الشارع المغاربي – الباحث نادر الحمّامي: إذا كان محمّد شخصًا واحدا في التاريخ فلماذا كتبت آلاف السير المختلفة والمتضاربة ؟
Kuv 100 Banner

الباحث نادر الحمّامي: إذا كان محمّد شخصًا واحدا في التاريخ فلماذا كتبت آلاف السير المختلفة والمتضاربة ؟

قسم الأخبار

29 يناير، 2021

الشارع المغاربي-عواطف البلدي: يستضيف “الشارع المغاربي” هذا الأسبوع الباحث نادر الحمامي أستاذ الحضارة بالجامعة التونسيّة ورئيس جمعيّة “فواصل” للتحاور حول إشكالات وقضايا صارت مطروحة بحدّة وإلحاح على ضمير المسلم المعاصر إثر المقاربات الجديدة لمدارس الاستشراق الغربي ومراكز البحث العلمية المعتنية بالإسلام جذورا ومصادر ونشأة أولى مبكّرة. تطرّقنا صحبة الحمامي إلى المستشرقين الانغلوسكسونيين الجدد ورؤاهم الجذرية حول أصل القرآن والفتوحات الأولى. كما تجادلنا حول إشكالات الإسلام المبكّر ومعضلة غياب التدوين خلال القرن الأول للهجرة، والصّابئة والأحناف وآليات الإصلاح الديني وشروطه، وقضايا أخرى نرى ضرورة تدبّرها حتى تطمئنّ ضمائر المسلمين اليوم ويتمكّنوا من ولوج العصر هادئين آمنين.

كيف السبيل الى البحث في “الإسلام المبكّر” في ظل غياب مصادر مدوَّنة مكتوبة تعود إلى القرن الأوّل وتأخّر التدوين إلى النصف الثاني من القرن الثاني؟ وإلى أي مدى يمكن الاعتماد على تراثنا المكتوب أو ما هي درجة مصداقيّته؟

هذان السؤالان المهمّان مرتبطان أساسا بمسألة موثوقيّة المصادر العربيّة والإسلاميّة وخاصّة حين يتعلّق الأمر بفترة الإسلام المبكّر. والحقيقة أنّ المسألة مطروحة منذ عقود طويلة في الدراسات الّتي اعتنت بسيرة محمّد أو بتاريخ القرآن أو كذلك بالقرنين الأوّلين بعد الهجرة تحت عنوان أصبح متداولاً وهو “معضلة المصادر”. وطبعًا المجال لن يسمح هنا بتفصيل القول في ذلك إذ عمد بعض الدارسين إلى المقارنة بين الروايات والنظر في منطقها الداخلي ومدى انسجامها، واختار البعض الآخر أن يقيم بحثه على فرضيّات قد لا تصمد أحيانًا أمام النقد الصارم من قبيل اعتبار أنّ المصادر المتقدّمة تاريخيّا أقرب إلى “الحقيقة التاريخيّة”، واختار البعض أيضا الاستناد إلى النصّ القرآني واعتباره مصدرًا تاريخيّا، وهذا في حدّ ذاته مشكل كبير بحكم طبيعة النصّ أوّلا، فهو خطاب دينيّ، ولا نعرف تدقيقا تكوّنه التاريخي ولا ترتيبه التاريخي، إذ هو نفسه موضوع بحث مستقلّ. وحاول آخرون المزج بين المصادر الإسلاميّة وما يسمّى المصادر الخارجيّة. وكلّ هذا يكشف في حقيقة الأمر عن أمرين أساسيّين، أوّلهما واضح تمَامًا وهو الوعي بإشكاليّة المصادر العربيّة الإسلاميّة وخصوصا حين يتعلّق الأمر بالإسلام المبكّر، وهذا الوعي يكاد يكون مشتركًا بين الدارسين الجدّيين سواء في المجال العربي والإسلامي أو في غيره من المجالات، إذ نجد دائمًا فصولاً، أو على الأقلّ فقرات، تتطرّق لهذه الإشكاليّة ويمكن الإحالة مثلا على كتابات عبد الله العروي أو هشام جعيّط أو عزيز العظمة أو حياة عمامو وغيرهم كثيرون ممّن يعكس بحثهم في الإسلام المبكّر وعيا شديدا بقضيّة المصادر. أمّا الأمر الثاني، وهو الأهمّ بالنسبة إليّ، فيتلخّص في سيطرة الهاجس التاريخي الصرف على أغلب الدراسات المعتنية بالإسلام المبكّر، سواء كانت الدراسات عربيّة وإسلاميّة أو استشراقيّة. وأقصد بالهاجس التاريخي الصرف محاولة اكتشاف ما وقع في تلك الفترة بنوع من الوضعانيّة، بغضّ النظر عمّا يمكن الكشف عنه من انتقاء وتأويل لا علاقة لهما بالبحث العلمي، وهو ما بيّنته في أعمال سابقة. وإن شئنا المقارنة، فقد تم التخلّي عن مثل هذا الأمر بصورة كبيرة في مجال علم الأديان والأديان المقارنة، بل إنّ تطوّر نظريّات المعرفة التاريخيّة أدّى إلى  التخلّص من “هاجس الحقيقة التاريخيّة”  عبر تعويض “اكتشاف المؤرّخ للماضي” بـ “ببناء المؤرّخ للماضي”، وإيلاء الأهميّة للسرد التاريخي، والتخلّي عن الحدثيّة، إلى غير ذلك ممّا جعل من الضروريّ تغيير النظرة إلى المصادر القديمة واعتبارها مجرد مادّة “أرشيفيّة”. هذا لا يعني مطلقًا أنّ المصادر الإسلاميّة لا تحتوي على موادّ تاريخيّة وتحيل إلى واقع ما، ولكن تلك المصادر ليست كتب تاريخ في المقام الأوّل، فهي مؤلّفات كُتبت تحت إكراهات السياسة والاجتماع والجدل الديني والانتماءات العقائديّة، وتتّخذ شكل التجميع والتأليف لا شكل التأريخ والتوثيق. إنّها أدبيّات أقرب إلى الخطابات الدينيّة منها إلى الخطاب التاريخي بالمعنى المتداول، وأكاد أقول إنّ الحضارة الإسلاميّة لم تعرف مؤرّخين بالمعنى الاصطلاحي، أقصد حرفة أو مهنة المؤرّخ.   

في تقديري ينبغي تجاوز مسألة المصداقيّة. فتلك المصادر الإسلاميّة يجد فيها القارئ الشيء ونقيضه، بحيث يمكن اعتماد المصادر نفسها لصياغة سرديّة معاكسة لما استقرّ في الضمير الإسلامي العام عن محمّد وأصحابه وخلفائه والمسلمين الأوائل، كما فعلت مثلاً هالة وردي في كتابيها حول “أيّام محمّد الأخيرة”  و”الخلفاء الملعونون”. وفي ذات الوقت يمكن لمن ينطلق من نزعة إيمانيّة تمجيديّة أن يجد في تلك المصادر ما يطمئنّ له ضميره الديني.

هناك من يرى أن الاستشراق الأنغلوسكسوني الجديد أكثر جذرية وراديكالية مع “جون إدوارد وانسبرو” و”باتريسيا كرون” و”مايكل كوك ” من الاستشراق الألماني والفرنسي في بحثه عن جذور الاسلام المبكّر؟

أرى أنّ المسألة أبعد من الحديث عن الجذريّة أو الراديكاليّة، إذ هي مرتبطة، في تقديري بعدّة اعتبارات، في طليعتها تقاليد هذه المدارس وهواجسها. فالمدرسة الألمانيّة حافظت إلى حدّ كبير على تقاليدها القديمة في التعامل مع التراث، ولا يمكننا أن نتغافل عن أنّ هذه المدرسة هي الممثّلة الأبرز للاستشراق الكلاسيكي وخاصّة في ما يتعلّق بالإسلام المبكّر والمباحث الدائرة حول القرآن والسيرة، وميزتها الأساسيّة البحث الفيلولوجي والانشغال بالتحقيق، وربّما من ميزاتها الأساسيّة ضعف ارتباطها بالحركة الاستعماريّة في الأصل. وكلّ ذلك جعلها، في كثير من الأحيان، لا تختلف جوهريّا عن الأطر الإسلاميّة إلاّ من جهة نقد المصادر، وخاصّة مدوّنات الحديث وبعض أخبار السيرة والقضايا التاريخيّة المتعلّقة بتشكّل المصحف، والّتي نجد لها صدى في الحقيقة في المصادر الإسلاميّة القديمة. طبعًا هذا الأمر له ما يشابهه في الاستشراق الفرنسي الكلاسيكي مع كوربان أو ماسينيون أو بلاشير، ولكن ما طغى على الاستشراق الفرنسي، وميّزه عن الاستشراق الألماني، هو النزعة الاستعماريّة والتأكيد على المركزيّة الأوروبيّة، والأمر لا يتعلّق بالعرب والمسلمين فحسب بل يتجاوزه إلى الساميّين عمومًا. فالموقف مشابه من اليهود، وهذا الأمر يندرج في سياق معرفيّ كامل تميّز بسيطرة النظريّة التطوّريّة في فترة ما على الفكر الأوروبّي. ومثل هذه النزعة بدورها متوارثة، والمثال البارز على ذلك هو إرنيست رينان. وربّما لم يتخلّص الاستشراق الفرنسي كلّيا من هذه النزعة فبقيت هواجسه رهينة بالماضي الاستعماري والمركزيّة الأوروبيّة، وهذا نلمسه حتّى لدى الكثير من المؤرّخين الفرنسيّين في ثنايا ما يكتبون إلى اليوم، وعلى سبيل المثال نذكر جاكلين الشابّي وخاصّة في كتابها “ربّ القبائل”. بل قد يصل الأمر إلى نزعات الإسلاموفوبيا في عديد الكتابات الّتي تلبس جبّة العلم وتتدثّر بغطاء العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة.

أمّا الاستشراق الأنغلوسكسوني، وخاصّة الجديد منه بداية من وانسبرو وكرون وكوك، فالرهانات فيه عند التحليل تندرج أكثر في الصراعات الحضاريّة الراهنة. لذلك فإنّ التوجّه فيه كان منهجيّا بالأساس عبر النقد الراديكالي للمصادر الإسلاميّة، وهو ليس قائما على أسس واهية، بل بالعكس تمَامًا. إذ لا يمكن إنكار تأخّر التدوين في الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وهو ما يزعزع بشكل كبير ما استقرّ في ضمائر المسلمين عن الفترات التأسيسيّة أوّلا، ولكنّه أيضا، واعتمادًا على المصادر الخارجيّة، يصوغ تاريخا إسلاميّا آخر قد يكون مستندًا تاريخيّا وذا فاعليّة في الصراعات السياسيّة والدوليّة الحاليّة، وبالخصوص في ما يرتبط بالقضيّة الفلسطينيّة.

على أنّه ينبغي الانتباه إلى تقلّص مثل تلك الفوارق منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، إذ يمكننا أن نلاحظ، في العقدين الأخيرين، تحوّلات كبرى في مجال البحوث المتعلّقة بالدراسات القرآنيّة والإسلام المبكّر. وقد تكون هذه التحوّلات مدفوعة، في جانب منها، بإعادة طرح السؤال حول أصول الإسلام ومبادئه الأساسيّة في علاقة بظهور جماعات إرهابيّة إسلاميّة معولمة على غرار “القاعدة”. ومن أهمّ ما يمكن ملاحظته هو انكسار ما أشرت إليه من فوارق، وهي في كلّ الأحوال غير ثابتة، بين هذه المدارس. فلم يعد المجال أو اللغة من العوامل المحدّدة للتوجّهات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد كتاب كريستوفور لوكسمبرغ حول القراءة السريانيّة الآرامية للقرآن، وإن كان صاحبه من أصل لبنانيّ ويتحرّك في السياق الألماني، فإنه خرج بشكل كبير عن التقليد الألماني، وكانت أقوى الردود عليه ألمانيّة، وخاصّة من مدرسة أنجيليكا نويرث، وفي الوقت نفسه كان للكتاب أثر عميق في تحوّل توجّه بعض الدارسين الفرنسيّين مثل كلود جيليو. كما يمكن الإشارة مثلا إلى أن كتابات ألفريد ديبريمار الفرنسي، وخاصّة كتابه حول أسس الإسلام، تساير كلّيّا كتابات المدرسة الأنغلوسكسونيّة في ما يتعلّق برفض المصادر الإسلاميّة بالجملة. ولا يخفى ارتباط هذه التحوّلات بالسياسات العالميّة في بداية الألفيّة الثالثة.

كلّ هذا ينبغي الانتباه إليه بدقّة، ولكن ذلك لا يجب أن يؤدي إلى رفض كلي  لهذه الدراسات انطلاقا من أحكام مسبقة بناء على ما تمت الإشارة له، بل يجب  التعامل معها بما يقتضي النقد العلمي من تمييز بين ما فيها من جوانب إيديولوجية ومن أخطاء وحدود وما يمكن الاستفادة منه والبناء عليه سواء في المستوى المنهجي أو في مستوى ما توفّر المكتبات ومراكز البحوث الغربيّة من رقوق ومخطوطات وإمكانيّات علميّة لا يمكن إنكار تقدّمها في دراسة المصادر والمواد المتعلقة بالإسلام المبكّر وبتدوين القرآن وجمعه.

يرتاب المستشرقون الجدد على غرار وانسبرو ويهودا نيفو وجوديث كورين في المصادر الاسلامية ويعتبرونها من إنتاج جماعة تختلق ولا تدوّن تاريخا. يضعنا هذا أمام إحراجات كبرى وحالة شكّ في تراثنا. كيف السبيل للخروج من هذه المعضلة؟

ربّما أشرت في الإجابة عن سؤال سابق عن بعض ما جاء في هذا السؤال، ولكنّي أستغلّ الفرصة للتأكيد مرّة أخرى أنّه لا داعي للخوف من اعتبار الأخبار الواردة في المصادر الإسلاميّة مختلقة أو أن نشكّ في صحّتها وموثوقيّتها. ولا ينبغي أن يؤدّي ذلك إلى إحراج كبير أو شكّ في التراث. فذلك التراث كُتب كما كتبت بقيت الحضارات تواريخها وتداخل فيه التاريخيّ بالمتخيّل والمختلق، وهذا ليس عيبًا مطلقا، بل هو من صميم الكتابة التاريخيّة مهما كانت طبيعتها، سواء تعلّقت بالسياسة أو المجتمع أو الثقافة أو الدين. هذا ما توصّلت إليه الدراسات حول الكتابات التاريخيّة وهي غير التاريخ، فتلك الكتابات محكومة ببنية ذهنيّة منتجيها وتوجّهاتهم، وحتّى بطريقة اختيار السرد القريب من القصّ والحكي الّذي قد يكون منطلقا من نواة تاريخيّة ولكنّه يبني عليها الأخبار وفق ماقبليّات المؤرّخ. في المجتمعات الغربيّة تعاد كتابة التاريخ كلّ عقدين تقريبًا بطريقة قد تنسف كلّ المسلّمات. هذا الأمر صالح بدوره للتاريخ الديني بما فيه الإسلام المبكّر والسيرة وتاريخ القرآن. ما نخافه دائمًا هو انتصار الفكر النقدي لأنّنا نريد المحافظة على ما نعتقد أنّه ثوابت وهو ليس كذلك مطلقا. سؤال بسيط يتبادر إلى ذهني: إذا كان مثلا محمّد شخصًا واحدا في التاريخ فلماذا كتبت آلاف السير المختلفة والمتضاربة قديمًا وحديثًا؟ الإجابة أنّ المؤرّخين، وحتّى الدارسين لا يكتبون في الحقيقة حياة محمّد بل يحمّلونها ما يريدون.

إنّ علاقتنا بتراثنا علاقة مرضيّة في الغالب، فإمّا أن نقدّسه أو أن نرفضه، نفخر به فخرا وهميّا أو ننكره إنكارًا زائفًا. قد نقاتل دفاعًا عنه، وقد نُقتل دونه أو نَقتل من أجله، وفي كلّ هذه الحالات هو بالنسبة إلينا يمثّل مرجعيّة وانتسابًا خاطئًا. أمَا آن الأوان لتغيير طريقة انتمائنا إلى ذلك التراث فلا نتحمّل وزره اقتداءً ولا نُكرانًا ؟ علينا الاعتراف اليوم بأن ذلك التراث ليس بِدعًا من التراثات الأخرى، هو مثلها، تأثّر بها وأثّر فيها، فيه الجميل والقبيح، وفيه الواقعي والمختلق، يتفاعل مع غيره من التواريخ الإنسانيّة سلبًا وإيجابًا. الإشكال الحقيقي أنّ مقاربتنا للتراث لا تهدف غالبًا إلى قراءته في حدّ ذاته بل إلى تبرير واقعنا الراهن استنادًا إليه في اتّجاهات مختلفة. فيغدو لدينا ذلك الهاجس التأصيلي لقيم نحاول تركيزها، كأن يؤصّل البعض لإيديولوجيّة دينيّة أو فكريّة مخصوصة، ويؤصّل البعض الآخر لقيم حديثة في موروث قديم، وهذا جوهر ما ألححت عليه في كتابي الأخير: “في المتخيّل التاريخي الإسلامي، أو في الخروج من مآزق التأصيل”.

يشكّك كورين ونيفو في الفتوحات الاسلامية ويعتبران أن الأباطرة البيزنطييّن قاموا بسياسة انسحاب تدريجي بشكل مقصود. (يعني لا توجد فتوحات وإنما البيزنطيون هم من انسحبوا). . . ويشكك أيضا في أن معاوية هو أول حاكم تاريخي ويرى ان الخلفاء شخصيات أسطورية. . . هذا تفكيك حاسم ونهائي للسردية الإسلامية. لو تشرح لنا هذه المقاربة؟

هذه إشارة إلى كتابCrossroads to Islam: The Origins of the Arab Religion and the Arab State، وما تمّت الإشارة إليه في السؤال كان من بين نتائج أخرى في حقيقة الأمر، ومنطلقه المقارنة بين ما وقفا عليه من أثريّات ونقوش ومصادر غير إسلاميّة من ناحية، وما جاء في المصادر الإسلاميّة من ناحية أخرى، بالإضافة إلى دراسات روّاد الاستشراق الأنجلوسكسوني الجديد، ولاسيّما كتابات وانسبرو وكتاب “هاجاريسم” لكرون وكوك. أوصلهما كلّ ذلك إلى الإلغاء التام للسرديّة التاريخيّة الإسلاميّة المرتبطة بالفتوحات ونشأة الدولة الإسلاميّة، ولكن أيضا، وهذا هو الهدف في نهاية المطاف، سعيَا إلى إعادة النظر في نشأة الإسلام نفسه في فترة تالية للقرن السابع، أي بعد محمّد نفسه، وطرح مسألة المؤثّرات اليهو-مسيحيّة فيه. ما طرحاه يتلخّص في الإقرار بأنّ العرب حين سيطروا على المناطق الّتي كانت تحت الحكم البيزنطي كانوا وثنيّين بعدُ، وأنّهم شكّلوا دينًا جديدا انطلاقا ممّا وجدوا من كتابات دينيّة يهوديّة ومسيحيّة أساسًا، مزجوا بينها لصياغة “الإسلام”. ولكن ينبغي الانتباه إلى نوع من المخاتلة التاريخيّة أيضا في ما ذهبا إليه، إذ المعطيات التاريخيّة حول الصراع العربي البيزنطي التي تزامنت تقريبًا مع الصراع البيزنطي الفارسي لم يكن حدثًا عابرًا. ولم يدخل المسلمون تلك الأراضي بعد انسحاب تدريجيّ كما قيل. كان هناك صراع طويل ومتكرّر انطلق منذ الثلث الأول من القرن السابع إلى ما بعد منتصف القرن التاسع، وهو صراع كان بين الكرّ والفرّ. فنجد، على سبيل المثال لا غير، هزيمة العرب في القسطنطينيّة في مناسبتين، ثمّ كانت هناك المقاومة البيزنطيّة في صقليّة، وكذلك هزيمة العرب في طرطوس، إلى غير ذلك من الأمثلة العديدة التي تدلّ على أنّ البيزنطييّن قاوموا الغزو العربي ونجحوا في كثير من الأحيان. ويبدو أنّ الكفّة مالت للعرب والمسلمين على الأرجح بسبب المؤامرات داخل البيزنطييّن أنفسهم والاضطرابات السياسيّة الداخليّة وليس بسبب انسحابهم التدريجي وترك الأراضي للعرب. بالنسبة إلى معاوية واعتباره أوّل حاكم تاريخي، فهذا ليس غريبًا جدّا، حتّى لدى مؤرّخين عرب ومسلمين، إذا تمّ ربط التاريخ بتأسيس الدولة الإسلاميّة. وهذا فعلا صحيح إلى حدّ كبير، وينبغي الانتباه إلى أن كتاب نيفو وكورين يربط في موضوعه الرئيسي بين “دين العرب” و”دولة العرب”، والقضيّة عندهما متعلّقة بالدولة والسياسة أكثر منها بالدين. ولكن ينبغي أيضا الإشارة إلى أنّهما لم يشكّكا في الوجود التاريخي للخلفاء الأوائل، ولكن المسألة مرتبطة كما قلت بتأسيس الدولة المقترن بتأسيس الدين الجديد في تلك الفترة عندهما وليس قبل ذلك.  

ينبني الاستشراق الإنغلوسكسوني الجديد على فحص الأدلة المعاصرة للإسلام المبكر ومقارنتها بالنصوص الإسلامية الأولى : كيف السبيل لهذا الفحص في ظل بقاء منطقة الحجاز ونجْد دون تنقيب أركيولوجي ودون فحص علمي للآثار. ؟

البحث القائم على الأركيولوجيا والآثار ودراسة النقوش ليس بحثًا خاصّا بالاستشراق الأنغلوسكسوني. هو مشغل بحثيّ مهمّ جدّا وما فتئ يتطوّر بشكل لافت للنظر في العقود الأخيرة. ما تمّت دراسته بالأساس في هذا المجال هي النقوش، وقد اهتمّ بها من المسلمين، من جهة الجمع، محمّد حميد الله منذ الثلاثينات من القرن العشرين، وبالخصوص النقوش الموجودة في المدينة بعد الهجرة. ولكن من أهمّ الدراسات اليوم هي دراسات فريديك إيمبارFréderic Imbert    الذي درس لأكثر من أربعين سنة النقوش في الشرق بالأدنى، في الأردن وسوريا وفلسطين، وكذلك السعوديّة. وأذكر هنا بالخصوص النقوش في موقع المركّب بمقربة من نجران جنوب الجزيرة العربيّة، حيث وجدت نقوش كثيرة ذات طبيعة دينيّة، وأغلبها صدع بالعقيدة. ووجد كذلك نقش جاء فيه: “عمر بن الخطّاب بالله يثق”. وكذلك المئات من النقوش قرب منطقة دومة الجندل، وهي نقوش يجمعها طلب الاستغفار والصفح بنسبة كبيرة جدّا. كلّ هذا مهمّ ولكنّه غير كاف، وعلى الرغم من شبه الانفتاح السعودي، بالاشتراك مع بعثة فرنسيّة، على مسألة التنقيب وبالخصوص عمليّات التنقيب في منطقة ثاج، شرقيّ الجزيرة العربيّة منذ 2016 والّتي كشفت، على سبيل المثال، وجود مركز تجاريّ قبل الإسلام كبير يربط بين حضارات مختلفة، فإنّ مثل هذا الأمر مازال محدودًا جدّا وأتوقّع اصطدامه بمعوّقات كثيرة سياسيّة أو دينيّة أو غيرها.

تعرّض الكتاب المقدّس (في العهدين القديم والجديد) منذ القرن 19 إلى تمحيص علمي وإعادة نظر وتأويل بعد اكتشافات أساطير وادي الرافدين. . . هل جاء الدور على الإسلام اليوم وهل أصبح على عتبات ثورة داخلية وإصلاح ديني ؟ وهل نضجت شروطه ؟

ما يجدر التنبيه إليه بوضوح أنّ أساطير العراق القديم، كانت من الأسس المهمّة للنقد الكتابي، وكان المنطلق مع محاضرة تاريخيّة لجورج سميث منذ سنة 1872 في لندن، بالاستناد إلى الألواح الّتي عُثر عليها في مدينة نينوى والّتي تضمّنت قصصا وأساطير عن الخليقة والطوفان وتصوّر الجنّة وأداء الطقوس والشعائر. ثمّ تلتها وثائق أوغاريت، تلك الأساطير القديمة نفسها نجدها في الإسلام كما في اليهوديّة والمسيحيّة بتشابه كبير جدّا يصل  الى حدّ التطابق في كثير من الأحيان، ولكن في السياقات الإسلاميّة يتمّ رفض ذلك أو تجاهله لأسباب عقائديّة في المقام الأوّل. ولكن ما ينبغي الانتباه إليه أيضا أنّ الدراسات الغربيّة نفسها كثيرًا ما تتجنّب بيان الروابط، وهذا ليس دائما لأسباب عقائديّة. الأمر أبعد من ذلك ويمكن تلخيصه باقتضاب شديد في سعي إلى إخراج الإسلام من الدائرة الإبراهيميّة، أو لنقل من السياق اليهو-مسيحي. وهذا له استتباعات خطيرة جدّا وبالخصوص في ما يتعلّق بقضيّة معاداة الساميّة. لن يقدّم لنا أحد هدايا مطلقا، ومن الحمق ربّما انتظار ذلك. هذا ما ينبغي أن نقوم به بأنفسنا ولكن، وللأسف الشديد، لا أرى أن شروط القيام بذلك متوفّرة اليوم، ولا حتّى في المستقبل القريب. فمثل هذه المسائل، وهي مصيريّة بالنسبة إلينا ولا نعيها بشكل جيّد، تتطلّب التركيز على البحث الأكاديمي الجدّي وتركيز العقل العلمي والالتفات إلى المكتسبات الحديثة، وتتطلّب إرادة سياسيّة أيضا، والتخلّي عن الخوف المرضي على الإيمان.  

كيف يمكن التوفيق بين مفهوم الإسلام التاريخي والمصدر الإلهي للإسلام؟

أنا هنا أتكلّم باعتباري باحثًا أكاديميّا. وبالتالي لا تعنيني مطلقًا مسألة التوفيق بين ما جاء في السؤال بين “الإسلام التاريخي” وما تمّت الإشارة إليه من “مصدر إلهي”. أنا أتعامل مع ظواهر تاريخيّة أتناولها بالدرس استنادا إلى المقاربة العلميّة وبوسائل البحث الأكاديميّة، لا أكثر ولا أقلّ. لذلك كلّه، فإن مسألة المصدر الإلهي خارجة تمامًا عن أفقي البحثي. الإسلام بالنسبة إليّ موضوع للدرس وهو، كغيره من الأديان، قابلٌ للدرس “العلمي” المقارني أو المفرد دون اعتبارات إيمانيّة أو استهجانيّة. وأعتقد أنّ هذا التوجّه هو أحد السبل للخروج من المآزق الّتي نعيشها.

في كلّ الأحوال هي فرصة جيّدة للإلحاح على هذا الأمر: مازلنا إلى اليوم، وحتّى لدى كبار المفكّرين عندنا، نخاف من الاقتراب من عدّة مناطق تمسّ المسألة الإيمانيّة أو الدينيّة. مازالت لدينا رهبة من تحريك ما اعتبر يقينيّات أو ثوابت. في تقديري هذا يضرّ كثيرًا بالبحث العلمي من ناحية، ويُدخله في منطق دفاعيّ أو جداليّ مع المخالف في التوجّه والمنطلقات ولا يساهم في التراكم والنقاش، بل يضرّ حتّى بالجانب الإيماني نفسه، من ناحية أخرى. لمن أراد أن يكون مؤمنًا، وهذا حقّه الذي لا ينازعه فيه أحد، له ذلك. ولكن العلم شيء والإيمان شيء آخر. وهنا أستعير عنوان مقال مهمّ لفوزي البدوي مفاده أنّه لا يمكن تأسيس الإيمان على التاريخ. لا ينبغي أن نخشى على الإيمان من النقد التاريخي الصارم لأنّ مجال الإيمان ليس التاريخ أو أيّ علم من العلوم، ومن مقوّمات الحداثة القبول باستقلال كلّ مجال عن غيره، وما لم نقبل بذلك فسنظلّ نراوح في المكان نفسه، ونعيش المآزق ذاتها.

نشر بأسبوعية “الشارع المغاربي” في عددها الصادر بتاريخ الثلاثاء 26 جانفي 2021


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING