الشارع المغاربي – جربة‭:‬عملية‭ ‬إرهابية‭ ‬وليست‭ ‬إجرامية والقاتل ينتمي الى الفضاء الاسلامي الحركي /بقلم: أنس الشابي

جربة‭:‬عملية‭ ‬إرهابية‭ ‬وليست‭ ‬إجرامية والقاتل ينتمي الى الفضاء الاسلامي الحركي /بقلم: أنس الشابي

قسم الأخبار

18 مايو، 2023

الشارع المغاربي: في‭ ‬كلمته‭ ‬التي‭ ‬ألقاها‭ ‬خلال‭ ‬اجتماع‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬وصف‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬جربة‭ ‬بالعمليّة‭ ‬الإجراميّة‭ ‬وهو‭ ‬الوصف‭ ‬الذي‭ ‬استعمله‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬نقطته‭ ‬الإعلاميّة‭ ‬والحال‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬إلا‭ ‬بالعمليّة‭ ‬الإرهابيّة‭ ‬ذات‭ ‬الأهداف‭ ‬الدينيّة‭ ‬السياسيّة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تخطئها‭ ‬العين‭ ‬ويبدو‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭:‬

1) ‬اغتيال‭ ‬الأمني‭ ‬زميلَه‭ ‬بقصد‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬ذخيرته‭ ‬من‭ ‬الرصاص‭ ‬الحيّ،‭ ‬تصرّف‭ ‬يستهدف‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الخراطيش،‭ ‬ممّا‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قتل‭ ‬الزميل‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬مرحلة‭ ‬أولى‭ ‬ستتلوها‭ ‬مراحل‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬القتل‭ ‬المعمّم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬مع‭ ‬وصفها‭ ‬بالحادث‭ ‬الإجرامي‭ ‬لأن‭ ‬الجرائم‭ ‬العادية‭ ‬لا‭ ‬ترتكب‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الأقارب‭ ‬والأصدقاء‭ ‬والزملاء‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬مبرّرات‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬جنسية‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بالقتل‭ ‬على‭ ‬الهويّة‭.‬

2) ‬توجّه‭ ‬القاتل‭ ‬إلى‭ ‬معبد‭ ‬الغريبة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬يدلّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬قتل‭ ‬زميله‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬استجابة‭ ‬وتنفيذا‭ ‬لِما‭ ‬تنصّ‭ ‬عليه‭ ‬عقيدته‭ ‬التي‭ ‬تصف‭ ‬الأمنيين‭ ‬بالطواغيت‭ ‬وبأنهم‭ ‬رأس‭ ‬الكفر‭ ‬وحكمهم‭ ‬حكم‭ ‬المرتد‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬قتله‭ ‬بإقامة‭ ‬الحدّ‭ ‬عليه‭. ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬بالذات‭ ‬لا‭ ‬يتورّع‭ ‬الإرهابيون‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬قتل‭ ‬أقرب‭ ‬الناس‭ ‬إليهم‭ ‬كالأب‭ ‬والأخ‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الصديق‭ ‬أو‭ ‬الزميل‭. ‬فنُصرة‭ ‬الشرع‭ ‬تحتّم‭ ‬عليهم‭ ‬قتل‭ ‬المعترض‭ ‬لأنهم‭ ‬مأمورون‭ ‬دينيا‭ ‬بتطبيق‭ ‬شرع‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬أرضه‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬يقول‭ ‬الغنوشي‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬له‭ ‬صدر‭ ‬بتونس‭ ‬سنة‭ ‬2011‭ ‬عن‭ ‬قادة‭ ‬الإرهاب‭ ‬الذين‭ ‬ابتدعوا‭ ‬مصطلح‭ ‬الطواغيت‭ ‬في‭ ‬معناه‭ ‬الذي‭ ‬يقصد‭ ‬به‭ ‬رجال‭ ‬الأمن‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬حملة‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬الدولة‭: “‬وتقدّم‭ ‬كتابات‭ ‬سيد‭ ‬قطب‭ ‬والمودودي‭ ‬والبنا‭ ‬مواد‭ ‬صالحة‭ ‬لاستخدام‭ ‬القوّة‭ ‬سبيلا‭ ‬للإطاحة‭ ‬بمنكر‭ ‬الدولة‭ ‬العلمانيّة‭”(‬1‭).‬

3) ‬المحطة‭ ‬النهائيّة‭ ‬للإرهابي‭ ‬هي‭ ‬معبد‭ ‬الغريبة‭ ‬حيث‭ ‬يلتقي‭ ‬اليهود‭ ‬الذين‭ ‬يأتون‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬البلدان‭ ‬لأداء‭ ‬شعائر‭ ‬عبادتهم‭. ‬واختيار‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬والمكان‭ ‬هدف‭ ‬مثالي‭ ‬لإضعاف‭ ‬النظام‭ ‬بعد‭ ‬الحملة‭ ‬التي‭ ‬تعرّض‭ ‬لها‭ ‬باتهامه‭ ‬بالعنصرية‭ ‬وإرباكه‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬وبقية‭ ‬المنظومة‭ ‬الأوروبية‭.‬

4) ‬القتل‭ ‬المعمّم‭ ‬لِمن‭ ‬كان‭ ‬حاضرا‭ ‬دون‭ ‬تفرقة‭ ‬هو‭ ‬أسلوب‭ ‬الإرهابيّين‭ ‬في‭ ‬استعمالهم‭ ‬السيارات‭ ‬المفخخة‭ ‬ولِمن‭ ‬يفجّرون‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬التجمّعات‭ ‬البشريّة‭. ‬وفي‭ ‬حالتنا‭ ‬هذه‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الإرهابي‭ ‬استحوذ‭ ‬على‭ ‬مخزن‭ ‬خراطيش‭ ‬زميله‭ ‬حتى‭ ‬يتمكّن‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬ممكن‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬إطلاقه‭ ‬النار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مصوّبا‭ ‬تجاه‭ ‬هدف‭ ‬محدّد‭ ‬بحيث‭ ‬تنتفي‭ ‬الصبغة‭ ‬الإجراميّة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭.‬

5) ‬تروّج‭ ‬أخبار‭ ‬تفيد‭ ‬بأنه‭ ‬تحوم‭ ‬حول‭ ‬العون‭ ‬الإرهابي‭ ‬شبهات‭ ‬تبنّيه‭ ‬الخطاب‭ ‬التكفيري‭ ‬وبأنه‭ ‬تمّ‭ ‬بحثه‭ ‬لدى‭ ‬الإدارة‭ ‬المختصة‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬تؤكّده‭ ‬مؤشّرات‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الاختراق‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬المؤسّسة‭ ‬الأمنية‭ ‬طوال‭ ‬العشر‭ ‬سنوات‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭. ‬والأخبار‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬فظاعة‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬لا‭ ‬عدّ‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬حصر‭ ‬يعرفها‭ ‬المواطنون‭ ‬جميعا‭ ‬رغم‭ ‬التكتّم‭ ‬الذي‭ ‬عليه‭ ‬مؤسّسات‭ ‬الدولة‭ ‬خصوصا‭ ‬بعد‭ ‬25‭ ‬جويلية‭ ‬2021‭ ‬من‭ ‬ناحية‭. ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬قامت‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬حكم‭ ‬الإخوانجية‭ ‬بإحداث‭ ‬بيوت‭ ‬للصلاة‭ ‬في‭ ‬الثكنات‭ ‬ولمّا‭ ‬احتجت‭ ‬القوى‭ ‬المدنيّة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬برّر‭ ‬الناطق‭ ‬الرسمي‭ ‬باسم‭ ‬الوزارة‭ ‬بلحسن‭ ‬الوسلاتي‭ ‬ذلك‭ ‬بأنها‭ ‬انطلقت‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬بيوت‭ ‬صلاة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬أولى‭ ‬وبأن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إبعاد‭ ‬العسكريين‭ ‬عن‭ ‬خطر‭ ‬الاستقطاب‭ ‬والتأثر‭ ‬بالخطاب‭ ‬الديني‭ ‬الموجّه‭ ‬مردّدا‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬سامي‭ ‬براهم‭ ‬أحد‭ ‬النهضويين‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬بأن‭ ‬تخصيص‭ ‬مساجد‭ ‬داخل‭ ‬الثّكنات‭ ‬أفضل‭ ‬طريقة‭ ‬لحماية‭ ‬الجنود‭ ‬من‭ ‬الاستقطاب‭ ‬والخطاب‭ ‬الدّيني‭ ‬التحريضي‭ ‬أو‭ ‬الاستلابي‭(‬2‭). ‬وليُقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقل‭. ‬علّمنا‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬فتح‭ ‬أبواب‭ ‬القوى‭ ‬الحاملة‭ ‬للسلاح‭ ‬لِما‭ ‬هو‭ ‬مُختلف‭ ‬فيه‭ ‬كالدين‭ ‬والسياسة‭ ‬خطير‭ ‬على‭ ‬وحدتها‭ ‬لإمكانية‭ ‬نقل‭ ‬هذه‭ ‬الخلافات‭ ‬إلى‭ ‬صفوفها‭ ‬ومدمّر‭ ‬لتلاحمها‭ ‬وانضباطها‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬مهامها‭ ‬حمايةً‭ ‬للوطن‭ ‬ومواطنيه‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬انتماءات‭ ‬افرادها‭ ‬السياسيّة‭ ‬والعقديّة‭. ‬

6) ‬الثابت‭ ‬لدينا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬ذُكر‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬قراءة‭ ‬الأحداث‭ ‬وملابساتها‭ ‬وأهدافها‭ ‬ووجهتها‭ ‬أن‭ ‬القاتل‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬الإسلامي‭ ‬الحركي‭ ‬الذي‭ ‬تنضوي‭ ‬ضمنه‭ ‬تيارات‭ ‬متعدّدة‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬اليسار‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬رابطة‭ ‬تونس‭ ‬للثقافة‭ ‬والتعدّد‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬التحرير‭ ‬وما‭ ‬بينهما‭ ‬من‭ ‬دواعش‭ ‬وسلفيّة‭ ‬جهادية‭ ‬وبوكو‭ ‬حرام‭ ‬وغيرها‭. ‬ورغم‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬بأنه‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬القاتل‭ ‬أثناء‭ ‬إطلاقه‭ ‬الرصاص‭ ‬ما‭ ‬يفيد‭ ‬بانتسابه‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬من‭ ‬تكبير‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬شعارات‭ ‬تفيد‭ ‬بانتسابه‭ ‬فإننا‭ ‬بحكم‭ ‬التجربة‭ ‬نعتقد‭ ‬أنه‭ ‬إسلامي‭ ‬حركي‭. ‬يدلّ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬تحرك‭ ‬فيها‭ ‬هي‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬اعتقال‭ ‬قيادات‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬وتعرّضها‭ ‬للمساءلة‭ ‬القانونية‭ ‬صحبة‭ ‬حلفائهم،‭ ‬بحيث‭ ‬تعتبر‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬ردّا‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬وتحذيرا‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬المواصلة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭. ‬ولا‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬الصحبي‭ ‬عتيق‭ ‬أحد‭ ‬قياداتها‭ ‬هدّد‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬بإراقة‭ ‬الدماء‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬بورقيبة‭ ‬إن‭ ‬اعتُدي‭ ‬على‭ ‬الشرعية‭ ‬التي‭ ‬تمثلها‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭.‬

7) ‬نشرت‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬على‭ ‬صفحتها‭ ‬في‭ ‬فايسبوك‭ ‬بيانا‭ ‬أمضاه‭ ‬منذر‭ ‬الرويسي‭ ‬نائب‭ ‬رئيسها‭ ‬المعتقل‭ ‬جاء‭ ‬فيه‭ ‬قولها‭: “‬تدين‭ ‬بكل‭ ‬قوة‭ ‬هذا‭ ‬الاعتداء‭ ‬الجبان،‭ ‬وتؤكد‭ ‬رفض‭ ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬وأشكال‭ ‬العنف‭ ‬والإرهاب‭ ‬والكراهية‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬قيم‭ ‬التعايش‭ ‬والتضامن‭ ‬لمواجهة‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬يتهدّد‭ ‬تونس‭ ‬وشعبها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭” ‬وهو‭ ‬كلام‭ ‬إنشائي‭ ‬لا‭ ‬لون‭ ‬ولا‭ ‬طعم‭ ‬ولا‭ ‬رائحة‭ ‬له‭ ‬تعوّدنا‭ ‬سماعه‭ ‬منها‭. ‬فقد‭ ‬اكتفت‭ ‬أيام‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬وكانت‭ ‬أجهزة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬يدها‭ ‬وكان‭ ‬بإمكانها‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬واجبها‭ ‬كسلطة‭ ‬حاكمة‭ ‬أن‭ ‬تتعقّب‭ ‬الإرهابيّين‭ ‬وتحاكمهم‭ ‬باستنساخ‭ ‬بيانات‭ ‬الشجب‭ ‬والإدانة‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تستّرت‭ ‬على‭ ‬ذبح‭ ‬جنودنا‭ ‬وأمنيّينا‭ ‬وأبنائنا‭ ‬في‭ ‬الجبال‭ ‬وفي‭ ‬الطرقات‭. ‬ويذكر‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬تهريب‭ ‬أبا‭ ‬عياض‭ ‬تمّ‭ ‬بقرار‭ ‬من‭ ‬القيادي‭ ‬النهضوي‭ ‬علي‭ ‬العريض‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬أيامها‭ ‬وكذلك‭ ‬تمت‭ ‬المسيرة‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬جامع‭ ‬الفتح‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬للهجوم‭ ‬عليها‭ ‬تحت‭ ‬حماية‭ ‬أمنية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الإرهابيين‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مختفيّا‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬فر‭ ‬منه‭ ‬تاركا‭ ‬قهوته‭ ‬ساخنة‭ ‬بعدما‭ ‬وصلته‭ ‬معلومة‭ ‬بقدوم‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬للقبض‭ ‬عليه‭ ‬ففرّ‭ ‬تاركا‭ ‬قهوته‭ ‬ساخنة‭ ‬ممّا‭ ‬يفيد‭ ‬بأن‭ ‬الاختراق‭ ‬حاصل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المستويات‭. ‬لكلّ‭ ‬ما‭ ‬ذكر‭ ‬نرى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬وزن‭ ‬ولا‭ ‬اعتبار‭ ‬لبيانات‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬إذ‭ ‬تعوّدنا‭ ‬منها‭ ‬سماع‭ ‬القول‭ ‬والقول‭ ‬المضاد‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭. ‬فالغنوشي‭ ‬تبرأ‭ ‬من‭ ‬المجموعة‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬الانقلاب‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬سنة‭ ‬1987‭  ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬عاد‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬امتداحها‭ ‬والتعويض‭ ‬لأفرادها،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬نحمل‭ ‬على‭ ‬محمل‭ ‬الجدّ‭ ‬المواقف‭ ‬السياسيّة‭ ‬الآنيّة‭ ‬للحركة‭ ‬وإنما‭ ‬هناك‭ ‬خط‭ ‬إيديولوجي‭ ‬يتضح‭ ‬من‭ ‬الأدبيّات‭ ‬المتداولة‭ ‬لديهم‭ ‬وهو‭ ‬عمدتنا‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬مواقفها‭.‬

8)  ‬في‭ ‬تقديرنا‭ ‬أن‭ ‬الجهة‭ ‬الوحيدة‭ ‬المستفيدة‭ ‬ممّا‭ ‬وقع‭ ‬هي‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬فــــــــــ‭: *‬داخليا‭ ‬ستحشد‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬منظوريها‭ ‬وأنصارها‭ ‬مجدّدا‭ ‬بعد‭ ‬انفراط‭ ‬عقدها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إحياء‭ ‬مفهوم‭ ‬الجهاد‭ ‬ضدّ‭ ‬الكفّار‭ ‬واليهود‭ ‬أساسا‭ ‬وهو‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬الفكر‭ ‬الإخواني‭ ‬ويسمّيه‭ ‬بعضهم‭ ‬الفريضة‭ ‬الغائبة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬إحياؤها‭. ‬أمّا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬السلطة‭ ‬فهذه‭ ‬العملية‭ ‬الإرهابية‭ ‬تضعها‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬أراضيه‭ ‬للإسرائيليين‭ ‬مدافعا‭ ‬عن‭ ‬سلامتهم‭ ‬ممّا‭ ‬يقدح‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتوقّف‭ ‬عن‭ ‬إظهار‭ ‬معاداته‭ ‬لإسرائيل‭ ‬بسبب‭ ‬وبلا‭ ‬سبب‭ ‬إلى‭ ‬الحدّ‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬فيه‭ ‬رئيس‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬تغريدة‭ ‬له‭ ‬بأنه‭ ‬سيواصل‭ ‬محاربة‭ ‬الكراهية‭ ‬المعادية‭ ‬للسامية‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭ ‬في‭ ‬اتهام‭ ‬مبطن‭ ‬بأن‭ ‬حكم‭ ‬25‭ ‬جويلية‭ ‬معاد‭ ‬للسامية‭ . ‬

‭*‬وخارجيا‭ ‬الإرهاب‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬جربة‭ ‬يكشف‭ ‬ما‭ ‬عليه‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬وهشاشة‭ ‬نتيجة‭ ‬اختراق‭ ‬أجهزتها‭ ‬الحسّاسة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتنازل‭ ‬طوال‭ ‬العشر‭ ‬سنوات‭ ‬الماضية‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية،‭ ‬حيث‭ ‬غرست‭ ‬أعوانها‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مفاصلها‭ ‬إلى‭ ‬الحدّ‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬فيه‭ ‬أمني‭ ‬إلى‭ ‬ارتكاب‭ ‬ما‭ ‬ارتكب‭ ‬ممّا‭ ‬يجعل‭ ‬سلطة‭ ‬25‭ ‬جويلية‭ ‬غير‭ ‬مؤتمنة‭ ‬الجانب‭ ‬لدى‭ ‬الآخرين‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليها‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الإرهاب‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬غيره‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تشرع‭ ‬بعد‭ ‬سنتين‭ ‬كاملتين‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬كلّ‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬ملف‭ ‬التعيينات‭ ‬بكلّ‭ ‬الوزارات‭ ‬خصوصا‭ ‬منها‭ ‬الأسلاك‭ ‬الحاملة‭ ‬للسلاح‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬والأمن‭ ‬والديوانة‭. ‬وللعلم‭ ‬فإن‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬لمّا‭ ‬واجه‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬استبعدهم‭ ‬واستبعد‭ ‬أقاربهم‭ ‬إلى‭ ‬الدرجة‭ ‬الثالثة‭ ‬من‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬القوات‭ ‬الحاملة‭ ‬للسلاح‭ ‬والإعلام‭ ‬والتعليم‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬لم‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬تنفيذ‭ ‬جرائمهم‭ ‬الإرهابية‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬السادات‭ ‬الذي‭ ‬اغتالوه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬مكّنهم‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭. ‬ذاك‭ ‬ما‭ ‬علّمنا‭ ‬التاريخ‭ ‬ونتمنى‭ ‬أن‭ ‬يستفيد‭ ‬منه‭ ‬حكام‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الزمن‭ ‬لديهم‭ ‬توقف‭ ‬يوم‭ ‬25‭ ‬جويلية‭ ‬2021‭.‬

‭ ‬ليس‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نختم‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬إلا‭ ‬بالقول‭ ‬إنّ‭ ‬بلادنا‭ ‬إن‭ ‬بقي‭ ‬حالها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬اليوم‭ ‬مُقْدِمة‭ ‬على‭ ‬عمليّات‭ ‬إرهابيّة‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬جسامة‭ ‬وأشد‭ ‬خطورة‭ ‬لأن‭ ‬حكم‭ ‬25‭ ‬جويلية‭ ‬2021‭ ‬لم‭ ‬يعالج‭ ‬ملف‭ ‬حركات‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬ومدى‭ ‬ارتباطه‭ ‬بانتشار‭ ‬الإرهاب‭ ‬الذي‭ ‬احتلت‭ ‬فيه‭ ‬تونس‭ ‬المقدّمة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المصدّرة‭ ‬للإرهابيّين‭ ‬بل‭ ‬اكتفى‭ ‬باستعماله‭ ‬أداة‭ ‬لتجميع‭ ‬الأنصار‭. ‬فتارة‭ ‬يلقي‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬القيادي‭ ‬وأخرى‭ ‬على‭ ‬ذاك‭ ‬ليطلق‭ ‬سراحه‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬تهديدا‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬كملف‭ ‬الاغتيالات‭ ‬والتنظيم‭ ‬السري‭ ‬والتمويل‭ ‬والجمعيّات‭ ‬الخيريّة‭ ‬والدعويّة‭ ‬لم‭ ‬تطرح‭ ‬بجدية‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الآن‭. ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السلطة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تصرّ‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬فرع‭ ‬اتحاد‭ ‬العلماء‭ ‬المسلمين‭ ‬الذي‭ ‬أسّسه‭ ‬القرضاوي‭ ‬ويرأسه‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬النجار‭ ‬القيادي‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬وكاتب‭ ‬الأرضيّة‭ ‬العقائديّة‭ ‬التكفيريّة‭ ‬للحركة‭ ‬المسماة‭ “‬الرؤية‭ ‬الفكريّة‭ ‬والمنهج‭ ‬الأصولي‭ ‬لحركة‭ ‬النهضة‭ ‬التونسيّة‭” ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬قوى‭ ‬مدنية‭ ‬كثيرة‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الحزب‭ ‬الدستوري‭ ‬الحرّ‭ ‬طالبت‭ ‬بإغلاقه‭ ‬منذ‭ ‬مدّة‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬أنصار‭ ‬الحزب‭ ‬معتصمون‭ ‬أمام‭ ‬مقرّه‭ ‬منذ‭ ‬سنتين‭ ‬متواصلتين‭. ‬في‭ ‬شهر‭ ‬فيفري‭ ‬الماضي‭ ‬عقد‭ ‬حزب‭ ‬التحرير‭ ‬مؤتمرا‭ ‬تحت‭ ‬حماية‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬عنّفت‭ ‬من‭ ‬تجمعوا‭ ‬قرب‭ ‬مقرّ‭ ‬الاجتماع‭ ‬للاحتجاج،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬انقلابي‭ ‬بامتياز‭ ‬ويستهدف‭ ‬الاندساس‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬لتيسير‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الانقلابات‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬بالذات‭ ‬حوكمت‭ ‬قياداته‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬ولا‭ ‬نجد‭ ‬له‭ ‬حضورا‭ ‬قانونيا‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬لأسباب‭ ‬طائفية‭ ‬خاصة‭ ‬به‭ ‬وفي‭ ‬تونس‭ ‬لخلل‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬لدى‭ ‬حكام‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬25‭ ‬جويلية‭ ‬2021‭.  ‬

‭——————‬

الهامش‭:‬

1)”‬الحركة‭ ‬الإسلامية‭ ‬ومسألة‭ ‬التغيير‭” ‬راشد‭ ‬الغنوشي،‭ ‬دار‭ ‬المجتهد‭ ‬للنشر‭ ‬والتوزيع،‭ ‬طبعة‭ ‬تونس‭ ‬الأولى‭ ‬سنة‭ ‬2011،‭ ‬ص‭ ‬30‭.‬

2) ‬مقال‭ “‬مساجد‭ ‬في‭ ‬الثكنات‭ ‬العسكرية‭ ‬وجمعيات‭ ‬لائكية‭ ‬تندّد‭” ‬رابطه‭: ‬https‭://‬www.jaridatelfejr.com/2015/06/27‭/‬مساجد‭-‬في‭-‬الثكنات‭-‬العسكرية‭-‬وجمعيات‭-‬لائ‭/‬

*نشر بأسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 16 ماي 2023


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING