الشارع المغاربي – تونسيون يفرّون فرادى وجماعات من بلد لم يعودوا يثقون في مستقبله : "الحرقة" تبلغ حجما مخيفا لـم يسبق له مثيل!

تونسيون يفرّون فرادى وجماعات من بلد لم يعودوا يثقون في مستقبله : “الحرقة” تبلغ حجما مخيفا لـم يسبق له مثيل!

قسم الأخبار

10 سبتمبر، 2022

الشارع المغاربي-محمد الجلالي: في دولة الإحباط العام واللامبالاة الرسمية بشواغل الناس على مدى سنوات وحتى عقود أضحت كل السبل البحرية والبرية والجوية تؤدي إلى مدينة روما وأخواتها الأوروبية وبات شعب المهاجرين في مهب امواج هجرة “قسرية” لم تعد تراود عموم الشباب الحالم بجنة موعودة على الضفة الاخرى من البحر المتوسط وانما مبتغى كل الفئات.

مواكب “المهاجرين” فرادى وجماعات غدت تطالعنا في بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي حاملة أخبار عائلات بأسرها تركب قوارب “الحرقة” أو أحداث وقاصرات تتلاطمهم أمواج الموت أو موظفين سامين يقصدون عواصم دول الاتحاد الأوروبي مصحوبين بتأشيرات عبور قانونية قبل ان يعودوا أدراجهم تاركين وراءهم ابناءهم على أعتاب مراكز الإيواء وبراثن عصابات المخدرات والجريمة المنظمة.

شعب “المهاجرين” الفارين من دولة “أنصار الفساد” والمتلاعبين بقوت الشعب وأحلامه ومستقبله ابتدع في الآونة الأخيرة مسالك جديدة نحو فضاء “شنغن” الأوروبي مستأنسا بمقولة حنبعل “إذا لم نجد طريق النجاح فعلينا ان نبتكره” وغيّر بوصلته نحو شرق اوروبا كبوابة جديدة وتأشيرة مستحدثة نحو دول الاتحاد مستعينا بشبكات تهريب عابرة للحدود مقابل عشرات المليارات يجنيها مهربون بهويات مغاربية وشرق اوسطية وحتى أوروبية.

في الأثناء تتعمق مآسي الغارقين والمفقودين في المتوسط الذي تحول إلى مقبرة بحرية ويتزايد اعداد المشردين في شوارع المدن الاوروبية وحدائقها العامة وترتفع اصوات ضحايا عصابات الاتجار بالبشر التي تفرض إتاوات تتراوح بين 5 آلاف و20 ألف دينارعن كل شخص تهربه من الحدود الصربية نحو النرويج او النمسا او فرنسا قبل ان يكتشفوا انهم سُلبوا كل وثائقهم الثبوتية بما فيها جوازات سفرهم مقابل صمت وزارة الخارجية واكتفاء تمثيلياتها الدبلوماسية باللامبالاة.

قوافل العائلات المهاجرة

خلال لقائين متتاليين بشخصين ينتميان الى صفوة المجتمع ومترفيه عبّر لي كلاهما عن رغبته في الهجرة رغم ان موضوعي المقابلتين كانا بعيدين عن “الحرقة”. أما الاول فهو مدير على أبواب التقاعد من وزارة المالية لم يمنعه وضعه الاجتماعي والمالي من الإفصاح عن بحثه الجدي عن “خيط” يمكّن ابنيه الحاصلين عن شهائد جامعية عليا من اجتياز الحدود نحو بلد آخر لتأمين مستقبليهما. وأما الثاني فهو رجل أعمال في غنى عن اية ضائقة مالية أسرّ لي بانه بات يفكر جديا في ترك استثماراته وعائداته للتحول إلى كندا استجابة لعرض عمل وافد عليه مؤخرا بدعوى ان مستقبل ابنائه بتونس بات ضبابيا وغير مطمئن. هذا حال اثنين ممن ينتمون إلى أعلى هرم في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي فما بالك ببقية مكونات الشعب؟

قرار مغادرة البلاد اصبح قاسما مشتركا بين اغلب الفئات وحلما يراود المسحوقين والاغنياء وكبار السن والاطفال والرجال والنساء والعاطلين عن العمل والموظفين على حد السواء بل تحول الى مشروع عائلي تتجند له كل مكونات الاسرة.

وأظهرت دراسة انجزها مؤخرا المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ان 26 % من العائلات التونسية تفكر في الهجرة بشكل دائم.

من جهته اكد رمضان بن عمر منسق ملف الهجرة بالمنتدى في تصريح اعلامي الاسبوع الماضي ان حوالي 500 عائلة بلغت السواحل الايطالية في الاونة الاخيرة وان الارقام اخذت منحى تصاعديا منذ سنة 2020 نتيجة انتشار جائحة كوفيد 19 مبرزا أن أكثر من 11 ألف مهاجر غير نظامي حطوا الرحال بنفس السواحل بين جانفي واوت 2022 وان اكثر من 24 ألف “حارق” كانوا بلغوا المدن الساحلية الايطالية  بين 2020 و2021.

بن عمر أفاد أيضا ان شهر اوت كان شهر “الحرقة” بامتياز خلال السنوات الثلاث الاخيرة بأكثر من 4 آلاف مهاجر غير نظامي التحقوا بايطاليا عبر البحر لافتا الى ان هذه الارقام هي ما يتم الاعلان عنه والى ان العدد الجملي يتجاوز ذلك بكثير.

على موقع التواصل الاجتماعي أصبحت الحرقة البحرية للعائلات مشهدا يوميا. يغادر التونسيون فرادى وجماعات سواحل تونس في شكل قوافل من القوارب. ويتم توثيق الرحلات على المباشر بأكثر من صفحة فايسبوكية. مواكب هجرة غير نظامية امتزجت فيها دموع المهاجرين بالامواج العاتية على ايقاعات موسيقى شعبية تجمع بين الزكرة والمزود والطبول وعلت فيها اهازيج باحثين عن لجوء في الخارج وكأنهم فارين من ساحات حرب.

قال ثامر وهو رب عائلة مكونة من زوجة وطفلين في تصريح لأسبوعية “الشارع المغاربي” من داخل احد مراكز الايواء بايطاليا: “بعد أن سحقنا الاحباط وانسدت امامنا كل افاق العيش الكريم بعت سيارتي ورهنت مصوغ زوجتي واستلفت مبلغا اضافيا من جاري حتى اؤمن لكل اسرتي وحتى كلبي ثمن “الحرقة” صحبة عائلات اخرى… في عرض البحر التقطنا مقاطع فيديو وصورا ارسلناها لاهاليانا ولناشط تونسي بايطاليا حتى يتم تعقب اخبارنا خلال رحلتنا المحفوفة بالمخاطر.

ثامر أكد ان اغلب العائلات التي تقاسمت الرحلة مع أسرته الى لمبادوزا غادرت مراكز الايواء على امل التحول من جنوب ايطاليا الى شمالها وان ذلك تسبب في مواجهتها مشاكل جمة من بينها رفض السلطات ايواءها مرة اخرى مبرزا ان ذلك دفعها لافتراش العشب في حدائق عمومية وتسبب فقدان ابنائها الاحداث بعد ما نُقلوا الى محاضن عمومية بعيدا عن والديهم.

في هذا السياق فسّر مجدي الكرباعي النائب السابق بالبرلمان المُحل والناشط في مجال الهجرة توجه التونسيين الى “الحرقة العائلية” بسعيهم الى تفادي الترحيل ملاحظا ان القانون الايطالي يسمح بالاحتفاظ بالعائلات في مراكز ايواء جماعية وان ذلك يدوم سنة كاملة قبل تسوية وضعياتها القانونية.

الكرباعي أشار من جهة أخرى الى ان عديد العائلات تفضل مغادرة مراكز الايواء على امل اللجوء الى احد الاقارب او المعارف بالشمال الايطالي او الانضمام الى مركز ايواء بروما او ميلانو والى ان ذلك يواجه برفض السلطات التي قال انها تعيش على وقع حالة طوارىء في ملف الهجرة.

ووصف الكرباعي اوضاع المهاجرين غير النظاميين في ايطاليا بالكارثية لافتا الى ان روما رحّلت في 2021 اكثر من 2000 تونسي والى أن ذلك ينضاف الى ارتفاع عدد المفقودين في عرض البحر والمودعين في السجون والمشردين في الشوارع.

وآضاف” للاسف تغيّر تعاطي السفارة والقنصليات التونسية مع مشاكل المهاجرين المتفاقمة منذ اتخاذ رئيس الجمهورية اجراءات 25 جويلية 2021 بل لمست شخصيا انها اصبحت ترفض التعامل معي في حل اشكالات عدد من المهاجرين والغريب ان بعض قنصلياتنا بايطاليا تشتغل بلا قناصل والحال ان هذا البلد هو الشريك الاقتصادي الاول لتونس على خلاف وزارتي العدل والداخلية الايطاليتين اللتين عادة ما تتفاعلان في نفس اليوم مع كل استفسار اوجهه لهما”.

الكرباعي تطرق الى ظاهرة جديدة قال انها بصدد الاستشراء في صفوف المهاجرين ملاحظا انه عاين في اكثر من مناسبة اصطحاب موظفين سامين ابناءهم الى التراب الايطالي قبل ان يعودوا الى تونس تاركين فلذات اكبادهم امام مراكز الايواء للتمتع بالرعاية وتسوية وضعياتهم.

“الشارع المغاربي” اتصلت هاتفيا بوزارة الشؤون الخارجية وبعثت اليها بريدا الكترونيا للاستفسار عن موقفها من تصاعد موجات الهجرة غير النظامية وعن التدابير المتخذة لمواجهة مشاكل المهاجرين المتزايدة لكنها لم تتلق أية اجابة الى حدود نشر هذا المقال.

في المقابل تجند عدد من المهاجرين التونسيين المقيمين بطرق قانونية في دول الاتحاد الاوروبي للانصات لشواغل “اخوتهم الحارقين” مشكلين شبكة من المراسلين في اكثر من عاصمة اوروبية لنشر استغاثات المهاجرين على “فايسبوك” ولعب دور همزة وصل بينهم  وعائلاتهم وتقديم النصح للمشردين والحالمين بالهجرة.

من بين هؤلاء برزت صفحة مهاجر تونسي بايطاليا يدعى ميمو بن الطيب الذي ما فتئ ينشر عشرات مقاطع الفيديو الموثقة من قبل مهاجرين في مراكز الاحتجاز والايواء وخلال  “الحرقة” وعند بلوغ السواحل الايطالية مستغلا علاقاته ومعارفه لمساعدة بعض المهاجرين المشردين.

من بين ما نشرت الصفحة مقطع فيديو قال فيه مهاجر انه دفع 9 آلاف دينار ثمن “الحرقة” من صفاقس إلى ايطاليا وانه وجد نفسه “يسكن” بإحدى الحدائق العمومية بلا أكل ولا شرب ولا جواز سفر مشددا على انه أراد العودة إلى تونس وعلى انه اتصل بالقنصلية لمساعدته مبرزا ان الاجابة كانت “اذا كنت بلا جواز سفر لا يمكن لنا مساعدتك”.

ويظهر في فيديو آخر أب يتحدث عما تعرضت له عائلته في ايطاليا بعد ان تم ايداع افرادها بمركز ايواء في لمبادوزا ثم بمخيم مؤكدا انه تعرض الى التحيل ولمحاولة افتكاك زوجته منه من قبل مافيا مختصة في ترويج المخدرات وسرقة السيارات.

الاب ذكر في الفيديو ان عناصر المافيا التي قال ان مديرة المخيم تشرف عليها اقترحوا عليه العمل معهم وانهم حاولوا مراودة زوجته عن نفسها لافتا الى انه حين تقدم بشكاية الى الشرطة الايطالية بمدينة فكتوريا افتكوا منه ابناءه لايوائهم في مدينة لوغوستا التي تبعد 200 كلم عن مكان اقامته.

الطريق عبر صربيا

صربيا هي وجهة اخرى ابتكرها التونسيون لبلوغ فضاء شنغن. يكفي اقتطاع تذكرة الى تركيا ثم التحليق نحو بلغراد وقبل ذلك الاتصال باحدى شبكات التهريب العابرة للبلدان وحتى القارات للاتفاق على ثمن “الحرقة” من صريبا الى المجر او الى النمسا أو الى فرنسا.

“الكزاوي” (ومعناها اصيل كازابلانكا بالمغرب) هو احد كبار المهربين على الحدود الاوروبية. ذاع صيته بين التونسيين وارتفعت اسهمه في صفوف الحالمين بـ “جنة أوروبية موعودة”.

“الشارع المغاربي” بحثت عن “الكزاوي” في مواقع التواصل الاجتماعي فلم يطل تنقيبها كثيرا. المهرّب المغربي الاصل يملك صفحة على موقع “فايسبوك” بها 56 الف متابع وثلاثة ارقام هاتفية بمفاتيح اتصال مغربية.

يداوم المشرفون على الصفحة على نشر مقاطع فيديو توثّق عمليات تهريب آلاف المهاجرين يبدو من لهجاتهم انهم تونسيون شبان وفتيات وامهات مصحوبات بابنائهن. ويذكّر المشرفون على الصفحة بين الفينة والاخرى “معشر الحالمين بحرقة اكثر امنا من البحر” بارقام هواتف الشبكة.

اتصلت عبر احد الارقام بالكزاوي بدعوى البحث عن فرصة للهجرة الى فرنسا فاجابنا صوت بلهجة تونسية مقتضبة: مرحبا.. تفضل؟

بادرته بالسؤال: نحب نحرق مع الكزاوي… شنوة نعمل وبقدّاش؟

قال: “علّق التلفون تو نبعثلك التفاصيل في ارسالية على واتساب.

وفي الحين تلقيت ارسالية بلهجة مغربية مفادها ان:

– المساعدة على التنقل من صربيا عبر اجتياز احد الانهار ثم امتطاء وسائل نقل عمومية الى النمسا تتكلف 1500 أورو

– تامين رحلة برية من صربيا الى الحدود النمساوية يتكلف 3500 أورو

– تأمين رحلة من صربيا الى فرنسا يتكلف 6000 اورو

راسلت نفس الرقم متسائلا: وكيف يتم دفع الاموال؟ فكانت الاجابة ان الدفع يتم إما في تونس او بفرنسا ولكن بعد بلوغ صربيا.

عدنا الى صفحة المهرب على “فايسبوك” فعثرنا على قائمات اسمية منشورة منذ 25 اوت الماضي تتضمن أسماء 766 مهاجرا. ويبدو ان المهرب عادة ما ينشر الاسماء الثلاثية للمهاجرين الذين ساعدهم الكزاوي مؤخرا على بلوغ فضاء شنغن الاوروبي وانه يحثهم على الاتصال بارقام محددة للحصول على جوازات سفرهم ووثائقهم الشخصية التي يحتجزها بدعوى انها قد تتسبب في ترحيلهم الفوري في صورة ايقافهم على الحدود. تمعنا في الالقاب فاكتشفنا ان 759 منهم تونسيون وان من بينهم عائلات واطفال ونساء. وبدا من خلال تعاليق متكررة على مختلف منشورات الصفحة ان عديد المهاجرين لم يحصلوا على وثائقهم الشخصية بعد لجوئهم الى شبكة “الكزاوي” لمساعدتهم على الوصول الى بلدان الاتحاد الاوروبي.

بحثنا بفايسبوك اعتماد على قائمة الأسماء فحملتنا عملية التقصي الى شابين سافرا مؤخرا الى صربيا ثم اعتمدا على “الكزاوي” لبلوغ مدينة باريس الفرنسية. ابدى الأول تكتما شديدا نافيا بشكل قاطع اية صلة له بالمهرب المغربي، فيما كان الثاني اكثر وضوحا مشيرا الى انه تمكن من الهجرة بفضل حنكة المهرب المغربي مثله مثل مهربين آخرين في تحويل احلامه الى واقع ملموس.

 الشاب ذكر انه كان يعمل ميكانيكيا بتونس العاصمة وان عائدات المحل كانت بالكاد تكفيه للانفاق على والدته مبينا انه لجأ الى دفع آلاف الدنانير الى “الكزاوي” ليغير واقعه وينهض بأوضاعه الاقتصادية على حد تعبيره.

وكان احد شبان تطاوين قد أشار مؤخرا في مقال مطول نشره بموقع “الخط 30” الى تحول مسقط رأسه الى ما يشبه مدينة أشباح ذاكرا ان المهرب الكزاوي تمكن بين جانفي واوت 2022 من تهريب ما لا يقل عن 12 ألف شاب تطاويني الى دول الاتحاد الاوروبي.

هكذا اذن تلاقت عناصر نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية على فئات واسعة من التونسيين لتحول الهجرة الجماعية الى حل يلجؤون اليه رغم كل المخاطر والاهوال التي تحف به سواء خلال الرحلة او لدى وصولهم الى دول تعاني بدورها من مشاكل اقتصادية بينما بات حلم مهاجرين خرين ضمان عودة امنة الى بلدهم بعد ان انسدت امامهم كل الآفاق

نشر بأسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 6 سبتمبر 2022


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING