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق المثير للجدل الذي يسعى الاتحاد الأوروبي اليوم لفرضه على تونس مستغلا ضعف موقفها التفاوضي الناجم عن انهيار أوضاعها الاقتصادية والمالية وانفلات مديونيتها وتفاقم تبعيتها إزاء أوروبا مما يجعلها غير قادرة على الدفاع عن مصالح تونس او الصمود امام الضغوط الأوروبية الغربية التي تدفع باتجاه اعطاء الأفضلية لهذا الاتفاق و ادراجه ضمن الأولويات الاستراتيجية بالنسبة للجانبين بعنوان 2019 وهو ما تم اقراره و العمل به فعليا من خلال ادراج الآليكا بالقوانين التونسية و جعلها امرا واقعا.
وتجدر الإشارة الى ان عهد الأمان كان منطلقا لحركة إصلاحية شاملة ومتعددة الجوانب كانت تهدف لتضمين الحقوق الواردة بعهد الأمان من خلال بناء مؤسساتي تجسد في دستور 1861 الذي يعتبر حسب المؤرخ عزالدين قلوز “ثورة حقيقية” من حيث انه يحدث لأول مرة في دولة عربية ملكية دستورية تضع حدا الى الحكم الفردي وتخضع فيها سلطات الباي الى رقابة سلطة تشريعية وهو المجلس الأعلى القادر على اقالته. لكن التجربة عانت على الصعيد الداخلي من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة ومحدودية الإمكانيات الضرورية لإرساء المؤسسات فضلا عن ضعف شخصية محمد الصادق باي الخاضع لتأثيرات الوزير مصطفى خزندار المتحكم الفعلي في السلطة التنفيذية وهو المعروف بفساده ورغبته في الحفاظ على صلاحياته وامتيازاته وفي التحكم في مسار الإصلاحات وحجمها فضلا عن مناوراته لعرقلة المصلح خيرالدين الذي كان يرأس السلطة التشريعية مما أدى في النهاية الى استقالته.
اما على الصعيد الخارجي فقد كانت فرنسا غير مرتاحة لتقدم المسار الإصلاحي والمؤسساتي وخروجه عن سيطرتها مما دفعها للضغط على الباي الذي تلقى عبر القنصل الفرنسي رسالة تحذير من نابوليون الثالث تدعوه الى وقف العمل بالدستور وهو ما حصل بالفعل سنة 1864. ويعزى هذا الموقف حسب المؤرخ الحبيب بولعراس الى رغبة فرنسا في استمرار الحكم الفردي للباى الذي يسهل التحكم فيه خاصة في تلك الفترة المفصلية التي كان يستعد فيها الاستعمار الفرنسي للانقضاض على تونس سيما وأن فرنسا كانت قد حققت مبتغاها من خلال عهد الأمان الذي ضمن حقوق الأقليات الأوروبية المقيمة بالايالة التونسية.

 

كيف تم الالتفاف على دستور الجمهورية الثانية الصادر في 27 جانفي 2014

هذا الدستور يتميز بعدة خصائص قياسا بدستور 1959 سيما في مجال إقرار الحريات الأساسية وتقييد إمكانية انتهاكها او المساس بها وكذلك تضمينه للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإدراجه لمفاهيم السيادة الوطنية واستقلالية القرار الوطني والدور المحوري للدولة في الحفاظ على الثروات الطبيعية باعتبارها ملك للشعب التونسي تمارس الدولة السيادة عليه باسمه. كما يلزم الفصل العاشر من الدستور الدولة بحسن التصرف في المال العمومي وصرفه حسب أولويات الاقتصاد الوطني ومنع الفساد وكل ما من شانه المساس بالسيادة الوطنية.
هذا ويحيي الدستور الدور الاقتصادي للدولة في وضع الاستراتيجيات والسياسات الاقتصادية الكفيلة بإعادة توزيع الثروات والأدوار الاقتصادية بين الجهات والفئات الاجتماعية بما يؤدي ” الى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات استنادا الى مؤشرات التنمية واعتمادا على مبدا التمييز الإيجابي. كما تعمل الدولة على الاستغلال الرشيد للثروات الوطنية”. ولضمان التزام الدولة بهذه الواجبات يقر الدستور مبدا الفصل بين السلطات واستقلالية السلطة القضائية كما يضع حدا للنظام “الرئاسوي” ويعيد توزيع السلطات التنفيذية العليا لصالح رئاسة الحكومة مع الإبقاء على صلاحيات هامة لرئيس الجمهورية في المجالات السيادية والأمنية والاستراتيجية وأيضا الاقتصادية بحكم ارتباطها الوثيق بالسياسة الخارجية وبالاتفاقيات الدولية.
ويكتسي البند الثامن من الدستور أهمية قصوى باعتباره “الشباب قوة فاعلة في بناء الوطن” وجعله العامود الفقري لمنوال تنموي جديد يلزم الدولة بتوفير الظروف الكفيلة ” بتنمية قدرات الشباب وتفعيل طاقاتهوتحميله المسؤوليةوتوسيع اسهامه في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية”.
وتشكل الهيئات الدستورية المستقلة من اهم الآليات التعديلية الجديدة الضامنة لاحترام السلطة التنفيذية والتشريعية لمقتضيات الدستور وكان من المفترض ان يقع الإسراع بوضعها و تيسير مهامها في الآجال الدستورية وهو ما لم يحصل بالنسبة للمحكمة الدستورية و هيئة الاتصال السمعي و البصري، و هيئة حقوق الانسان و هيئة التنمية المستدامة و حقوق الأجيال القادمة و هيئة الحوكمة الرشيدة و و مكافحة الفساد مما أدى عمليا الى شل الدستور و عدم الالتزام ببنودة الأساسية في كافة المجالات الهامة و الحيوية المرتبطة بصلاحياتها الدستورية المتمثلة في “دعم الديمقراطية”.
وهكذا يتضح ان الأوضاع الاقتصادية والسياسية والمؤسساتية المنهارة بتونس تعزى الى عدم تقيد الطبقة الحاكمة منذ 2014 ببنود الدستور وليس الى خلل في توزيع السلطات كما تروج الى ذلك عديد الأطراف من داخل منظومة الحكم لتبرير تقاعسها في تفعيل الدستور وطلباتها المتكررة لتعديله او حتى إعادة النظر فيه مع الإشارة الى بعض السياسيين والمختصين من خارج السلطة الذين تبنوا نفس هذا الموقف.
وفي المقابل ثمن العديد من المختصين المكاسب “الثورية ” الكبرى لدستور الجمهورية الثانية وعاينوا في دراسات ومحاضرات الخرقات العديدة والخطيرة التي اقترفتها السلط الحاكمة بكافة أركانها مما ادى فعليا الى ضرب المسار الديمقراطي والبناء المؤسساتي وتعريض امن تونس ومصالحها ومستقبلها للخطر الداهم من الأطراف الخارجية وخاصة الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى التي فتح لها المجال لاستباحة السيادة الوطنية وبسط هيمنتها المطلقة على تونس و مزيد تكبيلها و مصادرة استقلالها من خلال اغراقها بالمديونية القذرة و الاتفاقيات غير المتكافئة و منها خاصة الأليكا.

ملاحظات و استخلاصات
لا شك ان دستور الجمهورية الثانية ليس مثاليا و لكنه لا يجوز تحميله مسؤولية التدهور غير المسبوق للأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية فضلا عن تعفن المشهد السياسي و تنامي المخاطر الجمة المحدقة بتونس و بكيان الدولة بل ان الالتزام به في حدوده الدنيا وفي اطار التقيد بالحد الأدنى من الاخلاقيات السياسية، كان من شانه ان يجنبنا المأزق السياسي الحالي المفتعل بقصد التشويش و تجنب تحمل الطبقة الحاكمة مسؤولية الحصيلة الكارثية لحكمها امام الناخبين مما يهدد بإجهاض الانتقال الديمقراطي و القضاء على آخر الفرص المتاحة لإنقاذ البلاد و الديمقراطية التونسية الناشئة من خلال التداول السلمي على السلطة بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
ولمواجهة هذه المناورات غير المسؤولة وغير البريئة يجدر بالقوى الوطنية ان تتمسك بإجراء الانتخابات في موعدها وان تعملعلى إعادة الكلمة الفصل للشعب التونسي في تقرير مصيره وفي نحت مستقبله استنادا الى الدستور الجديد الذي يمكن ان يكون الإطار الملائم لبلورة مشروع مجتمعي ديمقراطي تونسي اصيل ومنوال جديدوحقيقي للتنمية قوامه احياء الدولة الوطنية التونسية المستقلة واسترداد سيادة القرار الوطني في رسم السياسات وسن الخيارات الاستراتيجية الكبرى بما يتناسب مع واقعنا ومتطلباتنا التنمويةومصالح تونس العليا.

صدر باسبوعية “الشارع المغاربي” في عددها الأخير.

 


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING