الشارع المغاربي – تونس هازها الواد والسلطة تقول العام صابة/ بقلم : جمال الدين العويديدي

تونس هازها الواد والسلطة تقول العام صابة/ بقلم : جمال الدين العويديدي

11 يناير، 2018

الشارع المغاربي :  أمام التوجس الكبير و المشروع الذي ينتاب جل التونسيين نتيجة تأزم غير مسبوق للوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد أطل علينا رئيس الجمهورية في بداية السنة بكلمة حملت في طياتها محاولة طمأنة و مجرد تمنيات  بقدر ما افتقرت إلى تقييم موضوعي علاوة على انعدام وجود إجراءات جريئة و سيادية لصالح البلاد.

ما جاء على لسان رئيس الحكومة في حواره بإحدى القنوات الوطنية لا يختلف عن هذا الموقف حيث حمل خطابه تناقضات عجيبة من نوعالحكومة لا تستطيع أن توفر مواطن الشغلثم يعلن مباشرة ان سنة 2018 سوف تكون سنة التشغيلفي القطاع الخاصمتناسيا ما أعلنت عنه وداد بوشماوي بأن القطاع الخاصسوف لن يستثمر و لن يخلق مواطن شغل في سنة 2018في خطوة للتعبير عن عدم الرضا على قانون المالية لسنة 2018  و الحال أن المنظمة شريك في وثيقة قرطاج.

أمام هذا المشهد المريب يحق للشعب التونسي أن يتساءل ويستغرب من هذه الطريقة التي تدار بها شؤون البلاد    
و الحال أن كل التحاليل الجدية الداخلية منها
والخارجية تؤكد على خطورة الوضع الاقتصادي و الاجتماعي الذي أوصل البلاد إلى فوهة بركان.

سياسة التضليل و التعتيم حول حقيقة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي لم تعد تجدي نفعا

من هذا المنطلق نعتقد مثلا أن مايزعمه المسؤولون في البلاد في تناغم مع كل من السفير الفرنسي وممثل المفوضية الأوروبية بتونس من توازن للمبادلات التجارية مع الاتحاد الأوروبي هو ادعاء عار عن الصحة حيث أن العجز التجاري مع هذه البلدان ناهز التسعة مليارات دينار في سنة 2016  و يمثل أكثر من 43 بالمائة من إجمالي العجز السنوي. لذا نطالب رئيس الجمهورية وكل المسؤولين في الحكومة بأن يضعوا حدا لهذا التضليل المريب وأن ينتبهوا لخطورة المؤشرات الاقتصادية المخفية التي سوف تُطرح عاجلا كمحاور أساسية يجب معالجتها قبل فوات الأوان نذكر من أهمها:

  تداعيات تحوير القانون الأساسي للبنك المركز التونسي عبر القانون عدد352016 بتاريخ 25 أفريل 2016 و الذي يجبر الدولة على اللجوء للبنوك الخاصة لتوفير السيولة الضرورية للميزانية بفوائض مشطة بلغت 8,2 بالمائة مؤخرا بينما كانت سابقا تتحصل عليها مباشرة من البنك المركزي بشروط جد ميسرة. بمقتضى هذا القانون مُنحت هذه الميزة للبنوك الخاصة ( من بينها أربعة تحت سيطرة بنوك فرنسية) لتستفيد منها على حساب ميزانية الدولة وذلك تحت ضغط البنك الأوروبي
وصندوق النقد الدولي.   

  التدهور الخطير لسعر الدينار الذي فقد أكثر من نصف قيمته بين 2010 و 2017 مقارنة بالأورو و بالدولار الأمريكي بصفتهما أهم عملتين للمديونية الخارجية من بينها 21,5 في سنة 2017 بالنسبة للأورو وذلك نتيجة استفحال التوريد المكثف  في صمت مريب للحكومة التي استسلمت للأمر الوقع.

  انهيار قيمة الدينار عمّق المديونية الخارجية حيث ارتفعت من 40 مليار دينار إلى 56 مليار دينار بين جوان  2016  و جوان 2017 أي بنسبة 40 بالمائة في سنة واحدة من بينها 22 بالمائة  نتيجة مباشرة لانهيار قيمة الدينار.

  كما تسبب انهيار قيمة الدينار في تعميق العجز التجاري حيث سجّل سنة 2017 عجزا قياسيا مهولا في حدود 25 مليار دينار سوف تكون له تداعيات خطيرة على ميزان الدفوعات مما ينذر بفرضية إعلان عجز الدولة التونسية عن الإيفاء بتعهداتها المالية الخارجية و يعرضها للابتزاز الخارجي كالتوقيع على شراكات مضرة و التفويت في مؤسساتنا الوطنية مقابل قروض مشروطة

  ما زالت الدولة تهدر مليار دولار سنويا أي ما يعادل 2,5 مليار دينار تونسي حاليا  في شكل منح يتم صرفها من حساب ميزانية الدولة لصالح الشركات الأوروبية  الغير مقيمة و المصدرة كليا بشهادة البنك الدولي في تقريره الصادر في سنة 2014 و الحال أنها معفية من دفع الضرائب. و الغريب أن الحكومة تعتزم الزيادة في هذه المنح بعنوان التشجيع على التصدير في خطوة مريبة حيث أن هذه الشركات لا تسترجع مداخيل التصدير إلى الوطن التونسي بشهادة البنك المركزي التونسي.

  تغافل مريب للحكومة عن التقرير الخطير الصادر عن وكالة النهوض بالصناعة في جوان 2017 والذي أكد إفلاس 4319 مؤسسة صناعية من التي تشغل من 10 أشخاص إلى أكثر بين 2005 و 2010 و الذي نتج عنه فقدان 250 ألف موطن شغل في علاقة مباشرة بتداعيات اتفاق الشراكة الموقع في سنة 1995 مع الاتحاد الأوروبي و نتيجة لعدم تفعيل القوانين الحمائية المصادق عليها عالميا.

٪ إذا أضفنا الى ذلك نسبة البطالة التي تطال مئات الآلاف من الشباب و حالة التهميش المتواصلة في الجهات الداخلية و تدهور القدرة الشرائية لجميع شرائح المجتمع نتيجة غلاء المعيشة تتأكد خطورة الوضع بدون منازع.

المطلوب اتخاذ إجراءات سيادية وجريئة

بناء على هذه المؤشرات الخطيرة يترتب على كل المسؤولين في الدولة وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أن يبادروا باتخاذ الإجراءات السيادية والجريئة التي يتطلبها الوضع الحالي و خاصة:

 ضرورة التسريع بالعمل على إلغاء مفعول القانون عدد 352016 المتعلق بالقانون الأساسي للبنك المركزي التونسي والذي أضر بميزانية الدولة بقدر ما ساهم في تمعّش البنوك الخاصة من هذا القانون.

 ضرورة إعلان رفع صرف المنح التي تدفع من ميزانية الدولة سنويا للشركات الأوروبية الغير مقيمة والتي ثبت أنها في غنى عنها بشهادة البنك الدولي واستعمال كامل المبلغ أي مليار دولار سنويا  تقريبا كرأس مال لبعث بنك تنمية وطني يتكون من 24 فرع بحساب فرع لكل ولاية وتكون الأولوية المطلقة في فتح الفروع للجهات الداخلية. ويتعهد كل فرع في إطار خطة إستراتيجية وطنية لتنمية القطاعات المنتجة الفلاحية و الصناعية و الخدماتية ببعث مشاريع جهوية ذات قيمة مضافة و قادرة على تثمين المواد الأولية المحلية.

  ضرورة اتخاذ إجراءات حمائية صارمة و مشددة لترشيد التوريد طبقا للفصل 12 من قانون المنظمة العالمية للتجارة والفصل 35 من اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في علاقة بالعجز الخطير في ميزان الدفوعات وسعيا لرد الاعتبار لقيمة العملة الوطنية. وذلك أسوة بما سارعت بقيامه البلدان الشقيقة مثل المغرب منذ سنة 2011
والجزائر التي أعلنت رسميا منذ سنتين بالإيقاف المؤقت لتوريد قائمة تضم أكثر من ألف منتوج شمل خاصة المواد التي ينتج مثيلها في الجزائر. إن التعويل على التصدير حاليا للتقليص من العجز التجاري في ظل تعطيل القطاعات المنتجة الوطنية يدخل في خانة التضليل والإضرار بالبلاد.

  ضرورة الإحاطة بالمؤسسات الوطنية عبر التفعيل الغير مشروط لقوانين الحماية من عمليات التوريد المكثف المصادق عليها عالميا وعبر توفير الإمكانات المالية الميسرة لتمكين هذه المؤسسات من استعادة نشاطها بأسرع وقت ممكن لتوفير مواطن شغل مستدامة
والعمل على التصدير لتعزيز رصيدنا الوطني من العملة  الأجنبية.

هذه الإجراءات تمثل الحد الأدنى الذي يجب اتخاذه سريعا لإخراج البلاد من هذه الأزمة العميقة الناتجة عن خيارات مغلوطة لا تخدم إلا أقليات محلية وجهات أجنبية على حساب حق الشعب في العيش الكريم في كنف الاستقرار و الأمن الوطني.كل امتناع أو تلكئ سوف تكون له تداعيات خطيرة و سوف يكون دليلا على مدى ارتهان الحكومة التونسية للضغوط الداخلية والخارجية التي تتربص بالبلاد للنيل من مؤسساتنا و ثرواتنا الوطنية


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING