الشارع المغاربي – دعاية وتشويه و"ضرب تحت الحزام": الذباب الالكتروني يعفّن الصراع السياسي

دعاية وتشويه و”ضرب تحت الحزام”: الذباب الالكتروني يعفّن الصراع السياسي

قسم الأخبار

11 أغسطس، 2019

الشارع المغاربي -محمد بوعود قد يكون من الطبيعي أن تشهد الحملات الانتخابية في كل أنحاء العالم، أنواعا مُبتكرة من الدعاية تعتمد خاصة على تشويه الخصم أو فضح بعض ممارساته وحتى كشف ملفاته التي لا يعلمها الجمهور، والبحث في زلّات قديمة ارتكبها ويعتقد ان لا أحد تفطّن لها، أو حتى فتح ملفات أفرادعائلته وأقاربه اذا كانوا قد استثروا من المال العام او تمتعوا بفوائد من وراء مسؤوليات تقلّدها في السابق، وغير ذلك من الحملات التي يهضمها عادة الجمهور الامريكي ويطرب لها، بل ويخصص وقتا لمتابعتها والبحث في تفاصيلها وحتى مساعدة الصحفيين المختصين في ذلك وبعض العناوين التي اصبحت تفتخر حتى بأنها “صحافة الفضائح” أو مصوّري الفضائح، والاستقصائيين والجمعيات، وكل من يحاول تعطيل مرشّح ما عن الوصول الى سدّة الحكم، في حين تُقابل حملات التشويه بنوع من القبول الفاتر او البارد في المجتمعات الاوروبية التي تُعتبر محافظة قياسا بالمجتمع الامريكي، بينما لا يزال هذا النوع من “التشهير” يتلمّس خطواته الاولى في الوطن العربي وافريقيا، ولم يتمكن بعد من بناء قواعد واضحة او طُرُق ثابتة في معرفة خفايا كل المترشحين، باعتبار ان الانتخابات في منطقتنا العربية والشرقية عموما لازالت رسما لتوجّه واضح من الدولة في التجاه تسمية شخص معيّن، عادة ما يهابه الجميع، وعادة ما تكون الاجهزة الامنية حاضرة لردع كل من يحاول المساس من ذاك المرشّح او نشر بعض من فضائحه.

قد تكون لبنان سبقت في هذا المجال قريناتها العربيات، لكنها لم تتوغّل فيه كثيرا باعتبار كثرة  المحاذير الطائفية والخوف المبالغ فيه من اختلال التوازنات الدينية والعرقية، والذي قد يفجر حربا أهلية عند كل منعطف يرى فيه خصم سياسي انه ذو مقصد طائفي او دينيفي حين حققت تونس قفزة نوعية في هذا المجال، توسّعت وتطورت وتشعّبت في السنوات الاخيرة، واتخذت مناحي عديدة لم تكن ربما تخطر حتى على بال الناشطين السياسيين والمرشحين أنفسهم، خاصة على صفحات فايسبوك وبدرجة أقل المواقع الالكترونية وتويتر وحتى وسائل الاعلام التقليدية.

لكن المُبتكر في المثال التونسي هو ما عُرف في الشرق الاوسط بـ”الذباب الالكتروني” اي تلك الصفحات التي تتوزع بالآلاف على موقع فايسبوك، وتهاجم في شكل حملات منظمة وتخترق حسابات المترشحين وأنصارهم، وتقلب الطاولة على كل من لا يعجب او لا يتماشى  مع الحزب الذي يشغّلها.

وهذا الذباب الالكتروني عُرف منذ انتخابات 2011 حينما اشتغل لصالح حركة النهضة، ويُقال انها هي من وضعت أسسه الاولى في مواقع التواصل الاجتماعي، وحرّكته بالخصوص ضد كل من نجيب الشابي ومية الجريبي وضد حمة الهمامي، وغيرهم، واعتمد ساعتها هذا الذباب على مبدأ تكفير كل من يخالف النهضة، وتخوين كل من يقول كلمة حق ضدّها، ورميه بنعوت تجرّمه ساعتها، من قبيل الازلام وفلول النظام السابق والثورة المضادة وغيرها كثير من التهم الجاهزة.

لكن الجديد في ترشحات الاسبوع الحالي لاستحقاقات سبتمبر/اكتوبر 2019 أنها بدأت بقوة، ولا سيطرة لاحد عليها، خاصة أنها توجّهت مباشرة الى مرشحين للانتخابات الرئاسية يحظون بثقل معيّن وبدرجة من المصداقية قد تؤهّلهم الى الوصول ربما الى الدور الثاني وحتى تجاوزه، بما يعني أنها مبّوبة وجاهزة مُسبقا، وكانت تنتظر الضوء الاخضر من بعض “العروفات” الذين ينوون هم أيضا الترشّح ويخافون من أسماء وازنة وثقيلة، وتستطيع ان تسفّه أحلامهم.

لم تكتف هذه الحملات بالتقريع في كل من قدّم أو نوى أو حتى فكّر مجرد تفكير في امكانية ان يتقدّم الى انتخابات رئاسة الجمهورية، بل انها نبشت في ماضي كل مترشّح، وأخرجت الغثّ والسمين من سيرته وعلاقاته وأشغاله ومكاسبه وطالت حتى افراد عائلته وخصوصياته الحميمية جدّا.

وقد تكون السخرية المُرّة من الترشحات الطريفة أو تلك التي جلبت انتباه المتابعين في الرئاسيات، خاصة من بعض من تقدّموا في اليوم الاول، لا شيء مقارنة بما تعرضّ له البعض ممن ينوي الترشّح او من يريد بعض أنصاره أن يرشّحوه او يدعموه.

فالأستاذ قيس سعيّد تحوّل بواسطة حملات التشهير الى مادة للتندّر والتفكّه من طريقة حديثه من وخطابه ولغته الفصيحة وحتى من طريقة لباسه، ولم تكتف مجموعات الذباب الالكتروني متعددة الولاءات بذلك، بل انها استولت بطريقة “الهاكر” على قاعدة بيانات أنصاره وصادرت التزكياتوالامضاءات وسرّبتها الى مترشّح آخر يُقال أنه دفع فيها مبالغ طائلة، وهو ما يعني انها سددت له ضربة قاصمة قد تحرمه حتى من الترشّح للرئاسية.

في الوقت نفسه نشطت عديد المجاميع الالكترونية على سيرة السيد عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع، والرجل القوي الان في الدولة، والذي تشير كثير من التوقعات الى انه ان تقدم للرئاسيات قد يفوز بها وقد يحقق تقدما كبيرا في على منافسيه في أدنى الحالات.

هذه المجاميع لم تكتف بنشر معلومات مضللة مفادها ان الرجل من صنائع امريكا وانه مرشّح كمال اللطيف، بل وصل الامر الى حدود اتهامه بانه موال للأمريكان اي للصهاينة ضرورة من اجل اللعب على أوتار التطبيع والقضايا العربية وحرمانه من جمهور واسع من العروبيين والوطنيين الذين يرون فيه ربما أكثر جدارة من غيره بقيادة البلاد، وتوغّلوا اكثر في ملفاته الشخصية بأكثر صورة يمكن ان تدلّ على القذارة وعلى انعدام الاخلاق حين الاستشهاد بموت نجله رحمه الله للتشكيك في معاناته من انهيار معنوي او ضعف نفسي او اكتئاب او غير ذلك من التوصيات التي اشتغل عليها هذا الجيش من الذباب الالكتروني الذي يبدو وكان هجومه على الزبيدي يصب في مصلحة الشاهد والنهضة أو أنه يخدم احدهما او كليهما حين يتدخّل في حياة الرجل وخصوصيات بتلك الطريقة. بل الاغرب ربما ان نرى النائب الصحبي بن فرج يقول عنه في تدوينة له “الزبيدي متاع رشيد عمار” دون ان ننسى كل ما يوجّه للرجل من قبل انصار النهضة والمجاميع الثورية والشبابية من أن الرجل دكتاتور وانه سيقضي على الحريات وسيقمع المناضلين وسيملأ السجون بالأحرار.

وليس الزبيدي وحده من يتعرّض لهذا الاذى، بل ان سهام التشويه طالت كل المترشحين بلا استثناء، خصوصا كل من تُشتمّمنه رائحة امكانية أن ينافس بقوة او أن يحقق تقدما على غيره، مثل السيدة عبير موسي التي رُكّبت لها فيديوهات بما لم تقل، ومواقف قد لا تصدر عن سياسي مبتدئ، ووصل الامر الى الاعتداء على اجتماعاتها وأنصارها بالعنففي حين كان النصيب الاكبر من الضرب تحت الحزام مثلما يقال، وبعد عبد الكريم الزبيدي للسيد نبيل القروي الذي يعرف الجميع من أين أتى وما هي امكاناته التي يدخل بها السباق الرئاسي وملفاته القضائية وغير ذلك، لكن ماكينة الذباب الالكتروني نبشت في تسجيلات وتسريبات لا يمكن الحصول عليها الا من مراكز عليا في السلطة، تتعلق ببعض مواقفه التي يظهر فيها وكأنه سوقي، بذيء، لا سيطرة له على لسانه، ويقول ما يعيب ويخجل منه المرء، ويتحدث بالفاظ لا تليق برئيس دولة محتمل.

ولا شك ان هذه الهجمات التي لم تستثن أحدا، ليست في المحصّلة عملا فرديا، بقدر ما هي حملات منظمة تقف وراءها أطراف نافذة سُلطويا وماليا، وأشخاص معنيون بمنصب الرئاسة، ويرغبون فيه بشدّة، ومستعدون لتشويه خصومهم بكل الوسائل والطرق المتاحة وغير المتاحة، متجاوزين كل رادع أخلاقي أو منطق سياسي او حد أدنى من الذوق العام.

وهي عملية لا يمكن ان تنفع المسار السياسي ولا الاستحقاق الانتخابي ولا حتى مستقبل الديمقراطية في بلد لازال يتعلم الأبجديات الاولى لمعاني التداول والصندوق والحرية المسؤولة.

  • صدر بعدد الثلاثاء 6 أوت 2019 من أسبوعية “الشارع المغاربي”

 

 

 


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING