الشارع المغاربي – ما‭ ‬بعد‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬قبله‭ ‬وطنيا‭ ‬وإقليميا‭ ‬ودوليا /بقلم: جمال الدين العويديدي

ما‭ ‬بعد‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬قبله‭ ‬وطنيا‭ ‬وإقليميا‭ ‬ودوليا /بقلم: جمال الدين العويديدي

قسم الأخبار

26 أكتوبر، 2023

الشارع المغاربي: العملية‭ ‬العسكرية‭ “‬طوفان‭ ‬الأقصى‭” ‬التي‭ ‬أقدمت‭ ‬عليها‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬تُمثّل‭ ‬في‭ ‬مضمونها‭ ‬وتنفيذها‭ ‬وتداعياتها‭ ‬منعرجا‭ ‬تاريخيا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يغير‭ ‬مجرى‭ ‬الأحداث‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬بل‭ ‬سيشمل‭ ‬كذلك‭ ‬مجريات‭ ‬الصراع‭ ‬الدولي‭ ‬بين‭ ‬المعسكر‭ ‬الغربي‭ ‬والقوى‭ ‬الصاعدة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬كذلك‭.‬

ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬يعتبر‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العسكري‭ ‬أول‭ ‬عمل‭ ‬مُسلح‭ ‬هجومي‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وفي‭ ‬كنف‭ ‬السرية‭ ‬الكاملة‭. ‬مما‭ ‬اعتُبر‭ ‬دوليا‭ ‬اخفاقا‭ ‬تاما‭ ‬لاستخبارات‭ ‬الكيان‭ ‬المحتل‭ ‬بل‭ ‬ولكل‭ ‬استخبارات‭ ‬المعسكر‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبلدان‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬مثلت‭ ‬نقطة‭ ‬تفوق‭ ‬لهذه‭ ‬الأطراف‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعين‭ ‬سنة‭.‬

كما‭ ‬شكل‭ ‬مفاجئة‭ ‬للكيان‭ ‬المحتل‭ ‬حيث‭ ‬كشفت‭ ‬العملية‭ ‬حالة‭ ‬الوهن‭ ‬داخل‭ ‬الجيش‭ “‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقهر‭” ‬وزعزعت‭ ‬أركانه‭ ‬بوصفه‭ ‬الضامن‭ ‬لوجود‭ ‬وتوسع‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬المستعمر‭ ‬الذي‭ ‬وُكّلت‭ ‬له‭ ‬وظائف‭ ‬الدفاع‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬الامريكية‭ ‬والأوروبية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭. ‬التعبئة‭ ‬والمساندة‭ ‬غير‭ ‬المحدودة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬توفيرها‭ ‬للمستوطنين‭ ‬الذين‭ ‬يُعول‭ ‬عليهم‭ ‬للاستيلاء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭ ‬والقدس‭ ‬لتكريس‭ ‬الاستعمار‭ ‬يعتبر‭ ‬سياسة‭ ‬ممنهجة‭ ‬تمليها‭ ‬مهمة‭ ‬الدفاع‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬بالوكالة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬الوظائفي‭. ‬

من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬يبدو‭ ‬جليا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬قبل‭ ‬بمأمورية‭ ‬الدفاع‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬الغرب‭ ‬بمقابل‭ ‬تمكينه‭ ‬من‭ ‬احتلال‭ ‬فلسطين‭ ‬كخطوة‭ ‬أولى‭. ‬لذلك‭ ‬استقر‭ ‬رأيه‭ ‬على‭ ‬وأد‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أصله‭ ‬بدليل‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يحدد‭ ‬حدوده‭ ‬مما‭ ‬يوحي‭ ‬أنه‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتجلى‭ ‬من‭ ‬حرصه‭ ‬على‭ ‬الهرولة‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬مفتوح‭ ‬نحو‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التطبيع‭ ‬الواهن‭ ‬والمذل‭ ‬لأطرافه‭ ‬من‭ ‬المطبعين‭ ‬وبدون‭ ‬أي‭ ‬مقابل‭. ‬

من‭ ‬أهم‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬عرّتها‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬أيضا‭ ‬خاصة‭ ‬لدى‭ ‬معشر‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بكشف‭ ‬الوجه‭ ‬الاستعماري‭ ‬والعنصري‭ ‬المقيت‭ ‬للبلدان‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬انحازت‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬المحتل‭ ‬وهرولت‭ ‬لنجدته‭ ‬ورفع‭ ‬معنوياته‭ ‬التي‭ ‬انهارت‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الامريكية‭ ‬وبصفة‭ ‬خاصة‭ ‬بلدان‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬وفي‭ ‬طليعتهم‭ ‬فرنسا‭ ‬وألمانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬بريطانيا‭. ‬وهو‭ ‬الطرف‭ ‬التي‭ ‬يهمنا‭ ‬إقليميا‭ ‬حيث‭ ‬طالما‭ ‬تم‭ ‬اعتباره‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ “‬الشريك‭ ‬المُميز‭” ‬والشريك‭ ‬الأساسي‭” ‬لكل‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬وقّعت‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬اتفاقيات‭ ‬شراكة‭ ‬غير‭ ‬متكافئة‭ ‬شملت‭ ‬موريتانيا‭ ‬والمغرب‭ ‬والجزائر‭ ‬وتونس‭ ‬ومصر‭ ‬والأردن‭ ‬والسلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ولبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬التي‭ ‬سعوا‭ ‬لتدميرها‭ ‬كما‭ ‬فعلوا‭ ‬مع‭ ‬ليبيا‭ ‬بدون‭ ‬تفويض‭ ‬دولي‭. ‬

بالمناسبة‭ ‬لطالما‭ ‬تعرضنا‭ ‬في‭ ‬أسبوعية‭ ‬الشارع‭ ‬المغاربي‭ ‬إلى‭ ‬خطورة‭ ‬هذا‭ ‬الوجه‭ ‬الاستعماري‭ ‬الدفين‭ ‬ونبهنا‭ ‬من‭ ‬طبيعته‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الآلة‭ ‬الدعائية‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬طمست‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬لأسباب‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬بمصالح‭ ‬اقتصادية‭ ‬متبادلة‭. ‬كما‭ ‬بينا‭ ‬أن‭ ‬النزعة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬لهذا‭ ‬الشريك‭ ‬المزيف‭ ‬يمثل‭ ‬السبب‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬تأبيد‭ ‬المنوال‭ ‬التنموي‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬السبعينات‭ ‬والذي‭ ‬تعزز‭ ‬منذ‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬الشراكة‭ ‬مع‭ ‬الاتحادي‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1995‭. ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تقييمه‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬والذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬المسيرة‭ ‬التنموية‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬سُمي‭ ‬بالعولمة‭ ‬التي‭ ‬كرست‭ ‬التبادل‭ ‬الحر‭ ‬للبضائع‭ ‬بدون‭ ‬حماية‭ ‬ديوانية‭. ‬كما‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬حرية‭ ‬دخول‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬مكنت‭ ‬المستعمر‭ ‬الفرنسي‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الرجوع‭ ‬بقوة‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬مفاصل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬البنكي‭. ‬كما‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬المؤسسات‭ ‬السيادية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬وخاصة‭ ‬منها‭ ‬مؤسسة‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬التونسي‭. ‬

لقد‭ ‬كنا‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬التونسية‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬حدا‭ ‬للنظام‭ ‬السابق،‭ ‬الذي‭ ‬كرس‭ ‬هذا‭ ‬التمشي‭ ‬الليبرالي‭ ‬وفتح‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬لرجوع‭ ‬الاستعمار،‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬فرصة‭ ‬لتقييم‭ ‬اتفاق‭ ‬الشراكة‭ ‬وتداعياته‭ ‬على‭ ‬المسيرة‭ ‬التنموية‭ ‬للبلاد‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬مراجعته‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬موضوعية‭ ‬ووطنية‭ ‬تعمل‭ ‬لصالح‭ ‬الشعب‭ ‬التونسي‭ ‬وضمان‭ ‬مستقبل‭ ‬أجياله‭. ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬مناورات‭ ‬الاستعمار‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬دوفيل‭ ‬في‭ ‬ماي‭ ‬2011‭ ‬وتواطئ‭ ‬السلطة‭ ‬والأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬أجهضت‭ ‬هذا‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬التدارك‭ ‬والإصلاح‭. ‬

بل‭ ‬ازداد‭ ‬الوضع‭ ‬تأزما‭ ‬عبر‭ ‬سيطرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الدولية‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬أمعن‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬وصفته‭ ‬التقشفية‭ ‬بدفع‭ ‬ماكر‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬البلدان‭ ‬الغربية‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬بلدان‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭. ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬نسبة‭ ‬النمو‭ ‬بمعدل‭ ‬سنوي‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الواحد‭ ‬بالمائة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عشرة‭ ‬سنوات‭ ‬نتيجة‭ ‬تعطيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المنتج‭ ‬الوطني‭ ‬وانهيار‭ ‬العملة‭ ‬الوطنية‭ ‬وتعميق‭ ‬المديونية‭ ‬وارتفاع‭ ‬البطالة‭. ‬

والمريب‭ ‬أيضا‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬الإجهاض‭ ‬على‭ ‬الفرصة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬توفرت‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬سنة‭ ‬2020‭ ‬إثر‭ ‬اندلاع‭ ‬جائحة‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬لمراجعة‭ ‬المنوال‭ ‬التنموي‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭. ‬حيث‭ ‬مثلت‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬العالمية‭ ‬صدمة‭ ‬كبرى‭ ‬كرست‭ ‬بدون‭ ‬شك‭ ‬نهاية‭ ‬العولمة‭ ‬وانطلاق‭ ‬برامج‭ ‬جديدة‭ ‬سارعت‭ ‬في‭ ‬تنفيذها‭ ‬البلدان‭ ‬الغربية‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبلدان‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬عمادها‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والصحي‭ ‬الوطني‭ ‬لكل‭ ‬بلد‭ ‬وإعادة‭ ‬توطين‭ ‬السلسلة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬بلاد‭ ‬عبر‭ ‬تشجيعات‭ ‬مالية‭ ‬وجبائية‭ ‬هامة‭ ‬جدا‭ ‬لوضع‭ ‬حد‭ ‬لظاهرة‭ ‬المناولة‭ ‬خارج‭ ‬بلدانهم‭. ‬مما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرارية‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬ويشجع‭ ‬خلق‭ ‬مواطن‭ ‬الشغل‭ ‬ويضع‭ ‬حد‭ ‬لتطور‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬يهدد‭ ‬المعسكر‭ ‬الغربي‭ ‬رغم‭ ‬فوات‭ ‬الاوان‭. ‬

هذا‭ ‬التوجه‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬يتضارب‭ ‬مع‭ ‬قوانين‭ ‬المنظمة‭ ‬العالمية‭ ‬للتجارة‭ ‬والعولمة‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬للدولة‭ ‬التونسية‭ ‬أن‭ ‬تنسج‭ ‬على‭ ‬منواله‭ ‬لتضع‭ ‬مخططا‭ ‬تنمويا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬وطنيا‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬مقاومة‭ ‬التصحر‭ ‬الصناعي‭ ‬عبر‭ ‬تشجيع‭ ‬الاستثمار‭ ‬المحلي‭ ‬لخلق‭ ‬نسيج‭ ‬صناعي‭ ‬جديد‭ ‬وتنمية‭ ‬فلاحية‭ ‬تحقق‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬الوطني‭. ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬أيضا‭ ‬وإلى‭ ‬اليوم‭. ‬حيث‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬البلاد‭ ‬تتخبط‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬سياسة‭ ‬تقشفية‭ ‬ثبت‭ ‬بالكاشف‭ ‬أنها‭ ‬فاشلة‭ ‬ولا‭ ‬تجدي‭ ‬نفعا‭. ‬

المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬وطنيا‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬سياسة‭ ‬التقشف‭ ‬والتعويل‭ ‬على‭ ‬مقدراتنا‭ ‬الوطنية‭ ‬عبر‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬تعتمد‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬والتشغيل‭ ‬وتشجيع‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي‭ ‬ورد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للمرافق‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والنقل

لقد‭ ‬نجح‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬منذ‭ ‬انطلاقه‭ ‬سنة‭ ‬1957‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬بنائه‭ ‬وتوسع‭ ‬أعضائه‭. ‬كما‭ ‬نجح‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬إنجاح‭ ‬تفاعلاته‭ ‬الخارجية‭ ‬لتتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬جنوب‭ ‬المتوسط‭ ‬وتحديداً‭ ‬إلى‭ ‬كافة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬حوض‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭. ‬وقد‭ ‬انطلق‭ ‬هذا‭ ‬التفاعل‭ ‬منذ‭ ‬الستينيات‭ ‬حين‭ ‬وقّع‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الاتفاقات‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬التجاري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬ولبنان‭ ‬وسوريا‭. ‬وقد‭ ‬استمر‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬طيلة‭ ‬السبعينيات‭ ‬والثمانينيات‭ ‬حتى‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬صيغة‭ ‬التعاون‭ “‬coopération‭” ‬إلى‭ ‬صيغة‭ ‬الشراكة‭ “‬Partenariat‭” ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬التسعينيات‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬1995‭ ‬مع‭ ‬انعقاد‭ ‬مؤتمر‭ ‬برشلونة‭ ‬الذي‭ ‬ضم‭ ‬وزراء‭ ‬خارجية‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬مع‭ ‬نظرائهم‭ ‬من‭ ‬12‭ ‬دولة‭ ‬متوسطية‭.‬

وقد‭ ‬خرج‭ ‬عن‭ ‬المؤتمر‭ ‬الذي‭ ‬سُمّي‭ “‬بمسار‭ ‬برشلونة‭” ‬أو‭ ‬إعلان‭ ‬برشلونة،‭ ‬والذي‭ ‬مثّل‭ ‬بداية‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الأورو‭-‬متوسطية،‭ ‬تصور‭ ‬جديد‭ ‬للتفاعل‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬تضمّن‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية‭: ‬

‭- ‬المحور‭ ‬الأول،‭ ‬سُمّى‭ ‬بالشراكة‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية،‭ ‬والتي‭ ‬تهدف‭ ‬لتأسيس‭ “‬منطقة‭ ‬متوسطية‭ ‬للسلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والديمقراطية‭”. ‬

‭- ‬والمحور‭ ‬الثاني،‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬الشراكة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬ويهدف‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬منطقة‭ ‬للتجارة‭ ‬الحرة‭ ‬بين‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬ودول‭ ‬حوض‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬ويسعى‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتوسطية‭ ‬وزيادة‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬داخله‭. ‬

‭- ‬والمحور‭ ‬الثالث،‭ ‬سمى‭ ‬بالشراكة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والإنسانية،‭ ‬ويهدف‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التقارب‭ “‬بين‭ ‬مواطني‭ ‬حوض‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭”‬،‭ ‬بجانب‭ ‬تعميق‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬الجانبين‭. ‬وقد‭ ‬شدد‭ ‬هذا‭ ‬المحور‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تدعيم‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬العدل‭ ‬والقانون‭ ‬والشئون‭ ‬الداخلية‭.‬

لقد‭ ‬نجح‭ ‬فعلا‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬تسويق‭ ‬هذه‭ ‬الشعارات‭ ‬البراقة‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭ ” ‬تأسيس‭ “‬منطقة‭ ‬متوسطية‭ ‬للسلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والديمقراطية‭” ‬والتي‭ ‬أضافوا‭ ‬إليها‭ ‬جملة‭ ‬أخرى‭ ‬مهمة‭ ” ‬منطقة‭ ‬نتقاسم‭ ‬فيها‭ ‬الثروات‭ ‬فيما‭ ‬بيننا‭”. ‬

غير‭ ‬أننا‭ ‬عوض‭ “‬السلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬واحترام‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والديمقراطية‭” ‬عشنا‭ ‬تدمير‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬وليبيا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬وحلف‭ ‬الناتو‭. ‬أما‭ ‬عن‭ ‬تقاسم‭ ‬الثروات‭” ‬فحدث‭ ‬ولا‭ ‬حرج‭ ‬عن‭ ‬الفقر‭ ‬ونهب‭ ‬الثروات‭ ‬والسطو‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬العمومية‭ ‬وتدمير‭ ‬المرافق‭ ‬العمومية‭ ‬داخل‭ ‬بلداننا‭ ‬وتدمير‭ ‬مقومات‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬الثقافية‭ ‬واللغوية‭ ‬واندلاع‭ ‬ظاهرة‭ ‬الهجرة‭ ‬السرية‭ ‬عبر‭ ‬وزارق‭ ‬الموت‭ ‬وهجرة‭ ‬الادمغة‭ ‬التي‭ ‬أضرت‭ ‬بثرواتنا‭ ‬البشرية‭ ‬ثمرة‭ ‬مجهود‭ ‬حكومات‭ ‬الاستقلال‭. ‬أما‭ ‬عن‭ ‬المحور‭ ‬الثاني‭ ‬المتعلق‭ ‬بزيادة‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬فلنا‭ ‬مثال‭ ‬في‭ ‬السطو‭ ‬على‭ ‬البنوك‭ ‬المحلية‭ ‬ومصانع‭ ‬الاسمنت‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬الأرباح‭ ‬بالعملة‭ ‬الأجنبية‭ ‬التي‭ ‬نقترضها‭ ‬منهم‭ ‬ليتم‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬وأخواتها‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬ونكبل‭ ‬البلاد‭ ‬بمديونية‭ ‬خارجية‭ ‬ارتهنت‭ ‬سيادتنا‭ ‬الوطنية‭ ‬ومستقبل‭ ‬اجيالنا‭.‬

هذه‭ ‬الصورة‭ ‬القاتمة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أضفنا‭ ‬عليها‭ ‬التصريحات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬والعنصرية‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وفرنسا‭ ‬وألمانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬ورئيسة‭ ‬المفوضية‭ ‬الأوروبية‭. ‬والذين‭ ‬بالمناسبة‭ ‬هرولوا‭ ‬جميعا‭ ‬لفلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬لنصرة‭ ‬الكيان‭ ‬الوظائفي‭ ‬المحتل‭ ‬العنصري‭ ‬ولرفع‭ ‬معنوياته‭ ‬المنهارة‭ ‬بدون‭ ‬أي‭ ‬تلميح‭ ‬لمعاناة‭ ‬الشعب‭ ‬العربي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الذي‭ ‬انتزعت‭ ‬أرضه‭ ‬وسلبت‭ ‬حقوقه‭ ‬بالحديد‭ ‬والنار‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬عقود،‭ ‬لا‭ ‬يسعنا‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نطالب‭ ‬بضرورة‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الاستعمار‭ ‬الذي‭ ‬له‭ ‬تاريخ‭ ‬أظلم‭ ‬سواء‭ ‬فيما‭ ‬بينه‭ (‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭) ‬وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالشعوب‭ ‬التي‭ ‬استعمروها‭ ‬وتونس‭ ‬من‭ ‬بينها‭. ‬هذه‭ ‬الكيانات‭ ‬المتوحشة‭ ‬التي‭ ‬استعملت‭ ‬القنابل‭ ‬الذرية‭ ‬على‭ ‬هيروشيما‭ ‬وناقازاكي‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬وقنابل‭ ‬النابالم‭ ‬الحارقة‭ ‬ضد‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭ ‬والقنابل‭ ‬الفوسفورية‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬والعراق‭ ‬حيث‭ ‬قضوا‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬مواطن‭ ‬بدعاوى‭ ‬كاذبة‭ ‬وفي‭ ‬أفغانستان‭ ‬كذلك‭. ‬ولا‭ ‬ننسى‭ ‬حروب‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬والجزائر‭ ‬والمغرب‭ ‬وتجاربها‭ ‬النووية‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬الجزائرية‭ ‬وتعريض‭ ‬المواطنين‭ ‬الجزائريين‭ ‬مكبلين‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬التجربة‭ ‬لاستعمالهم‭ ‬كتجارب‭ ‬حية‭. ‬تاريخ‭ ‬أظلم‭ ‬ولا‭ ‬يصدقهم‭ ‬إلا‭ ‬معتوه‭ ‬أو‭ ‬مرتزق‭.   ‬

هذه‭ ‬الكيانات‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬دول‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تلتزم‭ ‬بالعهود‭ ‬ولا‭ ‬بالقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬ولا‭ ‬بالقوانين‭ ‬الدولية‭ ‬ولا‭ ‬تحترم‭ ‬حقوق‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬والشيوخ‭ ‬العزل‭ ‬عند‭ ‬الحروب‭ ‬والذين‭ ‬يتم‭ ‬الفتك‭ ‬بهم‭ ‬بأعتى‭ ‬الطيران‭ ‬الحربي‭ ‬وأعتى‭ ‬القنابل‭ ‬الفتاكة،‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬عصابات‭ ‬دينها‭ ‬المال‭ ‬ووسيلتها‭ ‬الاعتداء‭ ‬بالقوة‭ ‬المفرطة‭.‬

لذلك‭ ‬المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬وطنيا‭ ‬والحكومة‭ ‬التونسية‭ ‬تتصارع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تغطية‭ ‬ميزانية‭ ‬تقشفية‭ ‬لسنة‭ ‬2024‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مصادرة‭ ‬دور‭ ‬وصلاحيات‭ ‬البنك‭ ‬المركزي،‭ ‬يبدو‭ ‬من‭ ‬البديهي‭ ‬وبدون‭ ‬تردد‭ ‬ضرورة‭ ‬إلغاء‭ ‬القانون‭ ‬عدد‭ ‬26‭ ‬لسنة‭ ‬2006‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬15‭ ‬ماي‭ ‬2006‭ ‬والقانون‭ ‬عدد‭ ‬35‭ ‬لسنة‭ ‬2016‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬أفريل‭ ‬2016‭ ‬حتى‭ ‬تتمكن‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬الاقتراض‭ ‬المباشر‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬بدون‭ ‬فوائد‭ ‬حتى‭ ‬تخفف‭ ‬ثقل‭ ‬المديونية‭ ‬حيث‭ ‬الفوائد‭ ‬الموظفة‭ ‬حاليا‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬ثمانية‭ ‬وتسعة‭ ‬بالمائة‭ ‬سنويا‭ ‬على‭ ‬مبالغ‭ ‬مرتفعة‭ ‬مما‭ ‬يمثل‭ ‬هروب‭ ‬إلى‭ ‬المجهول‭.‬

كما‭ ‬يجب‭ ‬التذكير‭ ‬أن‭ ‬استرجاع‭ ‬دور‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬والتشغيل‭ ‬يُمكّن‭ ‬من‭ ‬تمويل‭ ‬كل‭ ‬البرامج‭ ‬التنموية‭ ‬بالدينار‭ ‬التونسي‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬المنتجة‭ ‬الفلاحية‭ ‬والصناعية‭ ‬والخدماتية‭ ‬وفي‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية‭ ‬بصفتها‭ ‬تمويل‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬والثروة‭ ‬والنمو‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬محمود‭ ‬ولا‭ ‬يمثل‭ ‬ضررا‭ ‬على‭ ‬الكتلة‭ ‬المالية‭. ‬يبقى‭ ‬موضوع‭ ‬توفير‭ ‬العملة‭ ‬الأجنبية‭ ‬لشراء‭ ‬المستلزمات‭ ‬الخارجية‭ ‬فهي‭ ‬مسألة‭ ‬تتطلب‭ ‬ترشيد‭ ‬التوريد‭ ‬حسب‭ ‬أوليات‭ ‬البرنامج‭ ‬المنتج‭ ‬تحددها‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتخطيط‭ ‬ويتم‭ ‬تطبيقها‭ ‬بطريقة‭ ‬صارمة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬وزارة‭ ‬التجارة‭ ‬والبنك‭ ‬المركزي‭ ‬والقطاع‭ ‬البنكي‭. ‬كما‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬حماية‭ ‬كل‭ ‬القطاعات‭ ‬المنتجة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنقاذ‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬الخانقة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دأبت‭ ‬عليه‭ ‬عديد‭ ‬البلدان‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬البلدان‭ ‬المتطورة‭.‬

بالمناسبة‭ ‬أيضا‭ ‬ترشيد‭ ‬التوريد‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار‭ ‬التونسي‭ ‬لأن‭ ‬الطلب‭ ‬عل‭ ‬العملة‭ ‬الأجنبية‭ ‬سوف‭ ‬يتقلص‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬المديونية‭ ‬الخارجية‭ ‬ومن‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬كما‭ ‬سيشجع‭ ‬الاستثمار‭ ‬المحلي‭.‬

كما‭ ‬يجب‭ ‬تحديد‭ ‬مدة‭ ‬زمنية‭ ‬بثلاثة‭ ‬سنوات‭ ‬عل‭ ‬الأقل‭ ‬للتعويل‭ ‬على‭ ‬القروض‭ ‬الداخلية‭ ‬حتى‭ ‬تتمكن‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬تطبيق‭ ‬مخطط‭ ‬تنموي‭ ‬يعتمد‭ ‬استرجاع‭ ‬نسبة‭ ‬نمو‭ ‬مرتفعة‭ ‬وتصاعدية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬أربعة‭ ‬بالمائة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬عبر‭ ‬برنامج‭ ‬اقتصادي‭ ‬تنموي‭ ‬يعتمد‭ ‬إمكانيات‭ ‬مالية‭ ‬ذات‭ ‬أولوية‭ ‬للقطاعات‭ ‬المنتجة‭ ‬في‭ ‬الفلاحة‭ ‬كما‭ ‬يعتمد‭ ‬مخطط‭ ‬لرد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للشركات‭ ‬العمومية‭ ‬وبعث‭ ‬برنامج‭ ‬لخلق‭ ‬مؤسسات‭ ‬صغرى‭ ‬ومتوسطة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬القطاعات‭ ‬الصناعية‭ ‬والخدماتية‭. ‬

كما‭ ‬يجب‭ ‬تغيير‭ ‬قانون‭ ‬المنافسة‭ ‬والاسعار‭ ‬نحو‭ ‬قانون‭ ‬يحدد‭ ‬هوامش‭ ‬الربح‭ ‬حسب‭ ‬دراسة‭ ‬معمقة‭ ‬لكل‭ ‬القطاعات‭ ‬تحفظ‭ ‬حقوق‭ ‬كل‭ ‬الأطراف‭ ‬المنتجة‭ ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬المسالك‭ ‬التجارية‭ ‬لوضع‭ ‬جد‭ ‬لانفلات‭ ‬الأسعار‭ ‬التي‭ ‬أضرت‭ ‬بالقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطن‭ ‬وعمقت‭ ‬الأزمة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬

ختاما‭ ‬نعتبر‭ ‬وبكل‭ ‬وضوح‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يترقب‭ ‬في‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬لصرف‭ ‬1‭,‬9‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي‭ ‬تصرف‭ ‬على‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬برمته‭ ‬لا‭ ‬يغطي‭ ‬شهرين‭ ‬عجز‭ ‬تجاري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬حيث‭ ‬بلغ‭ ‬العجز‭ ‬27‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬في‭ ‬موفي‭ ‬شهر‭ ‬سبتمبر‭ ‬أي‭ ‬بمعدل‭ ‬3‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬شهريا‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العام‭ (‬النظام‭ ‬المقيم‭) ‬المعتمد‭ ‬دوليا‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الميزان‭ ‬التجاري‭ ‬منذ‭ ‬2010‭ ‬والذي‭ ‬نشره‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للإحصاء‭ ‬مؤخرا‭. ‬فكان‭ ‬من‭ ‬الأحرى‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬تطبيق‭ ‬ترشيد‭ ‬صارم‭ ‬للتوريد‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬مديونية‭ ‬خارجية‭ ‬بالعملة‭ ‬الأجنبية‭ ‬مهلكة‭ ‬ونتخلص‭ ‬من‭ ‬تبعية‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬عليها‭ ‬الأطراف‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬كتشف‭ “‬طوفان‭ ‬الأقسى‭” ‬طبيعتها‭ ‬وتنكرها‭ ‬لحقوق‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬العيش‭ ‬بأمان‭ ‬في‭ ‬أوطانها‭.‬

*نشر باسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 24 اكتوبر 2023


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING