الشارع المغاربي – صحيفة‭ ‬قطرية‭ ‬تتحدث‭ ‬زورا‭ ‬وبهتانا عن "انتحار تلاميذ تونس"/بقلم: معز زيود

صحيفة‭ ‬قطرية‭ ‬تتحدث‭ ‬زورا‭ ‬وبهتانا عن “انتحار تلاميذ تونس”/بقلم: معز زيود

قسم الأخبار

24 يونيو، 2023

الشارع المغاربي: نشرت‭ ‬صحيفة‭ “‬العربي‭ ‬الجديد‭” ‬القطريّة‭ ‬منذ‭ ‬يومين‭ ‬مقالا‭ ‬بعنوان‭ “‬انتحار‭ ‬تلاميذ‭ ‬تونس‭… ‬إحباط‭ ‬أم‭ ‬غياب‭ ‬للإحاطة‭ ‬النفسية؟‭”. ‬بمجرّد‭ ‬قراءة‭ ‬هذا‭ ‬العنوان‭ ‬المثير‭ ‬خِلتُ‭ ‬نفسي‭ ‬أقطن‭ ‬في‭ ‬المرّيخ‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬فلا‭ ‬شيء‭ ‬يُبرّر‭ ‬هذا‭ “‬العنوان‭ ‬التعميمي‭” ‬سوى‭ ‬حدوث‭ ‬موجة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬عمليّات‭ ‬الانتحار‭ ‬المؤسفة‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬المدرسيّة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬بها‭ ‬التونسيّون‭ ‬وأنا‭ ‬من‭ ‬بينهم‭. ‬سارعت‭ ‬بالاطّلاع‭ ‬على‭ ‬مضمون‭ ‬المقال،‭ ‬علّني‭ ‬أجد‭ ‬إحصائيّات‭ ‬جديدة‭ ‬تكشف‭ ‬تصاعد‭ ‬هذه‭ ‬الكارثة‭ ‬الوطنيّة،‭ ‬لكنّني‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬أيقنت‭ ‬أنّه‭ ‬عنوان‭ ‬كاذب،‭ ‬لا‭ ‬هدف‭ ‬من‭ ‬ورائه‭ ‬سوى‭ ‬المغالطة‭ ‬والتشويه‭. ‬

ذكرت‭ ‬الصحيفة‭ ‬في‭ ‬مقالها‭ ‬أنّ‭ ‬ولاية‭ ‬القيروان‭ ‬شهدت‭ ‬عمليّتي‭ ‬انتحار‭ ‬تلميذين،‭ ‬جدّت‭ ‬إحداهما‭ ‬في‭ ‬ماي‭ ‬2023‭ ‬والأخرى‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2022‭. ‬وأشارت‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬انتحار‭ ‬تلميذة‭ ‬بولاية‭ ‬المنستير‭ ‬في‭ ‬أفريل‭ ‬الماضي،‭ ‬ممّا‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬إصابتها‭ ‬بكسور‭ ‬بعد‭ ‬إلقاء‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬الطابق‭ ‬الأوّل‭ ‬لبناية‭ ‬لم‭ ‬تحدّد‭ ‬مكانها‭.‬

لا‭ ‬ريب‭ ‬طبعًا‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬عمليّة‭ ‬انتحار‭ ‬تلميذ‭ ‬أو‭ ‬طفل‭ ‬واحد‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬ذاتها‭ ‬كارثة‭ ‬خطيرة‭ ‬بأتمّ‭ ‬معنى‭ ‬الكلمة،‭ ‬لأنّها‭ ‬تُعبّر‭ ‬عن‭ ‬فشل‭ ‬المجتمع‭ ‬والمؤسّسة‭ ‬التربويّة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬طفل‭ ‬انغلقت‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬كافّة‭ ‬الأبواب،‭ ‬ولم‭ ‬تتمكّن‭ ‬من‭ ‬استباق‭ ‬الظرف‭ ‬النفسي‭ ‬المتأزّم‭ ‬الذي‭ ‬دفعه‭ ‬إلى‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬حدّ‭ ‬لحياته،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فإنّ‭ ‬حصول‭ ‬عمليّتيْ‭ ‬انتحار‭ ‬تلميذين‭ ‬لا‭ ‬يُبرّر‭ ‬بأيّ‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬حديث‭ ‬الصحيفة‭ ‬عن‭ ‬‭”‬انتحار‭ ‬تلاميذ‭ ‬تونس‭” ‬كما‭ ‬وصفت‭ ‬كذبًا‭ ‬في‭ ‬عنوانها‭. ‬كان‭ ‬بإمكانها‭ ‬مثلا‭ ‬الاكتفاء‭ ‬فقط‭ ‬بزيادة‭ ‬حرف‭ ‬جرّ‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ “‬انتحار‭ ‬تلاميذ‭ ‬في‭ ‬تونس‭”‬،‭ ‬أي‭ ‬أنّ‭ ‬تلك‭ ‬الفاجعة‭ ‬المؤسفة‭ ‬مسّت‭ ‬بعض‭ ‬تلاميذ‭ ‬تونس‭. ‬وعندها‭ ‬تتجنّب‭ ‬المغالطة‭ ‬المقصودة‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الإيحاء‭ ‬بأنّ‭ ‬الانتحار‭ ‬ظاهرة‭ ‬متفشّية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬تلاميذ‭ ‬البلاد‭ ‬التونسيّة‭ ‬من‭ ‬شمالها‭ ‬إلى‭ ‬جنوبها‭. ‬

لا‭ ‬نُناقش‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬الموجزة‭ ‬ظاهرة‭ ‬انتحار‭ ‬التلاميذ‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬سواها‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬العالم‭ ‬بنسب‭ ‬متفاوتة‭. ‬ولا‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬الأشكال‭ ‬المشهديّة‭ ‬الجديدة‭ ‬لعمليّات‭ ‬الانتحار‭ ‬لدى‭ ‬صغار‭ ‬السنّ،‭ ‬بوصفها‭ ‬تعبيرات‭ ‬احتجاجيّة‭ ‬عن‭ ‬انسداد‭ ‬الأفق‭ ‬اجتماعيّا‭ ‬ونفسيّا‭. ‬كما‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬خلاف‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬المؤسّسة‭ ‬التربوية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬تتحمّل‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬المسؤوليّة‭ ‬في‭ ‬تنامي‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬لاسيما‭ ‬انّ‭ ‬المنظومة‭ ‬التربويّة‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬تعيش‭ ‬أزمة‭ ‬حادّة‭ ‬مثل‭ ‬معظم‭ ‬القطاعات‭. ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬معلوم‭ ‬لدى‭ ‬القاصي‭ ‬والداني،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬مخرجات‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لم‭ ‬تنحدر‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬مخرجات‭ ‬نظيرتها‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬حيث‭ ‬يُستورد‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬بقوّة‭ ‬البترودولار،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البرامج‭ ‬التعليميّة‭ ‬الجاهزة‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬أمريكا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبيّة‭ ‬الأخرى‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬هل‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬سمعنا‭ ‬مثلا‭ ‬أنّ‭ ‬قطر‭ ‬أو‭ ‬أيّة‭ ‬دولة‭ ‬خليجيّة‭ ‬أخرى‭ ‬تُصدّر‭ ‬المهندسين‭ ‬والأطباء‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬الكوادر‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬الغربيّة‭ ‬وغيرها‭. ‬هؤلاء‭ ‬الكوادر‭ ‬التونسيّة،‭ ‬وعددهم‭ ‬بالآلاف،‭ ‬لو‭ ‬درسوا‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬تعليميّة‭ ‬تُشجّع‭ ‬على‭ ‬الانتحار‭ ‬لما‭ ‬حصّلوا‭ ‬ذلك‭ ‬المستوى‭ ‬المتقدّم‭ ‬من‭ ‬مهارات‭ ‬نحت‭ ‬الذات‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الانعكاسات‭ ‬السلبيّة‭ ‬العديدة‭ ‬لظاهرة‭ ‬هجرة‭ ‬الأدمغة‭ ‬والكوادر‭ ‬المختصّة‭ ‬عموما‭ ‬فإنّها‭ ‬تُجسّد‭ ‬كذلك‭ ‬جودة‭ ‬مخرجات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬التونسي‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬عدّة‭…‬

لا‭ ‬يتعلّق‭ ‬هذا‭ ‬السرد‭ ‬طبعًا‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ “‬الشوفينيّة‭” ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬تونس،‭ ‬لكنّه‭ ‬يأبى‭ ‬كذلك‭ ‬الصمت‭ ‬عن‭ ‬محاولات‭ ‬التزييف‭ ‬والمغالطة‭ ‬التي‭ ‬دأبت‭ ‬عليها‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬القطريّة‭ ‬في‭ ‬تغطيتها‭ ‬لمستجدّات‭ ‬الساحة‭ ‬التونسيّة‭. ‬ولا‭ ‬نعني‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬أيضا‭ ‬صاحب‭ ‬المقال،‭ ‬بما‭ ‬أنّه‭ ‬للأسف‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬قوّة،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬سياسة‭ ‬تفقير‭ ‬الصحفيّين‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬بل‭ ‬نعني‭ ‬الصحيفة‭ ‬القطريّة‭ ‬وتحديدا‭ ‬المشرف‭ ‬على‭ ‬تحريرها‭. ‬فمن‭ ‬المعلوم‭ ‬أنّ‭ ‬عنوان‭ ‬المقال‭ ‬هو‭ ‬أساسا‭ ‬من‭ ‬مسؤوليّة‭ ‬الصحيفة،‭ ‬ويمكن‭ ‬لرئيس‭ ‬التحرير‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬ينوبه‭ ‬في‭ ‬القسم‭ ‬ذي‭ ‬الصلة‭ ‬تعديله‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬تغييره‭ ‬متى‭ ‬شاء‭ ‬لاعتبارات‭ ‬مهنيّة‭ ‬أو‭ ‬لضوابط‭ ‬تتعلّق‭ ‬بخطّ‭ ‬التحرير‭. ‬والأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الصحف‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬تُشغّل‭ ‬محرّرين‭ ‬مهمّتهم‭ ‬الوحيدة‭ ‬هي‭ ‬صياغة‭ ‬العناوين‭. ‬ومع‭ ‬أنّ‭ ‬عنصر‭ “‬الإثارة‭” ‬من‭ ‬الأغراض‭ ‬الصحفيّة‭ ‬التي‭ ‬يتمّ‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬اختيار‭ ‬العنوان،‭ ‬فإنّه‭ ‬يُشترط‭ ‬ألّا‭ ‬يُؤدّي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬عمليّة‭ ‬مغالطة‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالواقع‭. ‬

وفي‭ ‬المحصّلة‭ ‬فإنّنا‭ ‬لا‭ ‬نعتقد‭ ‬قطّ‭ ‬أنّ‭ ‬المغالطة‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬صحيفة‭ “‬العربي‭ ‬الجديد‭” ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬الكفاءة‭ ‬والمهنيّة‭ ‬لدى‭ ‬صاحبة‭ ‬المقال‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬فداحة‭ ‬الخطأ،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬خيار‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬المؤسّسة‭. ‬وهكذا‭ ‬يتبيّن‭ ‬أنّ‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬التوظيف‭ ‬السلبي‭ ‬لأيّة‭ ‬أخبار‭ ‬تسبق‭ ‬طبيعة‭ ‬المضامين‭ ‬الإخباريّة،‭ ‬حتّى‭ ‬إن‭ ‬أدّى‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬ارتكاب‭ ‬أخطاء‭ ‬مهنيّة‭ ‬فادحة‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المضامين‭ ‬المغرقة‭ ‬في‭ ‬السلبيّة‭. ‬ومردّ‭ ‬ذلك‭ ‬تسييس‭ ‬العمل‭ ‬الصحفي‭ ‬وجعله‭ ‬رهين‭ ‬أجندة‭ ‬سياسيّة‭ ‬محدّدة‭ ‬تفرضها‭ ‬السلطات‭ ‬القطريّة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬أو‭ ‬تُموّلها،‭ ‬وإن‭ ‬تطلّب‭ ‬ذلك‭ ‬الإمعان‭ ‬في‭ ‬التشويه‭ ‬المجاني‭ ‬لأسباب‭ ‬نُدركها‭ ‬جميعًا‭…‬

*نشر باسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 20 جوان 2023


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING