الشارع المغاربي – العلاقات‭ ‬التونسية‭ ‬الاوروبية‭ ‬الامريكية‭ ‬في‭ ‬مفترق‭ ‬الطرق/ بقلم: احمد بن مصطفى سفير سابق-مختص في العلاقات الدولية ‭ ‬

العلاقات‭ ‬التونسية‭ ‬الاوروبية‭ ‬الامريكية‭ ‬في‭ ‬مفترق‭ ‬الطرق/ بقلم: احمد بن مصطفى سفير سابق-مختص في العلاقات الدولية ‭ ‬

قسم الأخبار

18 يوليو، 2023

الشارع المغاربي: تمر‭ ‬العلاقات‭ ‬التونسية‭ ‬الاوروبية‭ ‬الامريكية‭ ‬منذ‭ ‬انطلاق‭ ‬مسار‭ ‬25‭ ‬جويلية‭ ‬بمرحلة‭ ‬من‭ ‬الشد‭ ‬والجذب‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬طابع‭ ‬التوتر‭ ‬والتقلبات‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬المواقف‭ ‬النقدية‭ ‬الغربية‭ ‬الموجهة‭ ‬للسلطة‭ ‬الحاكمة‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬التغييرات‭ ‬الجذرية‭ ‬التي‭ ‬ادخلت‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬الحكم‭ ‬باتجاه‭ ‬ارساء‭ ‬نظام‭ ‬رئاسوي‭ ‬اعتبرت‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬انه‭ ‬ادى‭ ‬الى‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬المكاسب‭ ‬الديمقراطية‭ ‬مثلما‭ ‬ادى‭ ‬الى‭ ‬تعثر‭ ‬برامج‭ “‬الإصلاحات‭” ‬المتفق‭ ‬عليها،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬بعد‭ ‬الثورة،‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوروبي‭ ‬ومجموعة‭ ‬السبع‭ ‬دول‭ ‬صناعية‭ ‬كبرى‭ ‬عبر‭ ‬آلياتها‭ ‬واذرعها‭ ‬المالية‭ ‬ومنها‭ ‬خاصة‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬اعلن‭ ‬منذ‭ ‬شهر‭ ‬اكتوبر‭ ‬2022‭ ‬عن‭ ‬التوصل‭ ‬معه‭ ‬الى‭ ‬اتفاق‭ ‬تمويلات‭ ‬بقيمة‭ ‬1‭.‬9‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬لم‭ ‬يشرع‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬تنفيذه‭.‬

ويعتبر‭ ‬الجانب‭ ‬الغربي‭ ‬ان‭ ‬تونس‭ ‬مخلة‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬ازاء‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التضارب‭ ‬بين‭ ‬موقف‭ ‬الحكومة‭ ‬ومواقف‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬وكأنه‭ ‬تراجع‭ ‬ضمنيا‭ ‬عن‭ ‬بنود‭ ‬الاتفاق‭ ‬المتعلقة‭ ‬برفع‭ ‬الدعم‭ ‬والزيادة‭ ‬في‭ ‬الاسعار‭ ‬ومآسسة‭ ‬المديونية‭  ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستشف‭ ‬من‭ ‬تصريحاته‭ ‬المتكررة‭ ‬الرافضة‭ ‬للامتلاءات‭ ‬والمطالبة‭ ‬بإدخال‭ ‬تعديلات‭ ‬تراعي‭ ‬خصوصيات‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الاوضاع‭ ‬الداخلية‭ ‬بتونس‭.‬و‭ ‬نشير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬الى‭  ‬آخر‭ ‬التصريحات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬محافظ‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬ومفادها‭ ‬ان‭ ‬العمل‭ ‬جار‭ ‬للتوصل‭ ‬الى‭ “‬اتفاق‭ ‬عادل‭” ‬مع‭  ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬يراعي‭ ‬اوضاع‭ ‬الفئات‭ ‬الهشة‭ ‬مضيفا‭ ‬ان‭ ‬برنامج‭ ‬العمل‭ ‬المبرم‭ ‬اخيرا‭ ‬مع‭  ‬البنك‭ ‬العالمي‭ ‬يراعي‭ ‬هذه‭ ‬المقتضيات‭.‬

اما‭ ‬بخصوص‭ ‬الخلافات‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬الاوروبي‭ ‬حول‭ ‬ملف‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظاميه،‭ ‬فإنها‭ ‬ظلت‭ ‬قائمة‭ ‬ومستفحلة‭  ‬بسبب‭  ‬الضغوط‭ ‬الاوروبية‭ ‬المكثفة‭ ‬المسلطة‭ ‬على‭ ‬تونس‭ ‬بهدف‭ ‬تحويلها‭ ‬الى‭ ‬مركز‭ ‬تجميع‭ ‬ودولة‭ ‬ايواء‭ ‬للمهاجرين‭ ‬الافارقة‭ ‬المرحلين‭ ‬من‭ ‬اوروبا‭ ‬تنفيذا‭ ‬لاتفاق‭ “‬شراكة‭ ‬التنقل‭” ‬الموقع‭ ‬سنة‭ ‬2014‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حكومة‭ ‬المهدي‭ ‬جمعة‭. ‬هذا‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭  ‬رغبة‭ ‬اوروبا‭ ‬في‭ ‬تحميل‭ ‬تونس‭ ‬اعباء‭ ‬اضافية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حراسة‭ ‬الحدود‭ ‬الاوروبية‭  ‬حتى‭ ‬يتسنى‭ ‬التحكم‭ ‬الكلي‭ ‬في‭ ‬موجات‭ ‬الهجرة‭ ‬التونسية‭ ‬الافريقية‭ ‬المتزايدة‭ ‬من‭ ‬السواحل‭ ‬التونسية‭ ‬باتجاه‭ ‬الضفة‭ ‬الشمالية‭ ‬للمتوسط‭ ‬وخاصة‭ ‬باتجاه‭ ‬ايطاليا‭ ‬التي‭ ‬تتحمل‭ ‬العبء‭ ‬الاكبر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التدفقات‭. ‬وبلغ‭ ‬التوتر‭ ‬ذروته‭ ‬في‭ ‬غمرة‭ ‬الحملة‭  ‬الاوروبية‭ ‬الغربية‭  ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬تصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬حول‭ ‬وجود‭ ‬مخططات‭ ‬تستهدف،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توطين‭ ‬الافارقة‭ ‬بتونس،‭ ‬تغيير‭ ‬تركيبتها‭ ‬الديمغرافية‭ ‬والمساس‭ ‬بهويتها‭ ‬العربية‭ ‬الاسلامية‭. ‬كما‭ ‬اعتبر‭ ‬الرئيس‭ ‬انه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزال‭ ‬قضية‭ ‬الهجرة‭ ‬السرية‭ ‬في‭ ‬الحلول‭ ‬الامنية‭ ‬مجددا،‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬المناسبات،‭ ‬رفضه‭ ‬لتحويل‭ ‬تونس‭ ‬الى‭ ‬حارس‭ ‬للحدود‭ ‬البحرية‭ ‬الاوروبية‭ ‬مقابل‭ ‬المساعدات‭ ‬المالية‭ ‬او‭ ‬تحويلها‭ ‬الى‭ ‬بلد‭ ‬لجوء‭ ‬وتوطين‭ ‬داعيا‭ ‬الى‭ ‬توخي‭  ‬مقاربة‭ ‬جديدة‭ ‬وشاملة‭ ‬تعالج‭ ‬الاسباب‭ ‬العميقة‭ ‬لظاهرة‭ ‬الهجرة‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنظيم‭ ‬ندوة‭ ‬دولية‭ ‬لهذا‭ ‬الغرض‭ ‬بمشاركة‭ ‬كافة‭ ‬الدول‭ ‬والاطراف‭ ‬الاوروبية‭ ‬والافريقية‭ ‬المعنية‭ ‬ليتحمل‭ ‬الجميع‭ ‬نصيبه‭ ‬من‭ ‬الاعباء‭ ‬والمسؤوليات‭.‬

ويبدو‭ ‬ان‭ ‬منسوب‭ ‬الاحتقان‭ ‬تراجع‭ ‬نسبيا‭ ‬منذ‭  ‬دخول‭ ‬ايطاليا‭ ‬على‭ ‬الخط‭ ‬وتدخل‭ ‬رئيسة‭ ‬الحكومة‭ ‬الايطالية‭ ‬للدفع‭ ‬باتجاه‭ ‬التهدئة‭ ‬ودعوتها‭ ‬لتقديم‭ ‬اوروبا‭ ‬مساعدة‭ ‬مالية‭  ‬لتونس‭  ‬غير‭ ‬مرتبطة‭ ‬ببرامج‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬وذلك‭ ‬حرصا‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬المساس‭ ‬باستقرارها‭ ‬والحيلولة‭ ‬دون‭ ‬انهيارها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يفضي‭ ‬الى‭ ‬خروج‭ ‬ظاهرة‭ ‬الهجرة‭ ‬باتجاه‭ ‬اوروبا‭ ‬عن‭ ‬السيطرة،‭ ‬وهكذا‭ ‬توقفت‭ ‬التصريحات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬بعض‭   ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬الامريكيين‭ ‬والاوروبيين‭ ‬المطالبة‭ ‬بعودة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الى‭ ‬تونس‭ ‬علما‭ ‬انها‭  ‬بلغت‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬حد‭ ‬التلويح‭ ‬بتسليط‭ ‬العقوبات‭ ‬وإيقاف‭ ‬المساعدات‭ ‬وربطها‭ ‬بشروط‭ ‬سياسية‭ ‬رفضتها‭ ‬تونس‭ ‬باعتبارها‭ ‬تدخلا‭ ‬في‭ ‬شؤوننا‭ ‬الداخلية‭.‬

خفايا‭ ‬التحرك‭ ‬الاوروبي‭ ‬ازاء‭ ‬تونس

وبذلك‭ ‬تهيأت‭ ‬الظروف‭ ‬لزيارة‭ ‬الوفد‭ ‬الاوروبي‭ ‬برئاسة‭ ‬رئيسة‭ ‬المفوضية‭ ‬الاوروبية‭ ‬اورسولا‭ ‬فاندرلاين‭ ‬الى‭ ‬تونس‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬للاتفاق‭ ‬على‭ ‬اعداد‭ ‬وثيقة‭ ‬اطارية‭ ‬مشتركة‭ ‬تؤسس‭ “‬لشراكة‭ ‬شاملة‭” ‬لا‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬ملف‭ ‬الهجرة‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬محاور‭  ‬اساسية‭ ‬اخرى‭ ‬ومنها‭ ‬الحوار‭ ‬السياسي‭ ‬والتعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتجاري‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬الانتقال‭ ‬الطاقي‭ ‬والتقارب‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭.‬و‭ ‬الملاحظ‭ ‬انه‭ ‬تم‭ ‬ارجاء‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬الوثيقة‭ ‬المشتركة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬عرضها‭ ‬على‭ ‬القمة‭ ‬الاوروبية‭ ‬المنعقدة‭ ‬ببروكسال‭ ‬اواخر‭ ‬شهر‭ ‬جوان‭ ‬المنقضي‭ ‬علما‭ ‬ان‭ ‬البيان‭ ‬الختامي‭ ‬للقمة‭ ‬سجل‭ ‬ارتياحه‭ ‬للتقدم‭ ‬الحاصل‭  ‬في‭ ‬اعداد‭ “‬حزمة‭ ‬الشراكة‭ ‬الشاملة‭”.‬و‭ ‬قد‭ ‬نقلت‭ ‬صحف‭ ‬تونسية‭   ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬من‭ ‬المفوضية‭ ‬الاوروبية‭ ‬ان‭ ‬تونس‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬طلبت‭ ‬التأجيل‭ ‬لمزيد‭ ‬الدراسة‭ ‬والتدقيق‭ ‬في‭ ‬مسودة‭ ‬الاتفاق‭ ‬الذي‭ ‬سيمهد‭ ‬لاستئناف‭ ‬الحوار‭ ‬والتعاون‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬التونسي‭ ‬والاوروبي‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬الآليات‭ ‬القائمة‭ ‬وخاصة‭ ‬منها‭ ‬مجلس‭ ‬الشراكة‭ ‬المعطل‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬والمزمع‭ ‬انعقاده‭ ‬اواخر‭ ‬السنة‭ ‬الجارية‭.‬

و‭ ‬بخصوص‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬جنوب‭ ‬المتوسط‭ ‬ورد‭ ‬بالبيان‭ ‬الختامي‭ ‬للقمة‭  ‬ان‭  ‬القادة‭ ‬الاوروبيين‭ ‬يؤيدون‭ ‬عودة‭ ‬الحوار‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬اتفاق‭ ‬الشراكة‭ ‬بين‭ ‬تونس‭ ‬والاتحاد‭ ‬الاوروبي‭ ‬مؤكدين‭ ‬على‭ ‬اهمية‭ ‬دعم‭ ‬وتطوير‭ ‬شراكات‭ ‬استراتيجية‭ ‬مماثلة‭ ‬مع‭ ‬الشركاء‭ ‬الآخرين‭ ‬لأوروبا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬واللافت‭ ‬ان‭ ‬القادة‭ ‬الاوروبيين‭ ‬لم‭ ‬يتوصلوا‭ ‬الى‭ ‬التغلب‭ ‬عن‭ ‬خلافاتهم‭ ‬الداخلية‭ ‬بخصوص‭ ‬تقاسم‭ ‬اعباء‭ ‬استقبال‭ ‬المهاجرين‭ ‬على‭ ‬اساس‭ ‬توزيع‭ ‬الحصص‭ ‬بسبب‭ ‬اعتراض‭ ‬بولونيا‭ ‬والمجر‭ ‬لكنهم‭ ‬يحرصون‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التوافق‭ ‬والبروز‭ ‬بموقف‭ ‬موحد‭ ‬وجماعي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬بلدان‭ ‬جنوب‭ ‬المتوسط‭ ‬والتعاطي‭ ‬معها،‭ ‬كل‭ ‬على‭ ‬حدة،‭  ‬ليتسنى‭ ‬اخضاعها‭ ‬لمشيئتها‭ ‬وتطويعها‭ ‬وحشرها‭ ‬في‭ ‬قوالب‭ ‬جاهزة‭ ‬لا‭ ‬تراعي‭ ‬مصالحها‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬مع‭ ‬تونس‭ ‬منذ‭ ‬الاستقلال‭ ‬وبعد‭ ‬الثورة‭.‬

وتجسد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬برامج‭ ‬القروض‭ ‬المشروطة‭ ‬والمسيسة‭ ‬المفروضة‭ ‬عبر‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬وكذلك‭ ‬اتفاقيات‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬والشراكة‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوروبي‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مضامينها‭ ‬تجارة‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬لتطال‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬دواليب‭ ‬السلطة‭ ‬والقطاعات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الانتاجية‭ ‬الصناعية‭ ‬والفلاحية‭ ‬مع‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬المالية‭   ‬وفي‭ ‬وظائف‭ ‬الدولة‭ ‬ومنها‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬وادارة‭  ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬والمؤسسات‭ ‬العمومية‭ ‬،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تعميم‭  ‬الخصخصة‭ ‬حتى‭ ‬في‭  ‬الانشطة‭ ‬السيادية‭ ‬وكذلك‭ ‬استغلال‭  ‬الثروات‭ ‬الوطنية‭ ‬المادية‭ ‬والبشرية‭ ‬وتحويل‭ ‬وجهتها‭ ‬لصالح‭ ‬اوروبا‭ ‬والغرب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التكنولوجيات‭ ‬الغربية‭ ‬وشركاتها‭ ‬المتعددة‭ ‬الاطراف‭ ‬التي‭ ‬تغطي‭ ‬استثماراتها‭ ‬بتونس‭ ‬كافة‭ ‬القطاعات‭ ‬الانتاجية‭ ‬والخدمية‭ ‬والتعليمية‭ ‬وغيرها‭.‬

وطيلة‭ ‬العشرية‭ ‬ألمنقضية‭ ‬تعودت‭ ‬الكتلة‭ ‬ألغربية‭ ‬ممثلة‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬السبع‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوروبي‭ ‬في‭ ‬عضويتها،‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬ارادتها‭ ‬على‭ ‬تونس‭ ‬بتطواطئ‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬التي‭ ‬ساعدتها‭ ‬على‭  ‬تحقيق‭  ‬جل‭ ‬اهدافها‭ ‬ومنها‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬المالية‭ ‬والبنوك‭ ‬والشركات‭ ‬العمومية‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬التجارة‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬والقطاعات‭ ‬الحيوية‭ ‬ومنها‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬والتعليم‭ ‬بكافة‭ ‬مستوياته‭. ‬وتم‭ ‬ذلك‭ ‬عبر‭ “‬شراكة‭ ‬التنقل‭” ‬و‭”‬شراكة‭ ‬الشباب‭” ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬برامج‭ ‬القروض‭ ‬المشروطة‭ ‬مع‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬وترسانة‭ ‬القوانين‭ ‬المعتمدة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬البرلمانات‭ ‬السابقة‭ ‬لفائدة‭ ‬المستثمرين‭ ‬الاجانب‭ ‬التي‭ ‬ادت‭ ‬عمليا‭ ‬الى‭ ‬اعتماد‭ ‬اتفاق‭ ‬التبادل‭ ‬الحر‭ ‬الشامل‭ ‬والمعمق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ادماجه‭ ‬بالمنظومة‭ ‬القانونية‭ ‬التونسية‭. ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬سوى‭ ‬تحويله‭ ‬الى‭ ‬معاهدة‭ ‬دولية‭  ‬يسعى‭ ‬الجانب‭ ‬الاوروبي‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬الى‭ ‬فرضها‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬المفاوضات‭ ‬الوهمية‭ ‬حول‭ ‬الآليكا‭ ‬التي‭ ‬توقفت‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬2017‭ ‬بضغط‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والقوى‭ ‬الوطنية‭ ‬المعارضة‭ ‬لهذه‭ ‬الهيمنة‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬نجاحه‭ ‬في‭ ‬احياء‭ ‬هذه‭ ‬المفاوضات‭ ‬يسعى‭ ‬الجانب‭ ‬الاوروبي‭ ‬الغربي‭ ‬الى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المكاسب‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬حزمة‭ ” ‬الشراكة‭ ‬ألشاملة‭” ‬الجاري‭ ‬التفاوض‭ ‬بشأنها‭ ‬علما‭ ‬ان‭ ‬مواقفه‭ ‬المتشنجة‭ ‬من‭ ‬مسار‭ ‬25‭ ‬جويلية‭ ‬ليست‭ ‬بدافع‭ ‬الانتصار‭ ‬للديمقراطية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬بل‭ ‬تعكس‭ ‬الخشية‭ ‬من‭ ‬احتمالية‭ ‬وصول‭ ‬قوى‭ ‬سياسية‭ ‬للسلطة‭ ‬تدعو‭ ‬الى‭ ‬ادخال‭ ‬مراجعات‭ ‬جذرية‭ ‬على‭ ‬الخيارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬الكبرى‭ ‬لتونس‭ ‬باتجاه‭ ‬اعادة‭ ‬التوازن‭ ‬لعلاقاتنا‭ ‬الخارجية‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬شراكات‭ ‬جديدة‭ ‬منافسة‭ ‬لمنظومة‭ ‬العولمة‭ ‬واقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬الخاضعة‭ ‬للهيمنة‭ ‬الغربية‭.  ‬

و‭ ‬مهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬امر‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬مصلحة‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬ان‭ ‬توسع‭ ‬دائرة‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوروبي‭ ‬خاصة‭ ‬وانها‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬تفاوضي‭ ‬ضعيف‭  ‬في‭ ‬ظل‭ ‬جبهتها‭ ‬الداخلية‭ ‬المفككة‭ ‬واوضاعها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬الهشة‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬فقدانها‭ ‬لمشروع‭ ‬وطني‭ ‬جامع‭ ‬للتونسيين‭ ‬حول‭ ‬كبرى‭ ‬القضايا‭ ‬المصيرية‭ ‬المطروحة‭ ‬داخليا‭ ‬وخارجيا‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬ملف‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوروبي‭ ‬ومجموعة‭ ‬السبع‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬تقييم‭ ‬شامل‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬جوانبه‭ ‬وابعاده‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجيوسياسية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬تستخلص‭ ‬تونس‭ ‬العبر‭ ‬والدروس‭ ‬الضرورية‭ ‬من‭ ‬تجربتها‭ ‬الطويلة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬شمال‭ ‬جنوب‭ ‬قبل‭ ‬الثورة‭ ‬وبعدها‭    ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المستجدات‭ ‬والتحولات‭ ‬التالية‭:‬

‭- ‬الاوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والامنية‭  ‬المأساوية‭ ‬بتونس‭ ‬والضفة‭ ‬الجنوبية‭ ‬وافريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭ ‬هي‭ ‬حصيلة‭ ‬التدخلات‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬قوضت‭ ‬الامن‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬والمنطقة‭ ‬العربية‭   ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬ايفاء‭ ‬الاطراف‭ ‬الغربية‭ ‬بتعهداتها‭ ‬بتقديم‭ ‬مساعدات‭ ‬تفاضلية‭ ‬لتونس‭ ‬لتيسير‭ ‬انتقالها‭ ‬الديمقراطي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬الهجرة‭ ‬السرية‭ ‬وو‭ ‬الفقر‭ ‬والمديونية‭  ‬والمجاعة‭… ‬الى‭ ‬قضايا‭ ‬هيكلية‭ ‬وعصية‭ ‬عن‭ ‬الحل‭ ‬طالما‭ ‬انها‭ ‬شديدة‭ ‬الارتباط‭ ‬بمنظومة‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬الكتلة‭ ‬الغربية‭   ‬لتابيدها‭ ‬بكافة‭ ‬السبل‭ ‬كما‭ ‬ثبت‭ ‬من‭ ‬مواقفها‭ ‬التصعيدية‭   ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الاوكرانية‭ ‬سيما‭ ‬وان‭ ‬الهدف‭ ‬الاستراتيجي‭  ‬المعلن‭ ‬لروسيا‭ ‬والصين‭ ‬والبريكس‭ ‬هو‭ ‬انهاء‭ ‬الاحادية‭ ‬القطبية‭ ‬الخاضعة‭ ‬للهيمنة‭ ‬الامريكية‭ ‬الاوروبية‭.‬

‭- ‬تونس‭ ‬مدعوة‭ ‬للتمعن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬والعمل‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬المتوسط‭  ‬على‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬دون‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬صدامية‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬ودون‭ ‬استبدال‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية‭ ‬بهيمنة‭ ‬جديدة‭ ‬لان‭ ‬الغاية‭ ‬القصوى‭ ‬تبقى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬كيان‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬المحدقة‭ ‬بها‭ ‬بفعل‭ ‬اهتزاز‭ ‬مقومات‭ ‬الامن‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬والمتوسطية‭.‬

*نشر باسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 4 جويلية 2023


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING