الشارع المغاربي – حتى‭ ‬لا‭ ‬يستمرّ‭ ‬نزيف‭ ‬المياه‭/...‬ بقلم:د.خليل قويعة

حتى‭ ‬لا‭ ‬يستمرّ‭ ‬نزيف‭ ‬المياه‭/…‬ بقلم:د.خليل قويعة

قسم الأخبار

7 أبريل، 2023

الشارع المغاربي: المَـقاتل‭ ‬الحسّاسة‭ ‬لحرب‭ ‬المياه‭ ‬بدأت‭ ‬تتجلّى‭ ‬للعيان‭ ‬وتكشف‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬البدائيّة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شرعت‭ ‬في‭ ‬دق‭ ‬ناقوس‭ ‬الخطر‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزّمن‭. ‬كُلفة‭ ‬البرتقالة‭ ‬الواحدة‭ ‬من‭ ‬المياه‭: ‬12‭ ‬لترا‭ ‬من‭ ‬الماء‭. ‬بل‭ ‬وكلفة‭ ‬حبّة‭ ‬التّمر‭ ‬(دقلة)‭ : ‬50‭ ‬لترا‭. ‬هذه‭ ‬المنتوجات‭ ‬الفلاحيّة‭ ‬وغيرها،‭ ‬تصدّرها‭ ‬تونس‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬أصقاع‭ ‬العالم،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الخضروات‭ ‬المكلفة‭ ‬مائيّا‭ )‬مثل‭ ‬الطّماطم‭ ( ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تصدّر‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬منتوجات‭ ‬جاهزة‭ ‬للاستهلاك‭. ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬عزّ‭ ‬أزمة‭ ‬المياه‭ ‬العالميّة،‭ ‬النّاتجة‭ ‬عن‭ ‬التّغيّرات‭ ‬المناخيّة‭ ‬والقصور‭ ‬الحراري‭… ‬وهي‭ ‬عوامل‭ ‬ناتجة‭ ‬بدورها‭ ‬عن‭ ‬مسبّبات‭ ‬بشريّة،‭ ‬أساسها‭ ‬استفحال‭ ‬النّمط‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬والصّناعي‭ ‬لدى‭ ‬الدّول‭ ‬المصنِّعة‭ ‬بصفة‭ ‬خاصّة‭. ‬20‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬مصنّعة‭ ‬و80‭ ‬في‭ ‬المائة،‭ ‬أي‭ ‬الدّول‭ ‬النّامية،‭ ‬تتحمّل‭ ‬تبعات‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬الصّناعيّة‭ ‬التي‭ ‬عبثت‭ ‬بمقوّمات‭ ‬الحياة‭ ‬ومُقدّرات‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬الثروة‭ ‬الطبيعيّة‭ ‬ومنها‭ ‬الثروة‭ ‬المائيّة‭.‬

والأنكى،‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬الخيار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التونسي،‭ ‬على‭ ‬إثر‭ ‬تجربة‭ ‬التّعاضد‭ ‬في‭ ‬السّتينات‭ ‬وعلى‭ ‬إثر‭ ‬أوّل‭ ‬مؤتمر‭ ‬عالمي‭ ‬للبيئة‭ ‬والثروات‭ ‬الطّبيعيّة‭ ‬بستوكهولم،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬تونس‭ ‬للغرب‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يختر‭ ‬الغرب‭ ‬أن‭ ‬ينتجه‭ ‬لنفسه،‭ ‬أي‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬تتطلّب‭ ‬كمّيات‭ ‬مائيّة‭ ‬كبرى‭. ‬إن‭ ‬مؤتمر‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬حول‭ ‬البيئة‭ ‬البشريّة،‭ ‬5‭-‬6‭ ‬جوان‭ ‬1972،‭ ‬بستوكهولم‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬مؤتمر‭ ‬عالمي‭ ‬في‭ ‬الاختصاص،‭ ‬حيث‭ ‬تضمّن‭ ‬إعلان‭ ‬ستوكهولم‭ ‬26‭ ‬قرارا،‭ ‬في‭ ‬مقدّمتها‭ ‬القضايا‭ ‬البيئيّة‭ ‬التي‭ ‬حدّدت‭ “‬الحوار‭” ‬بين‭ ‬الدّول‭ ‬الصناعيّة‭ ‬والدّول‭ ‬النّامية‭ ‬حول‭ “‬الصّلة‭ ‬بين‭ ‬النّموّ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتلوّث‭ ‬الهواء‭ ‬والماء‭ ‬والمحيطات‭ ‬والآبار‭ ‬ورفاه‭ ‬النّاس‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭”. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المؤتمر‭ ‬تناسل‭ ‬برنامج‭ ‬الأمم‭ ‬المتّحدة‭ ‬للبيئة‭. ‬

إنّ‭ ‬غياب‭ ‬استراتيجيا‭ ‬مائيّة‭ ‬لتونس‭ ‬بالتّعاون‭ ‬مع‭ ‬أشقائها‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬جعلها‭ ‬تتّجه‭ ‬بصفة‭ ‬عمياء‭ ‬إلى‭ ‬القبول‭ ‬بالشروط‭ ‬المفروضة‭ ‬من‭ ‬الدّول‭ ‬التي‭ ‬تربطها‭ ‬بها‭ ‬علاقات‭ ‬اقتصاديّة‭ ‬وتجاريّة،‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬اتّفاقيات‭. ‬

اليوم،‭ ‬يؤكّد‭ ‬التاريخ‭ ‬أنّه‭ ‬على‭ ‬الدّولة‭ ‬أن‭ ‬تفكّر‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬المنوال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وفق‭ ‬مخطّطات‭ ‬جديدة‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬عناوين‭ ‬التّنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬والأمن‭ ‬المائي‭. ‬فقد‭ ‬آن‭ ‬الأوان،‭ ‬اليوم،‭ ‬ليراجع‭ ‬المستثمرون،‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬القرع‭ ‬والبطّيخ،‭ ‬حساباتهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحاضر‭ ‬والمستقبل‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلّب‭ ‬تعويض‭ ‬ذلك‭ ‬بمنتجات‭ ‬الذّكاء‭ ‬والمعرفة‭… ‬وتلك‭ ‬مسألة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬مفارقات‭.‬

فعِوض‭ ‬أن‭ ‬يصدّر‭ ‬البلدُ‭ ‬المنتوجَ‭ ‬الذّكي(‬ابتكارات،‭ ‬تجديد،‭ ‬خدمات‭ ‬تقنيّة‭ (… ‬فإنّه‭ ‬مازال‭ ‬مورّطا‭ ‬في‭ ‬تصدير‭ ‬الأذكياء‭ ‬أنفسهم،‭ ‬أي‭ ‬المنتجين‭ ‬أنفسهم‭ ‬أو‭ ‬الكفاءات‭ ‬الإنتاجيّة،‭ ‬وفي‭ ‬غالب‭ ‬الأحيان‭ ‬دون‭ ‬رجوع‭ ‬ولا‭ ‬استرجاع‭!  ‬

ولقد‭ ‬تطرّقتُ‭ ‬لهذين‭ ‬الموضوعين‭ ‬فقط‭ ‬لأقول‭ ‬إن‭ ‬تونس‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬كيف‭ ‬تُـثمِّن‭ ‬مواردها‭ ‬الطّبيعيّة‭ ‬ولا‭ ‬مواردها‭ ‬البشريّة،‭ ‬وإنّ‭ ‬الترسانة‭ ‬التّشريعيّة‭ ‬التي‭ ‬وُضعت‭ ‬عند‭ ‬بناء‭ ‬الدّولة‭ ‬الوطنيّة،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬شغّالة‭ ‬وقد‭ ‬تجاوزها‭ ‬الزّمن‭. ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬مخلّفات‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المأزوم،‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬البطالة‭ ‬والبيروقراطيّة‭ ‬المقيتة‭ ‬النّاتجة‭ ‬عن‭ ‬تسطّح‭ ‬الإدارة‭ ‬واحتكامها‭ ‬إلى‭ ‬نواميس‭ ‬إداريّة‭ ‬باليّة‭ ‬لا‭ ‬تواكب‭ ‬التّغيرات‭ ‬المتسارعة‭ ‬لحاجات‭ ‬المجتمع‭ ‬ولا‭ ‬رهانات‭ ‬المرحلة‭… ‬

وهكذ‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬أيّة‭ ‬مبادرة‭ ‬للإصلاح‭ ‬من‭ ‬معالجة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المفارقات‭ ‬الصّارخة‭. ‬فأيّ‭ ‬برنامج‭ ‬للتّنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭: ‬اقتصادي،‭ ‬بيئي،‭ ‬اجتماعي‭. ‬

ويستوجب‭ ‬الأمر‭ ‬حَوكَمة‭ ‬ديمقراطيّة،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬معرفي،‭ ‬توجّه‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬جهود‭ ‬لتدارك‭ ‬الأمر‭ ‬وربط‭ ‬السّلوك‭ ‬الاقتصادي‭ ‬برهانات‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وإلاّ‭ ‬فسنظلّ‭ ‬خارج‭ ‬التاريخ‭ ‬وربّما‭ ‬الجغرافيا‭ ‬أيضا‭. ‬فلا‭ ‬بدّ،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الصّعبة،‭ ‬من‭ “‬توحيد‭ ‬الجهود‭” ‬في‭ ‬إطار‭ ‬اقتصاد‭ ‬دائري‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭: ‬استشراف‭ ‬قوّة‭ ‬الموارد‭ ‬والتّصرّف‭ ‬فيها‭ ‬فعليّا‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬توحيد‭ ‬ثلاثة‭ ‬مجالات‭: ‬عرض‭ ‬الفاعلين‭ ‬الاقتصاديّين،‭ ‬طلب‭ ‬المستهلكين‭ ‬ودراسة‭ ‬سلوكاتهم‭ ‬الاستهلاكيّة‭ ‬وترشيدها،‭ ‬ثمّ‭ ‬التّصرّف‭ ‬في‭ ‬النّفايات‭ ‬وتدبيرها‭ ‬وتثمينها‭. ‬وهنا‭ ‬أتحدّث‭ ‬عن‭ ‬توحيد‭ ‬الجهود،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بين‭ ‬مؤسّسات‭ ‬الدّولة‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬سوء‭ ‬تنسيق،‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬الفاعلين‭ ‬الاجتماعيّين‭ ‬وتشريكهم‭ ‬فعليّا‭: ‬المواطن‭ ‬نفسه،‭ ‬الجماعات‭ ‬المحليّة،‭ ‬الإداريّون‭ ‬ومنتجو‭ ‬الخدمات،‭ ‬الشركات‭ ‬المنتجة،‭ ‬الجمعيّات‭ ‬وكافة‭ ‬مكوّنات‭ ‬النّسيج‭ ‬المدني‭… ‬كلّ‭ ‬هذه‭ ‬القوى،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتناسق‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬خدمة‭ ‬لرهانات‭ ‬المرحلة،‭ ‬دون‭ ‬تضارب‭ ‬أو‭ ‬تناحر،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المصلحة‭ ‬العليا‭ ‬وهي،‭ ‬حتما،‭ ‬مصلحة‭ ‬المجموعة‭ ‬الوطنيّة‭)‬وليس‭ ‬المصالح‭ ‬الخارجيّة). ‬

‭ ‬ولا‭ ‬خير‭ ‬في‭ ‬شعب‭ ‬يصدّر‭ ‬الماء‭ ‬والغذاء،‭ ‬ثمّ‭ ‬يأكل‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬البحار‭! ‬أيّ‭ ‬خوَر‭ ‬هذا؟‭ ‬وبالتّوازي،‭ ‬لا‭ ‬خير‭ ‬في‭ ‬شعب،‭ ‬نسبة‭ ‬الانقطاع‭ ‬عن‭ ‬التّمدرس‭ ‬لديه‭: ‬100‭ ‬ألف‭ ‬طفل‭ ‬وشاب‭ ‬سنويّا،‭ ‬بينما‭ ‬يصدّر‭ ‬كفاءاته‭ ‬العلميّة‭ ‬والتّقنيّة‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬بل‭ ‬ويلفظها‭! ‬أيّ‭ ‬خراب‭ ‬هذا؟‭ ‬

ولا‭ ‬ريب‭ ‬أنّ‭ ‬عنوان‭ ‬التّنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬اليوم،‭ ‬بات‭ ‬مقياس‭ ‬الاختيارات‭ ‬الأنجع‭ ‬التي‭ ‬تميّز‭ ‬سياسات‭ ‬الدّول‭ ‬وهو‭ ‬صورة‭ ‬لمدى‭ ‬تدبيرها‭ ‬لمصيرها‭.‬‭ ‬إنّه‭ ‬عنوان‭ ‬يحتّم‭ ‬ربط‭ ‬السياسات‭ ‬بالمعرفة‭ ‬وليس‭ ‬بالعِرافة‭ ‬أو‭ ‬بالمصالح‭ ‬الضيّقة‭ ‬والآنيّة‭ ‬والرّهانات‭ ‬السّحريّة‭. ‬إذ‭ ‬ما‭ ‬الفائدة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتجه‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬في‭ ‬عزّ‭ ‬الخيارات‭ ‬اللّيبراليّة،‭ ‬إلى‭ ‬التّعويل‭ ‬على‭ ‬مقياس‭ ‬الرّبح‭ ‬السّريع‭ ‬وتجوهر‭ ‬الثّروة‭ “‬الوطنيّة‭” ‬في‭ ‬كتلة‭ ‬الأقليّة‭ ‬من‭ ‬الأفراد،‭ ‬يصعب‭ ‬توجيهها‭ ‬إلى‭ ‬المصلحة‭ ‬العامّة‭… ‬بل‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تتبخّر‭ ‬الثروات‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬أو‭ ‬تنتقل‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬الدّوليّة‭! ‬وذلك‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬فساد‭ ‬الثروة،‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬ذاته‭. ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬دور‭ ‬للدّولة‭ ‬والمجموعات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬لربط‭ ‬الموارد‭ ‬بمشروع‭ ‬تنموي‭ ‬مستدام،‭ ‬يصعب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬سيادة‭. ‬والموارد‭ ‬المائيّة،‭ ‬اليوم،‭ ‬مثال‭ ‬لهذه‭ ‬السيادة،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يستمرّ‭ ‬النّزيف‭!

*نشر بأسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 4 افريل 2023


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING