الشارع المغاربي – أمّ المعارك: القضاء على منظومة القضاء!/ بقلم: كوثر زنطور

أمّ المعارك: القضاء على منظومة القضاء!/ بقلم: كوثر زنطور

قسم الأخبار

6 نوفمبر، 2021

الشارع المغاربي: اكد رئيس الجمهورية قيس سعيد يوم امس الاثنين خلال اللقاء الذي جمعه بوزيرة العدل ليلى الجفال توجهه نحو اصدار مرسوم يتعلق بالمجلس الاعلى للقضاء في خطوة ستفتح باب المواجهة بين الرئاسة ومختلف الهياكل الممثلة للقطاع التي انطلقت في مشاورات في ما بينها للاعداد للرد على «الانحراف الخطير بالنظام الجمهوري وقوامه الفصل بين السلطات الثلاث وللدفاع على استقلالية السلطة القضائية» .

من المفارقات ان يكون قيس سعيد في قلب معركة قادمة عنوانها استقلالية القضاء او حتى ان يكون محل نقد لاذع من مختلف الهياكل الممثلة للقضاء التي كان مناصرا لها في مختلف معاركها السابقة حتى وصوله الى قصر قرطاج. سعيد يوصف اليوم داخل الاوساط القضائية وحتى من طرف اشد مساندي مسار 25 جويلية بالخطر الداهم على النظام الجمهوري. تهمة توجه الى نفس استاذ القانون الدستوري الذي كان قد دعا القضاة منذ 7 سنوات تقريبا الى الدفاع بأنفسهم عن استقلاليتهم وحثهم على مواجهة “السلطة السياسية ” ومنعها من ضرب اسس دولة القانون والمؤسسات.

اختلفت المواقع وتحول سعيد الى الخصم الاول للقضاة الذين يستعدون لمواجهة ستقودها نفس الوجوه القضائية التي كانت في الصفوف الاولى خلال المحطات النضالية المختلفة من عهد الى اخر وقد ينتفع بها جزء من “القضاة الفاسدين” ممن لوثوا المشهد واجرموا في حق العدالة وكانوا بيادق في خدمة “الاقوى” واسهموا في تأصيل سياسة الافلات من العقاب ويتحملون جزءا من مسؤولية فشل الانتقال الديمقراطي وفي ما بات يسمى في تقارير عدد من مراكز الدراسات الدولية بـ” دمقرطة الفساد” .

نهاية مرحلة

كان واضحا منذ نهاية شهر اوت المنقضي ان الدور آت لا محالة على “منظومة القضاء” وان الرئيس قيس سعيد استعان بنفس منهجية “المرحلية” لتفكيك هذه المنظومة تماما مثلما كان الحال مع مجلس نواب الشعب. هذه المنهجية تنطلق بالتشهير على رؤوس الملء وتتتالي نفس العملية مرات ومرات وبتكرار يبدو غريبا بالنسبة لمن لا يعرف قيس سعيد ويوصف حتى بالممل وبـ” الثرثرة” .

الا ان هذا التكرار ممنهج ومقصود ومعلوم المقاصد والاهداف التي لا تعدو ان تكون سوى خلق رأي عام مساند لفكرة او تهمة او وصم يصبح عبر هذه السياسة الاتصالية حقيقة ثابتة لا غبار عليها . وبعد التشهير تأتي ” الانذارات” وتتم في العادة عبر دعوة المسؤول الاول ومواجهته بـ”الحقائق الدامغة” واستنكار تتاليها وعدم اتخاذ الاجراءات اللازمة ازاءها عبر تطبيق القانون وذلك يقدم بشكل استعراضي موشح بمسحة شعبوية وبالتضخيم وتقديم معطيات غير دقيقة جلها يكون متداولا عبر مواقع التواصل الاجتماعي والنتيجة اقرار عام بشلل هذه المنظومة والمرور الى حل وبالنسبة لسعيد لا حل الا في الحل .

هذا ما حصل مع البرلمان ثم مع المجلس الاعلى للقضاء الذي كان في مرمى قيس سعيد منذ شهر اوت المنقضي مثلما اشرنا . ويقول مصدر قريب من رئاسة الجمهورية ان ” عدم احالة القصر اي ملف للقضاء رغم ان عددها الجملي يقدر بالمئات هو الوضع داخل القضاء” لافتا الى ان ” الحرب على الفساد والمحاسبة ستتم قطعا عبر القضاء لكن بعد تطهيره بالكامل من شوائب السياسة ومن ازلام منظومة ما قبل 24 جويلية” .

ومهما كانت حدة الانتقادات الموجهة لسعيد من هياكل القضاء ، فانه ماض قدما في مسار ” التطهير ” وتفكيك ” اخطبوط الفساد في القضاء”. والملاحظ في خطابه يوم امس خلال موكب اداء الرئيس الاول لمحكمة التعقيب اليمين الدستورية او خلال لقائه بوزيرة العدل بعض التعديل تمثل في اسقاط نبرة التعميم ومحاولة جر من يسميهم بالقضاة الشرفاء الى صفه في معركة ” تحرير القضاء” .

وان اختلفت تسميات ” عملية قيس سعيد الجديدة” بين قضاة يعتبرونها نهاية النظام الجمهوري والرئاسة التي تصفها بالاصلاح الضروري ، فان ما يحدث اليوم هو قطعا نهاية مرحلة من العبث الشامل في اروقة المحاكم جزء هام منها مدون في تقرير التفقدية العامة لوزارة العدل وموثق في شهادات متعددة من محامين وقضاة ونشطاء وجمعيات وهيئات دفاع على مر عشرية ما بعد الثورة تلخص كيف تحولت المحاكم الى مقابر للعدالة حتى بات لكل قضية كبرى ثمن ومنصب وامتيازات او تهديدات .

فشل الاصلاح من الداخل

شكلت اقالة وزير العدل محمد بوستة في شهر فيفري المنقضي من قبل رئيس الحكومة انذاك هشام المشيشي عشية احالته تقرير التفقدية العامة بالوزارة حول فساد عدد من القضاة وعلى راسهم البشير العكرمي والطيب راشد وفشل المجلس الاعلى للقضاء بعدها في ادارة هذا الملف الثقيل بما تضمن من شبهات خطيرة من فساد المالي والتواطى مع الارهاب ، اخر فرص اصلاح القضاء من الداخل .

فشل المجلس في اقتناص تلك الفرصة وبـ”تبييض” نفسه بنفسه بل واكدت الوقائع انه مجلس مكبل بملفات تُلاحق عدد من أعضائه من جهة وبانخراط اخرين في اجندات سياسية من جهة اخرى ونذكر هنا بتصريحات صادمة للوزير بوستة في جلسة بالبرلمان حول واقع السلطة القضائية ختمها بالتشديد على ان “القضاء يحتضر” داعيا رجالاته ونساؤه الى لعب دورهم وانقاذ ما يمكن انقاذه.

وقبل الوصول الى “مرحلة الاحتضار”، عاش القضاء محطات متشعبة منذ الثورة حتى 25 جويلية يمكن تلخصيها في :

مرحلة “تدجين القضاء” مع حكومة الترويكا الاولى وعزل وزير العدل نور الدين البحيري 75 قاضيا كانت منطلقا لهيمنة كاملة على الجهاز القضائي بالترهيب وفتحت حتى السجون للجمعيات لابرام صفقات سياسية.

– مرحلة “الغواصات” تميزت بتعيين وزراء “تكنوقراط” اثر مطالب تحييد وزارات السيادة وكانت النتيجة تواصل هيمنة النهضة من وراء الستار.

– مرحلة “التوافق” وبداية اقتسام النفوذ داخل الجهاز القضائي في فترة يوسف الشاهد بين القصبة وحركة النهضة.

– مرحلة “جمهورية القضاة” التي افشلت الاصلاح بسبب معضلة المساندة القطاعية التي حولت القضاة الى دولة داخل الدولة.

ورغم انحراف السلطة القضائية عن لعب دورها في عشرية ما بعد الثورة وفشل الاصلاح من الداخل، فان ذلك لا يعني ان الحل سيكون عبر الغائها واحالة صلاحياتها الى رئيس الجمهورية بما سيمثل انتكاسة كبرى وعودة الى الوراء وخطرا داهما لاسيما مع رئيس تقوده النزاعات الشخصية وبينت الاحداث ان معطياته غير دقيقة ان لم نقل مغلوطة بالاضافة الى خروجه التام عن المسار التصحيحي وانخراطه في تنفيذ مشروعه السياسي وهذا قد يعني ان “الإصلاح والحرب على الفساد” قد يتحولان الى عملية تصفية سياسية تطال خصومه ومعارضيه.

وقد يفتح الضغط الذي يمارسه سعيد على القضاء وتقسيمه القضاة بين شرفاء وفاسدين المجال واسعا للتموقع يكون في النهاية اعادة رسكلة لـ”للقضاة الفاسدين” يدخلون بمقتضاه بيت طاعة جديد عبر القيام بنفس الخدمات السابقة دون مقابل مادي هذا اكيد لكن مقابل الحماية. ونذكر في هذا السياق بأن رئيس هيئة مكافحة الفساد الذي خلف العميد شوقي الطبيب وهو اليوم من بين المستشارين غير المعلنين في رئاسة الجمهورية، كان ضمن ما يسمى بـ “قضاة بن علي” وهو أحد منظمي الانقلاب على جمعية القضاة.

ونذكر ايضا بان قيس سعيد كان قد رشح وزيرا للدفاع في حكومة الجملي رفضته رابطة حقوق الانسان ووصفت التعيين بالاستفزاز غير المقبول واكدت في بيان صادر عنها أن “الوزير المقترح هو أحد أذرع بن علي الذي استعمله في هرسلة الرابطة ومنع هيئتها المديرة من النشاط وتعليق صلاحياتها وانه حرر الحكم بخط يده وذيله بامضائه”.

في المحصلة معركة القضاء هي ام المعارك وما يقوم به رئيس الجمهورية قيس سعيد وان كان يُثير مخاوف مشروعة فقد يكون رب ضارة نافعة مثلما ذهب الى ذلك القاضي الاداري المتقاعد والناشط بالمجتمع المدني احمد صواب الذي اقترح الانطلاق في تفعيل قانون ‘من اين لك هذا’ ليكون منطلقا لمحاربة الفساد في القضاء مع تعديل قانون المجلس الاعلى للقضاء والضغط حتى لا لا يفشل مسار الاصلاح ويكون بوابة لنسف كل المكاسب تحت عنوان التطهير.

عملية سعيد هي قضاء على القضاء وستنهي بشكل أو بآخر منظومة فاسدة تمكنت من بسط نفوذها على الجهاز القضائي بفضل حصانة سياسية وتحالفات زبونية أسقطتها إجراءات 25 جويلية التي فتحت باب المحاسبة ويبقى في الأثناء الرهان الحقيقي هو “ما بعد” وكيفية التوصّل لإرساء مقاربة تدشّن مرحلة قضاء مستقل لا يحتكم فعلا لأية سلطة سياسية قائمة مهما كانت في دولة لم تشهد قط في تاريخها سلطة قضائية مستقلة.

نشر باسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 2 نوفمبر 2021


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING