الشارع المغاربي – في سابقة من نوعها وفي غياب الدولة: استطلاع البنك الدولي يدين السياسة النقدية الهدامة للبنك المركزي/ بقلم : جمال الدين العويديدي
Geely-GC6

في سابقة من نوعها وفي غياب الدولة: استطلاع البنك الدولي يدين السياسة النقدية الهدامة للبنك المركزي/ بقلم : جمال الدين العويديدي

قسم الأخبار

3 أكتوبر، 2020

الشارع المغاربي: منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 ووصولا إلى ما أصبح عليه الوضع بعد انتشار وباء كورونا أجمع عديد الخبراء على أن العالم دخل إلى عصر ما بعد العولمة. وقد تبين ذلك بوضوح من خلال انتخاب دونالد ترامب الذي رفع شعار “أمريكا قبل كل شيء”حيث سارعت كل الدول ذات السيادة إلى حماية اقتصادها المنتج  بكل صرامة وتحولت المسألة إلى قضايا إستراتيجية غير قابلة للنقاش وارتقت اليوم إلى مستوى حرب باردة باتت تهدد باندلاع حرب فتاكة للهيمنة على الاسواق الخارجية.

في نفس هذا الوضع العالمي المتفجر تعيش تونس حالة تفكك وانحلال للدولة الوطنية أدت إلى انتشار آفات فتاكة في مقدمتها تفشي الفساد وارتفاع نسبة الاقتصاد الموازي والتهرب الجبائي وتهريب رؤوس الأموال إلى الخارج. كما أدت إلى استبداد مأسوي لبعض المؤسسات الوطنية التي تعتبر من أهم رموز السيادة وفي مقدمتها البنك المركزي التونسي والذي أصبح يمارس سياسة هدامة للاقتصاد الوطني المنتج بطريقة مأسوية ومُمنهجة تحت ستار ما سمي ظلما بقانون “استقلالية البنك المركزي” الذي صدر في أفريل 2016 .

نتيجة لذلك تشهد البلاد منذ عدة سنوات شبه انعدام تام للاستثمار الداخلي خاصة في القطاعات المنتجة مثل الفلاحة والصناعة والخدمات بصفتها المحرك الأساسي لخلق القيمة المضافة ولخلق مواطن الشغل المستدامة ودفع النمو. هذا الوضع يمكن اعتباره نتيجة حتمية للسياسة النقدية المدمرة التي يتبعها البنك المركزي والتي طالما تعرّضنا لها بالنقد بكل موضوعية ووضوح. كما يستنتج ويتأكد من خلال استطلاعات المؤسسة الذي قام بها البنك الدولي بالتعاون مع البنك الأوروبي للتنمية (BEI) والبنك الأوروبي لإعادة الاعمار والتنمية (BERD) بصفتهما مع الأسف صاحبا الوصية على تونس مع أصحاب 615 مؤسسة صناعية مُمثّلة لجميع القطاعات ولجميع أنواع المؤسسات الصغرى منها والمتوسطة والكبرى وفي كل جهات البلاد أن العائق الاساسي أمام انعدام الاستثمار يرجع إلى عدم إمكانية النفاذ إلى التمويل المالي من طرف البنوك الخاصة والعمومية. ويأتي هذا العائق في طليعة الأسباب التي ذكرها أصحاب المؤسسات بنسبة 39 ٪ قبل سبعة أسباب أخرى تم التطرق لها حسب الأولويات من بينها تعاظم ظاهرة الفساد التي تأتي في المرتبة الثانية بنسبة 15 ٪ وعدم الاستقرار السياسي في المرتبة الثالثة بنسبة  11٪ ثم معضلة الاقتصاد الموازي بنسبة 8 ٪ ثم التكوين غير الملائم بنسبة 5 ٪ بالتوازي مع البيروقراطية الإدارية ثم الضغط الجبائي بنسبة 3 ٪ بالتوازي أيضا مع إنتاجية  العمل والدور النقابي الذي يأتي في آخر قائمة الأسباب المُعطلة للاستثمار.

هذا الاستطلاع يفند كل الدراسات الزائفة والتعاليق العقيمة التي دأب على تقديمها العديد من “المُحّللين” و”المُختصّين” بما فيهم العديد من الجامعيين في وسائل الإعلام  بجميع انواعها خدمة للمنظومة المُتنفّذة وسعيا لتضليل للشعب منذ سنة 2011 إلى اليوم من قبيل اعتبار أن تنامي “الاحتجاجات والإضرابات” كان العائق الأول للاستثمار والتنمية والتي هي وإن تواجدت فهي في الحقيقة نتيجة حتمية لتعطل الاستثمار وتنامي ظاهرة  البطالة وليست سببا فيه.

كما يبين هذا الاستطلاع مدى عقم، وبفعل فاعل سياسي تحت ضغط داخلي وخارجي، مؤسساتنا الوطنية المختصة بانجاز الدراسات الجدية  نذكر من بينها معهد الدراسات الكمية والمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية اللذين يتمتعان بكل الكفاءات للقيام بمثل هذه النوعية من الدراسات لتكون مصدر إلهام للمسؤولين في الحكومات المتعاقبة وللأحزاب السياسية ولنواب الشعب لاتخاذ كل التدابير الإصلاحية أو التعديلية الضرورية لدفع المسيرة التنموية الوطنية نحو الأفضل. هذا العقم المُمنهج يُفسّر مثلا انعدام القيام بدراسات موضوعية وجدية لتداعيات اتفاقات الشراكة التي أبرمتها تونس مع الاتحاد الأوروبي بدية من سنة 1969 ومرورا باتفاق سنة 1976 ثم اتفاق سنة 1995 الذي دمر النسيج الصناعي الوطني بدون منازع.

استطلاع البنك الدولي يُعتبر “تقرير إدانة” للسياسة النقدية “الفاشلة” للبنك المركزي التونسي

اثر صدور نتائج هذا الاستطلاع نشر مختار لعماري وهو أستاذ جامعي بكندا مقالا تحليليا مهما بإحدى الصحف التونسية بيّن فيه أن “الاستطلاع الذي أنجزه البنك الدولي يُعتبر في حد ذاته تقرير إدانة للسياسة النقدية التقشفية للبنك المركزي التونسي التي باءت بالفشل التام” حيث اعتبر “عدم حصول المؤسسات التونسية على الموارد المالية من أجل الاستثمار في تجديد التجهيزات والابتكار وخلق مواطن الشغل حالة مأسوية”.

كما أكد “أن السياسة النقدية التقشفية التي ينتهجها البنك المركزي التونسي والتي يتم انتقادها منذ ثلاثة سنوات بأكثر شدة أصبحت نتيجة هذا الاستطلاع تعتبر المسؤول عن أهم المعضلات المتعلقة بتمويل الاستثمارات للشركات الوطنية وخاصة في قطاع الصناعة”.

هذا الاستطلاع الذي  يُعبر مباشرة عن رأي أصحاب المؤسسات  يؤكد في الحقيقة كل ما كنا نقوله فعلا منذ عدة سنوات حول السياسة النقدية للبنك المركزي التي تعتبر مُدمّرة للمؤسسات الوطنية عبر فرض نسبة فائدة مديرية مفرطة جدا (7,75 – 6,75 بالمائة) مقابل 1,5 بالمائة في المغرب و2 بالمائة في الأردن و صفر بالمائة في بلدان الاتحاد الأوروبي و بين صفر و0,25 بالمائة في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أكد الاستاذ مختار لعماري أن “هذه السياسة النقدية للبنك المركزي لا تخدم الاقتصاد الوطني بقدر ما تعمل على تدمير القطاعات التي تخلق مواطن الشغل سواء منها القطاع الصناعي أو الفلاحي أو الخدماتي”…

هذه السياسة النقدية التي استفادت منها البنوك الخاصة وكذلك  البنوك العمومية بالضرورة عبر عملية احتكارية مكنتها من أرباح طائلة تعد نسبتها السنوية برقمين (بين  10 و15 بالمائة) عبر توظيف نسبة فائدة مُشطّة أيضا تتراوح بين 3 و 5 بالمائة مما جعل نسبة الفائدة المتعامل بها حاليا ترتفع لمعدل يتراوح بين 10 و13 بالمائة. كل ذلك يتم على حساب تدمير القطاعات المنتجة الفلاحية والصناعية والخدماتية الوطنية وعلى حساب النمو الاقتصادي في البلاد الذي كان بطبعه كارثيا في حدود 1٪ سنة 2019 والذي انهار إلى -21٪ اثرتفشي فيروس كوفيد-19.

كما بين هذا المقال ما كنا قد اكدنا سابقا على صفحات “الشارع المغاربي” وفي عديد المنابر الإعلامية الأخرى أن “التعلل بمقاومة التضخم الذي اعتبره البنك المركزي أهم معضلة يجب مقاومتها هو تحليل غير سليم لا يتناسب مع الوضع التونسي خاصة أن هناك خطأ في تقدير نسبة التضخم ومبالغة فيها وأنه يتم توظيفها لتأبيد نسبة الفائدة المديرية في حدود 6,75 ٪ مقابل صفر بالمائة في بلدان الاتحاد الأوروبي” أي في بلدان تربطنا معها اتفاقيات شراكة فتحت لها أبواب اسواقنا على مصراعيها منذ سنة 1996 للتنافس مع منتوجاتها وتسعى لمزيد تعميقها لتشمل كل القطاعات الفلاحية والخدماتية المتبقية مما يعتبر استخفافا بالشعب وإجراما في حق الاقتصاد الوطني وفي حق المؤسسات الوطنية العمومية والخاصة وفي حق أبنائنا في الشغل وفي العيش الكريم في وطنه.

 

البنك الدولي يتنصل من نتائج الاستطلاع ويتحول إلى لسان دفاع للتغطية على السياسة المالية المدمرة التي ينفذها البنك المركزي التونسي  خاصة منذ قانون أفريل 2016

اثر صدور هذا المقال الهام الذي اعتبر نتائج الاستطلاع مُدينة للسياسة المالية للبنك المركزي التونسي وهو حسب رأينا مُحقّ في ذلك لأننا كنا سبّاقين للتأكيد على هذه  السياسة المُدمرة لاقتصادنا الوطني، سارع البنك الدولي للرد سعيا مبدئيا للتنصل من تداعيات نتائج الاستطلاع الذي أنجزه بالتعاون مع البنوك الأوروبية المذكورة سابقا.

ما يمكن استنتاجه من هذا الرد السريع هو حسب ما يبدو حالة الفزع التي انتابت المسؤولين داخل البنك المركزي وفي مقدمتهم محافظه بالأساس الذي بالمناسبة تمسّك بالصمت وامتنع عن الرد على كل ما قدّمنا من تحاليل جدّية وموضوعية حول دور البنك المركزي التونسي سواء على مستوى ضرورة تقييم العجز التجاري طبقا للمواصفات المُعتمدة عالميا والذي ما زال يتستر على فظاعته إلى اليوم خدمة للطرف الأوروبي وكذلك على مستوى السياسة النقدية التقشفية موضوع هذا المقال التي يستفيد منها مباشرة  “كارتال البنوك الخاصة” “cartel bancaires  ” ولصالح نفس الطرف الاوروبي ايضا حيث تُسيطر فرنسا على عدة بنوك محلية تونسية نتيجة خوصصة غير سليمة والتي أصبحت بمقتضى قانون أفريل 2016 من أكبر المستفيدين من هذه السياسة النقدية الحالية التي يسعون لتأبيدها.

أمام تمسك البنك المركزي بسياسة الصمت حول هذا المقال ايضا حيث كان من الاجدر أن يردّ على لسانه لمقارعته سارعت الأطراف المعنية وحسب اعتقادنا الأطراف الأوروبية بالدرجة الأولى إلى دفع البنك الدولي لتبني الرد رسميا ليتحول إلى لسان دفاع  للتستر على هذه السياسة المدمرة التي تستهدف الاقتصاد الوطني في وضع عالمي كارثي عمقته جائحة كورونا متجاهلا كل المخاطر الاقتصادية والاجتماعية التي تتعرض لها البلاد أمام تدهور كل مؤشرات البطالة والفقر والتي أصبحت تُهدّد السلم والأمن في البلاد.

رد البنك الدولي : مغالطات تنم عن ارتباك وتنصل من مسؤوليته فيما يجري في تونس منذ سنة 1986

بالرجوع إلى شكل ومضمون رد فعل البنك الدولي نلاحظ ما يلي:

  • أولا البنك الدولي قام بالاستطلاع بطريقة تستجيب لكل المعايير الأساسية لعملية سبر آراء حسب ما بينه في بداية تقديمه نتائج هذه الاستطلاع. من هذا المنطلق يحق له ولكل طرف آخر أن يستند على هذه النتائج لتحليل الاسباب الأساسية التي تعيق تطور الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير في بلادنا. وقد تأكد عن المستفتين مباشرة أن عدم النفاذ للتمويل المالي والمُوكّل بذمة البنك المركزي والبنوك أساسا في تونس يمثل العائق الأول والأهم. لذلك يمثّل اعتبار البنك الدولي أن هذا الاستطلاع لا يقدم أي تحليل أو حكم على السياسة النقدية للبلدان قمة في التنصل من المسؤوليات لسياسة هو مصدر وجودها وفرضها على البلدان ومغالطة كبرى.
  • ثانيا ادعاء البنك الدولي في رده “أن من جملة عناصر المغالطة التي جاءت في مقال الاستاذ مختار لعماري اعتبار أن استطلاع المؤسسات لا يحتوي على أي مرجع أو إشارة للأضرار الاقتصادية الناجمة عن السياسات المالية للبنك المركزي” يعتبر أيضا مغالطة كبرى لأن الأستاذ مختار لعماري لم يدع ذلك ولكنه استنتج ذلك من خلال النتائج الواقعية لركود شبه تام للاستثمار في البلاد والتي أكد عليها الاستطلاع بكل وضوح عندما بين ان انعدام النفوذ للتمويل هو العائق الأساسي للاستثمار.
  • ثالثا اعتبار البنك الدولي أن الولوج للتمويل بصفته معضلة للقطاع الخاص لا يرتبط فقط بالتمويل البنكي هي محاولة لتعويم الموضوع خاصة انه يعلم أن الغالبية العظمى من المؤسسات الخاصة تلتجئ منذ الاستقلال إلى اليوم إلى القطاع البنكي.
  • أخيرا أطنب البنك الدولي في تقديم أرقام مقارنة بين طبيعة تمويل الاستثمار في تونس وطبيعة الاستثمار في بلدان الشرق الأوسط والحال أن الوضع يختلف تماما بطبيعته منذ انطلاقه بالنظر إلى توفر السيولة المالية والتمويل الذاتي في بلدان الشرق الأوسط خاصة منها الغنية.

تقارير البنك المركزي السنوية تفند أرقام البنك الدولي حول تمويل المؤسسات

جاء في التقرير السنوي للبنك المركزي لسنة 2019 حول جدول توزيع القروض الجارية الممنوحة للمؤسسات العمومية والخاصة ما يلي.

  • حيث يتبين أن قطاع الفلاحة لا يتحصل إلا على 4,3٪ من مجموع القروض الممنوحة
  • أن قطاع الصناعة لا يتحصل إلا على 36,6 ٪من المجموع
  • وأن المؤسسات والإدارة العمومية لا تتحصل إلا 11,9٪ من المجموع
  • بينما قطاع الخدمات وخاصة منها تجارة التوريد تتحصل 59,1٪ من مجموع القروض
  • كما ذكر تقرير سنة 2018 أن المجموعات الكبرى والتي تعني بعض العائلات المُتنفّذة تستفرد بنسبة تفوق 53٪ من مجموع القروض وهذا ما يقصي في حد ذاته الآلاف من المؤسسات الصغرى والمتوسطة من التمويل البنكي مثلما تبين بوضوح من خلال نتائج الاستطلاع الذي أصدره البنك الدولي.

كل هذه الإخلالات والتجاوزات الخطيرة تجري في صمت ووسط تغييب كامل للدولة التونسية بجميع مؤسساتها الرئاسية والحكومية والبرلمانية

إلغاء العمل بما يسمى ظلما وجورا قانون “استقلالية” البنك المركزي ووقف نزيف العجز التجاري مطلب وطني مستعجل وضروري لإنقاذ البلاد قبل فوات الأوان

هذه دعوة ملحة نسوقها إلى كل المسؤولين على رأس الدولة و إلى كل الاحزاب والمنظمات الوطنية المعنية حقيقة بوضع حد لتدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي وإلى  كل الشعب التونسي بكل فئاته خاصة منها الشبابية ليتحمل كلا مسؤوليته التاريخية نحو الوطن.


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


  • من نحن ؟
  • للإتصال بنا

اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING