الشارع المغاربي – ‮"‬مملكة‭ ‬أطلنطس"‮‬‭ ‬بين‭ ‬إشاعة‭ ‬الحمق‭ ‬والتنصّل‭ ‬من‭ ‬المسؤوليّة‭!‬ /بقلم: معز زيود

‮”‬مملكة‭ ‬أطلنطس”‮‬‭ ‬بين‭ ‬إشاعة‭ ‬الحمق‭ ‬والتنصّل‭ ‬من‭ ‬المسؤوليّة‭!‬ /بقلم: معز زيود

قسم الأخبار

24 مارس، 2023

الشارع المغاربي: لم‭ ‬أكن‭ ‬أتصوّر‭ ‬أنّني‭ ‬سأخصّص‭ ‬مقالا،‭ ‬ولو‭ ‬مختزلا،‭ ‬للتوقّف‭ ‬عند‭ ‬الجدل‭ ‬المُثار‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬الأيّام‭ ‬الأخيرة‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬يُسمّى‭ ‬بـ‭ “‬مملكة‭ ‬أطلانتس‭ ‬الجديدة‭” ‬واختراقاتها‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬وبما‭ ‬أنّها‭ ‬باتت‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬لسان‭ ‬حتّى‭ ‬لا‭ ‬نصفها‭ ‬بقضيّة‭ ‬رأي‭ ‬عام،‭ ‬فإنّه‭ ‬من‭ ‬الأجدى‭ ‬التطرّق‭ ‬لها‭ ‬رغم‭ ‬أنّها‭ ‬أتت‭ ‬لتُغطّي‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬أهمّ‭ ‬منها‭ ‬بكثير‭…‬

يعود‭ ‬هذا‭ ‬المسمّى ‭)‬أطلانتس) تاريخيّا،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأساطير‭ ‬بشأن‭ ‬جزيرة‭ ‬بحجم‭ ‬قارّة‭ ‬كانت‭ ‬تحمل‭ ‬هذا‭ ‬الاسم،‭ ‬وبلغت‭ ‬من‭ ‬التطوّر‭ ‬العلمي‭ ‬والهندسي‭ ‬في‭ ‬غابر‭ ‬الزمان‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬تحكم‭ ‬العالم‭. ‬ثمّ‭ ‬اندثرت‭ ‬تمامًا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬غرقت‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي‭. ‬وقد‭ ‬قيل‭ ‬إنّ‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الإغريقي‭ ‬أفلاطون‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬ذكرها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬حواراته،‭ ‬غير‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬وثائق‭ ‬تاريخيّة‭ ‬أو‭ ‬بحوث‭ ‬علميّة‭ ‬تؤكّد‭ ‬وجود‭ ‬تلك‭ ‬المملكة‭ ‬فعليّا‭. ‬أمّا‭ ‬ما‭ ‬يهمّنا‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬الانبثاق‭ ‬الجديد‭ ‬لـ‭ “‬مملكة‭ ‬أطلانتس‭ ‬الجديدة‭” ‬فيكمن‭ ‬بالخصوص‭ ‬في‭ ‬ترويج‭ ‬الحزب‭ ‬الحرّ‭ ‬الدستوري‭ ‬ورئيسته‭ ‬لمدى‭ ‬خطورتها‭ ‬هذه‭ ‬المملكة‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التأسيس‭ ‬على‭ “‬سلامة‭ ‬التراب‭ ‬الوطني‭” ‬وما‭ ‬تسبّبت‭ ‬فيه‭ ‬من‭ “‬اختراق‭ ‬للمؤسّسة‭ ‬التشريعيّة‭”‬،‭ ‬جرّاء‭ ‬تولّي‭ ‬نائبة‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬لحقيبة‭ ‬وزاريّة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدولة‭ ‬المزعومة‭…‬

كيان‭ ‬افتراضي‭ ‬صرف‭!‬

‭”‬مملكة‭ ‬أطلانتس‭ ‬الجديدة‭” ‬Kingdom Of New Atlantis‭ (‬KONA‭) ‬هي‭ ‬كيان‭ ‬افتراضي‭ ‬يزعم‭ ‬المُبشّرون‭ ‬به‭ ‬أنّه‭ ‬يُشكّل‭ “‬مملكة‭” ‬لها‭ ‬حكومة‭ ‬ووزراء،‭ ‬وأنّها‭ ‬بصدد‭ ‬استقبال‭ ‬طلبات‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬جنسيتها،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬وجود‭ ‬فعلي‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الآن‭. ‬ومع‭ ‬أنّ‭ ‬مسؤولي‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬يُقِرّون‭ ‬بأنّ‭ ‬وجود‭ ‬مملكتهم‭ ‬حاليّا‭ ‬افتراضي‭ ‬ولا‭ ‬مركزي،‭ ‬فإنّه‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬يتّضح‭ ‬من‭ ‬خطابهم‭ ‬أنّ‭ ‬لهم‭ ‬رغبة‭ ‬فعليّة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬استيفاء‭ ‬شروط‭ ‬تكوين‭ ‬مملكتهم،‭ ‬أي‭ ‬عبر‭ ‬حيازة‭ ‬أرض‭ ‬ورسم‭ ‬حدود،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمّونه‭ ‬باختيار‭ “‬الإقليم‭ ‬السيادي‭” ‬وتحديده‭ ‬نهائيا‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬قريبة‭ ‬جدّا‭… ‬

وحسب‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬الصفحة‭ ‬الرسميّة‭ ‬للكيان‭ ‬المذكور‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ “‬فيسبوك‭”‬،‭ ‬فإنّ‭ ‬هذه‭ “‬المملكة‭” ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أعلنت‭ ‬عن‭ ‬تأسيسها‭ ‬رسميّا‭ ‬بتاريخ‭ ‬16‭ ‬أوت‭ ‬2021‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ملكها‭ ‬المزعوم‭ ‬هارون‭ ‬إيدن‭ (‬ذي‭ ‬الجنسيّة‭ ‬التركيّة‭). ‬وقد‭ ‬نشرت‭ ‬نصّ‭ “‬دستورها‭” (‬باللغات‭ ‬التركيّة‭ ‬والعربيّة‭ ‬والإنجليزيّة‭ ‬والفرنسيّة‭) ‬بعد‭ ‬أقلّ‭ ‬من‭ ‬شهرين‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬تأسيس‭ “‬المملكة‭”‬،‭ ‬فبات‭ ‬لا‭ ‬يضاهيها‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬سنّ‭ ‬دستورها‭ ‬إلّا‭ ‬دستور‭ ‬الجمهوريّة‭ ‬التونسيّة‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يستغرق‭ ‬إعداده‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬واحد‭ ‬قبل‭ ‬إصلاح‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬أخطاء‭. ‬كما‭ ‬اختارت‭ “‬المملكة‭” ‬المزعومة‭ ‬علمًا‭ ‬يحمل‭ ‬ألوان‭ ‬علم‭ “‬جيبوتي‭” (‬الأزرق‭ ‬والأبيض‭ ‬والأخضر‭) ‬وأضافت‭ ‬له‭ ‬شعارًا‭ ‬مكوّنًا‭ ‬من‭ ‬أسدين‭ ‬وتاج‭ ‬ملكي‭ ‬وحمامة‭ ‬وغصن‭ ‬زيتون‭ ‬رمزا‭ ‬لشعارها‭ ‬المتمثّل‭ ‬في‭ ‬ثلاثية‭ “‬السلام‭ ‬والعدل‭ ‬والحريّة‭”. ‬وفي‭ ‬منشور‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬صفحتها‭ ‬الرسمية،‭ ‬تقول‭ ‬إنّ‭ “‬حكومة‭ ‬مملكة‭ ‬أطلانتس‭ ‬الجديدة‭ ‬لم‭ ‬تُقرّر‭ ‬بعد‭ ‬موقع‭ ‬إقليمها‭ ‬السيادي‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬خيارات‭ ‬مثل‭ ‬تركيا‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقيّة‭ ‬والأوروبيّة،‭ ‬وحين‭ ‬يتقرّر‭ ‬ذلك‭ ‬الأمر‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬القادمة‭ ‬سيتمّ‭ ‬الإعلان‭ ‬رسميّا‭ ‬عن‭ ‬الإقليم‭ ‬السيادي‭ ‬للمملكة‭”. ‬صدر‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬في‭ ‬منشور‭ ‬بصفحتها‭ ‬بتاريخ‭ ‬16‭ ‬أكتوبر‭ ‬2021‭.‬

وتشير‭ ‬بعض‭ ‬الصور‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬صفحاتها‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ “‬فيسبوك‭” ‬إلى‭ ‬أنّها‭ ‬انطلقت‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬المخطّطات‭ ‬الهندسيّة‭ ‬للدولة‭ ‬المزعومة‭. ‬والأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنّها‭ ‬حدّدت‭ ‬التكاليف‭ ‬وأسعار‭ ‬المباني‭ ‬المعروضة‭ ‬للبيع‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬غير‭ ‬معلوم‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الآن‭. ‬كما‭ ‬نشرت‭ ‬نماذج‭ ‬لعملة‭ ‬المملكة‭ ‬وجواز‭ ‬سفرها‭ ‬وبطاقة‭ ‬الهويّة‭…‬

ومن‭ ‬المثير‭ ‬للسخرية‭ ‬أنّ‭ ‬المشرفين‭ ‬على‭ ‬الصفحة‭ ‬الرسميّة‭ ‬لهذه‭ “‬المملكة‭” ‬يخطئون‭ ‬هم‭ ‬أنفسهم،‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر،‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬اسم‭ ‬مملكتهم‭… ‬ومجرّد‭ ‬زيارة‭ ‬قناة‭ “‬يوتيوب‭” ‬التابعة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُسمّى‭ ‬بـ‭”‬الموقع‭ ‬الإخباري‭ ‬لمملكة‭ ‬أطلانتس‭ ‬الجديدة‭)‬أرض‭ ‬الحكمة)‭ ‬Kona News‭” ‬نجد‭ ‬أنّ‭ ‬لها‭ ‬5‭ ‬مشتركين‭ ‬فقط‭. ‬وهو‭ ‬عدد‭ ‬يقلّ‭ ‬حتّى‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬وزراء‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬كونه‭ ‬مجرّد‭ ‬صفحة‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ “‬فيسبوك‭” ‬مثل‭ ‬الصفحات‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الدوليّة‭ ‬الوهميّة‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬تُسند‭ ‬بيُسر‭ ‬تام‭ ‬شهادات‭ ‬الخبراء‭ ‬والمدرّبين‭ ‬الدوليّين‭ ‬وألقاب‭ ‬السفراء‭ ‬فوق‭ ‬العادة‭ ‬للمشتركين‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الدعاية‭ ‬والاحتيال‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭…‬

والمثير‭ ‬للأسف‭ ‬أنّ‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬التونسيّة‭ ‬قد‭ ‬حاورت‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الإثارة‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬التونسيّين‭ ‬الذين‭ ‬ادّعوا‭ ‬أنّهم‭ ‬مسؤولون‭ ‬بهذا‭ ‬الكيان‭ ‬المفرغ‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬مضمون‭ ‬حقيقي‭. ‬وروّجت‭ ‬لما‭ ‬مفاده‭ ‬أنّ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التونسيّين‭ ‬قد‭ ‬قدّموا‭ ‬مطالب‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬جنسية‭ “‬مملكة‭ ‬أطلانتس‭”. ‬والحقيقة‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬نفي‭ ‬حقيقة‭ ‬تقديم‭ ‬تلك‭ ‬المطالب‭ ‬لأنّ‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬ينفي‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬مثل‭ ‬غيرها‭ ‬تغصّ‭ ‬بآلاف‭ ‬الحمقى‭ ‬والسُّذّج‭ ‬وكذلك‭ ‬بالمتمسّكين‭ ‬بأيّة‭ ‬قشّة‭ ‬قد‭ ‬تُنجيهم‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬المرير‭ ‬الذي‭ ‬يُكابدونه،‭ ‬ولو‭ ‬تطلّب‭ ‬الأمر‭ ‬منهم‭ ‬كيل‭ ‬شتّى‭ ‬الشتائم‭ ‬المقذعة‭ ‬لكلّ‭ ‬من‭ ‬واجههم‭ ‬بحقيقتهم‭ ‬ودعاهم‭ ‬إلى‭ ‬التمسّك‭ ‬بالرصانة‭ ‬والعقلانيّة‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الأوهام‭ ‬والشعوذة‭ ‬وسيل‭ ‬التفاهات‭ ‬السائدة‭… ‬

تهافت‭ ‬وتنصّل

يرصد‭ ‬أيّ‭ ‬عاقل‭ ‬إذن‭ ‬عمليّة‭ ‬احتيال‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬هذه‭ ‬الجماعة،‭ ‬حتّى‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬تتردّد‭ ‬في‭ ‬توشيح‭ ‬بعض‭ ‬منشوراتها‭ ‬بالشعار‭ ‬الرسمي‭ ‬لمنظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬منظمة‭ ‬مكوّنة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭ ‬كاملة‭ ‬وحكومات‭ ‬معترف‭ ‬بها‭ ‬دوليّا‭. ‬ويدرك‭ ‬مؤسّسها‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬نفسه‭ ‬ملكًا،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬تركيا ‭)‬هارون‭ ‬إيدن) ‭ ‬أنّه‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬استقطاب‭ ‬أشخاص‭ ‬نكرات‭ ‬هاجسهم‭ ‬الاعتراف‭ ‬بذواتهم‭ ‬المنكسرة‭. ‬فهذا‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬من‭ ‬الأردن‭ )‬محمد‭ ‬العبادي) ‬وذاك‭ ‬وزير‭ ‬الصحة‭ ‬من‭ ‬اليمن‭ ‬وآخرون‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬العربي‭ ‬وذاك‭… ‬والحقيقة‭ ‬أنّه‭ ‬ليس‭ ‬غريبًا‭ ‬أن‭ ‬يُركّز‭ ‬قائد‭ ‬الجوقة‭ ‬التركي‭ ‬في‭ ‬اختياراته‭ ‬على‭ ‬إسناد‭ ‬حقائبه‭ ‬الوزاريّة‭ ‬الموهومة‭ ‬إلى‭ ‬أشخاص‭ ‬كلّهم‭ ‬تقريبا‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬عربيّة‭…‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬جاء‭ ‬تداول‭ ‬اسم‭ ‬سوسن‭ ‬مبروك‭ ‬نائبة‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬الجديد‭ ‬التي‭ ‬أسندت‭ ‬إليها‭ ‬حقيبة‭ “‬وزيرة‭ ‬العمل‭ ‬والشؤون‭ ‬الاجتماعيّة‭” ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬قبل‭ ‬حذف‭ ‬هذا‭ ‬المسمّى‭ ‬فور‭ ‬إثارة‭ ‬جدل‭ ‬كبير‭ ‬بشأن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬ثمّ‭ ‬نشرت‭ ‬صفحات‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ “‬بيانا‭ ‬توضيحيّا‭” ‬يحمل‭ ‬توقيع‭ ‬المدعو‭ “‬محمد‭ ‬سعيد‭ ‬طوغلي‭” ‬الناطق‭ ‬الرسمي‭ ‬باسم‭ ‬حكومة‭ ‬مملكة‭ “‬أرض‭ ‬الحكمة‭”‬،‭ ‬يؤكّد‭ ‬فيه‭ ‬أنّ‭ ‬علاقة‭ “‬حكومته‭” ‬بالسيدة‭ ‬سوسن‭ ‬مبروك‭ “‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬بالأصل‭ ‬مع‭ ‬مكتبها‭ ‬الاستشاري‭ ‬القانوني،‭ ‬حيث‭ ‬قدّمت‭ ‬لنا‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬والدراسات‭ ‬لوزارة‭ ‬العمل‭ ‬وبعض‭ ‬الوزارات‭. ‬ونؤكّد‭ ‬على‭ ‬أنّه‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬أيّ‭ ‬علاقة‭ ‬بالمملكة‭ ‬وليس‭ ‬لها‭ ‬صفة‭ ‬رسميّة‭”.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬بدت‭ ‬سوسن‭ ‬مبروك‭ ‬مرتبكة‭ ‬في‭ ‬تدخّلاتها‭ ‬ببعض‭ ‬الإذاعات،‭ ‬جرّاء‭ ‬هول‭ ‬ما‭ ‬أثاره‭ ‬الحزب‭ ‬الدستوري‭ ‬الحرّ‭ ‬حولها‭ ‬حتّى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتسلّم‭ ‬مهامها‭ ‬أصلا‭ ‬بالمجلس‭ ‬النيابي‭ ‬الجديد‭. ‬فقد‭ ‬باتت‭ ‬موضع‭ ‬تساؤل‭ ‬وشكوك‭ ‬حول‭ ‬شبهة‭ ‬تورّطها‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬أجندات‭ ‬أجنبيّة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬اختراق‭ ‬المؤسّسة‭ ‬التشريعيّة‭ ‬التونسيّة‭. ‬والحال‭ ‬أنّها‭ ‬تشغل‭ ‬منصب‭ ‬نائبة‭ ‬رئيس‭ ‬برلمان‭ ‬صاغه‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهوريّة‭ ‬بكامل‭ ‬تفاصيله‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬تخوين‭ ‬نوابٍ‭ ‬من‭ ‬البرلمان‭ ‬السابق‭ ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬سرديّة‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنيّة‭. ‬النائبة‭ ‬سوسن‭ ‬مبروك‭ ‬ذكرت‭ ‬أنّ‭ ‬جلّ‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬هو‭ ‬تقديم‭ ‬ورقة‭ ‬عمل‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬انتشار‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬عبر‭ ‬تطبيقة‭ “‬زووم‭” ‬بصفتها‭ ‬مستشارة‭ ‬قانونيّة‭ ‬استأنست‭ ‬تلك‭ ‬المنظمة‭ ‬أو‭ ‬المملكة‭ ‬برأيها‭ ‬ونشرته‭ ‬في‭ ‬صفحاتها‭. ‬كما‭ ‬قالت‭ “‬أنا‭ ‬غير‭ ‬وصيّة‭ ‬أو‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬استعمال‭ ‬اسمي‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬ما‭… ‬وهذه‭ ‬الهجمة‭ ‬وكلّ‭ ‬ما‭ ‬يصير‭ ‬حاليا‭ ‬بهذا‭ ‬الشأن‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬عملي‭ ‬وجعلي‭ ‬أقوم‭ ‬بتبرير‭ ‬مواقفي‭”…‬

الإشكال‭ ‬المطروح‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬عدم‭ ‬معرفة‭ ‬سوسن‭ ‬مبروك‭ ‬بتلك‭ ‬الصفة‭ ‬المسندة‭ ‬إليها‭ ‬قبل‭ ‬إثارة‭ ‬الجدل‭ ‬بشأنها‭ ‬اليوم‭. ‬والأرجح‭ ‬أنّ‭ ‬رغبتها‭ ‬في‭ ‬البروز‭ ‬والتهافت‭ ‬على‭ ‬التعريف‭ ‬بـ‭ “‬بطولاتها‭” ‬و‭”‬مآثرها‭” ‬في‭ ‬مجال‭ ‬القانون‭ ‬قد‭ ‬أسقطتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المطبّ‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنّها‭ ‬محدودة‭ ‬الخبرة‭ ‬ويعوزها‭ ‬ما‭ ‬يتطلّبه‭ ‬مجال‭ ‬عملها‭ ‬من‭ ‬رصانة‭ ‬وتريّث‭ ‬وتواضع‭. ‬والحال‭ ‬أنّها‭ ‬باتت‭ ‬تشغل‭ ‬منصبًا‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بارتكاب‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬الأخطاء‭ ‬الطفوليّة‭ ‬الفادحة‭…‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬خلاف‭ ‬حول‭ ‬الخلفيات‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬الحزب‭ ‬الحرّ‭ ‬الدستوري‭ ‬إلى‭ ‬إثارة‭ ‬الشكوك‭ ‬حول‭ “‬وطنيّة‭” ‬نائبة‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬سوسن‭ ‬مبروك‭ ‬ووصفها‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬الحزب‭ ‬بأنّها‭ “‬عضوة‭ ‬في‭ ‬أخطبوط‭ ‬متعدّد‭ ‬الجنسيات‭ ‬من‭ ‬الهيئات‭ ‬والمنظمات‭ ‬الأجنبيّة‭”‬،‭ ‬ممّا‭ “‬يمثّل‭ ‬خطرا‭ ‬جسيمًا‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭”. ‬فمن‭ ‬مصلحة‭ ‬الدستوري‭ ‬الحرّ‭ ‬أن‭ ‬يُثير‭ ‬الشكوك‭ ‬حول‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬يتّصل‭ ‬بالسلطة‭ ‬ومؤسّساتها،‭ ‬باعتبار‭ ‬أنّ‭ ‬حزب‭ ‬عبير‭ ‬موسي‭ ‬يُمثّل‭ ‬تقريبًا‭ ‬القوّة‭ ‬المعارضة‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصاب‭ ‬الوهن‭ ‬والارتباك‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬أن‭ ‬تنهض‭ ‬مجدّدا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬راشد‭ ‬الغنوشي‭ ‬على‭ ‬رأسها‭. ‬

من‭ ‬حقّ‭ ‬الحزب‭ ‬الدستوري‭ ‬طبعًا‭ ‬أن‭ ‬يصف‭ ‬البرلمان‭ ‬الجديد‭ ‬بالفاقد‭ ‬للشرعيّة‭ ‬والمشروعيّة،‭ ‬مثلما‭ ‬تردّد‭ ‬معظم‭ ‬أطياف‭ ‬المعارضة،‭ ‬نظرا‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬أقليّة‭ ‬الأقليّة‭ ‬من‭ ‬التونسيّين‭ ‬كانت‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعيّة‭ ‬الأخيرة‭. ‬ومن‭ ‬حقّه‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬يعتبره‭ ‬مجرّد‭ ‬ديكور‭ ‬لنظام‭ ‬سياسي‭ ‬انفرد‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬بصياغة‭ ‬تفاصيله‭ ‬من‭ ‬ألفه‭ ‬إلى‭ ‬يائه‭. ‬يمكن‭ ‬للدستوري‭ ‬الحرّ‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬طبعًا،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬يطالب‭ ‬رئيسي‭ ‬الجمهوريّة‭ ‬والبرلمان‭ ‬باتّخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونيّة‭ ‬اللازمة‭ ‬وبتحمّل‭ ‬مسؤوليّاتهما‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬وفي‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭ ‬يترّفع‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬ذكر‭ ‬صفتيهما‭ ‬الرسميّتين‭.‬

صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬تصيّد‭ ‬أخطاء‭ ‬المنافسين‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬عمل‭ ‬الأحزاب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬التشهير‭ ‬بالخصوم‭ ‬السياسيّين،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أيضا‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬التشويه‭ ‬المجاني‭ ‬للآخر،‭ ‬تحت‭ ‬شماعة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنيّة‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬تتغنى‭ ‬بها‭ ‬السلطة‭ ‬والمعارضة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬مضمون‭.‬‭.. ‬والأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الحزب‭ ‬الحرّ‭ ‬الدستوري‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬وشّح‭ ‬بيانه‭ ‬بصورة‭ ‬مفبركة‭ ‬تُظهر‭ ‬سوسن‭ ‬مبروك‭ ‬وبجانبها‭ ‬علم‭ ‬تلك‭ “‬المملكة‭” ‬وخلفها‭ ‬صورة‭ ‬ذلك‭ ‬الملك‭ ‬المزعوم‭ ‬ورئيس‭ ‬حكومته‭. ‬وهي‭ ‬صورة‭ ‬يمكن‭ ‬لشخص‭ ‬مبتدئ‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ “‬فوتوشوب‭” ‬أن‭ ‬يكتشف‭ ‬زيفها‭. ‬ولا‭ ‬ريب‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬ذلك‭ ‬يُسيء‭ ‬للحزب‭ ‬الحرّ‭ ‬الدستوري‭ ‬ولرئيسته‭ ‬عبير‭ ‬موسي‭ ‬لأنّ‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلّق‭ ‬بعمليّة‭ ‬تضليل‭ ‬وتزييف‭ ‬لا‭ ‬يرقى‭ ‬إليها‭ ‬الشكّ‭.‬

منذ‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬كتب‭ ‬المفكّر‭ ‬والروائي‭ ‬الإيطالي‭ ‬الراحل‭ ‬إمبرتو‭ ‬إيكو‭ (‬1932-2016‭) ‬ما‭ ‬يلي‭: “‬منحت‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬حقّ‭ ‬الكلام‭ ‬لفيالق‭ ‬من‭ ‬الحمقى،‭ ‬ممّن‭ ‬كانوا‭ ‬يتكلّمون‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الحانات‭ ‬بعد‭ ‬تناول‭ ‬كأسٍ‭ ‬من‭ ‬النبيذ،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتسبّبوا‭ ‬بأيّ‭ ‬ضررٍ‭ ‬للمجتمع،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬يتمّ‭ ‬إسكاتهم‭ ‬فورًا‭. ‬أمّا‭ ‬الآن‭ ‬فلهم‭ ‬الحقّ‭ ‬بالكلام‭ ‬مثلهم‭ ‬مثل‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل،‭ ‬إنّه‭ ‬غزو‭ ‬البلهاء‭”. ‬الأسوأ‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬اليوم‭ ‬أنّ‭ ‬أبرز‭ ‬الفاعلين‭ ‬السياسيّين‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬المعارضة،‭ ‬قد‭ ‬باتوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬ماكينة‭ ‬ترويج‭ ‬الحمق‭ ‬والتفاهة‭ ‬والمهاترات‭ ‬المبتذلة‭…‬

*نشر بأسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 21 مارس 2023


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING