الشارع المغاربي – في صفقة غامضة: الاتحاد‭ ‬الاوروبي‭ ‬يتصدى‭ ‬لانهيار ‬اقتصاد‭ ‬تونس‭ ‬بدلا‭ ‬عن‭ ‬أبنائها / بقلم: معز زيود

في صفقة غامضة: الاتحاد‭ ‬الاوروبي‭ ‬يتصدى‭ ‬لانهيار ‬اقتصاد‭ ‬تونس‭ ‬بدلا‭ ‬عن‭ ‬أبنائها / بقلم: معز زيود

قسم الأخبار

15 يونيو، 2023

الشارع المغاربي: في‭ ‬ظرف‭ ‬أيّام‭ ‬معدودة‭ ‬تغيّر‭ ‬خطاب‭ ‬الاتّحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬إزاء‭ ‬تونس،‭ ‬فخفتت‭ ‬حدّة‭ ‬النقد‭ ‬المتعلّق‭ ‬بالتطوّرات‭ ‬السياسيّة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬وتراجع‭ ‬اشتراط‭ ‬دعمها‭ ‬بحصولها‭ ‬على‭ ‬قرض‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭. ‬اجتماعات‭ ‬القمّة‭ ‬التونسيّة‭ ‬الأوروبيّة‭ ‬في‭ ‬قصر‭ ‬قرطاج‭ ‬هذا‭ ‬الأحد‭ ‬شكّلت‭ ‬منعرجا‭ ‬جديدا‭ ‬للأزمة،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬هذا‭ ‬ولا‭ ‬ذاك‭ ‬أفصح‭ ‬عن‭ ‬كافّة‭ ‬أسرارها‭…‬

خلال‭ ‬زيارته‭ ‬إلى‭ ‬تونس،‭ ‬أمس‭ ‬الأوّل‭ ‬الأحد،‭ ‬ولقائه‭ ‬برئيس‭ ‬الجمهوريّة‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد،‭ ‬عرض‭ ‬الوفد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬المتكوّن‭ ‬من‭ ‬رئيسة‭ ‬المفوّضية‭ ‬الأوروبيّة‭ ‬أورسولا‭ ‬فون‭ ‬دير‭ ‬لاين‭ ‬ورئيسي‭ ‬وزراء‭ ‬إيطاليا‭ ‬وهولندا‭ ‬جيورجيا‭ ‬ميلوني‭ ‬ومارك‭ ‬روته،‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬التونسيّة‭ ‬اتفاقَ‭ ‬تعاون‭ ‬متعدّد‭ ‬المحاور‭ ‬يشمل‭ ‬دعما‭ ‬ماليّا‭ ‬تفوق‭ ‬قيمته‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭.‬

صفقة‭ ‬غامضة

كان‭ ‬الهمّ‭ ‬الأساسي‭ ‬للوفد‭ ‬الأوروبي‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى‭ ‬معلومًا‭ ‬للقاصي‭ ‬والداني،‭ ‬ويتمثّل‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬صفقة‭ ‬سياسيّة‭ ‬مع‭ ‬تونس‭ ‬كفيلة‭ ‬بكبح‭ ‬مراكب‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين‭ ‬المنطلقين‭ ‬خصوصا‭ ‬من‭ ‬السواحل‭ ‬التونسيّة‭ ‬نحو‭ ‬الضفاف‭ ‬الشماليّة‭ ‬للمتوسّط‭. ‬ورغم‭ ‬وضوح‭ ‬الهاجس‭ ‬الأوروبي‭ ‬المعلن،‭ ‬فإنّ‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعلم‭ ‬بالتحديد‭ ‬التفاصيل‭ ‬الدقيقة‭ ‬للاتّفاق‭ ‬الحاصل‭ ‬بين‭ ‬الجانبين،‭ ‬باستثناء‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬رئيسة‭ ‬المفوّضيّة‭ ‬الأوروبيّة‭ ‬وفي‭ ‬النصّ‭ ‬المنشور‭ ‬للبيان‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬بهذه‭ ‬المناسبة‭.‬

ورغم‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬منتقدي‭ ‬سياسات‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬بشأن‭ ‬ارتهان‭ ‬القرار‭ ‬التونسي‭ ‬وابتزاز‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬للدولة‭ ‬التونسيّة‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مجرّد‭ ‬نقطة‭ ‬حراسة‭ ‬حدوديّة‭ ‬متقدّمة‭ ‬جنوب‭ ‬المتوسّط،‭ ‬فإنّها‭ ‬بدت‭ ‬بمثابة‭ “‬تهويمات‭” ‬عامّة‭ ‬تهدف‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬إلى‭ ‬تسجيل‭ ‬نقاط‭ ‬سياسيّة‭ ‬ضدّ‭ ‬الرئيس‭ ‬وحكومته‭.‬

وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬تصريحات‭ ‬أعضاء‭ ‬الوفد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬وفي‭ ‬مقدّمتهم‭ ‬رئيسة‭ ‬المفوّضيّة‭ ‬الأوروبيّة،‭ ‬فإنّ‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬فيها‭ ‬يُعطي‭ ‬صورة‭ ‬دقيقة‭ ‬عن‭ ‬فحوى‭ ‬الاتّفاق‭ ‬ويكشف‭ ‬ما‭ ‬يُروّج‭ ‬بشأن‭ ‬عمليّة‭ ‬الاختراق‭ ‬الجسيمة‭ ‬التي‭ ‬حقّقها‭ ‬الأوروبيّون‭ ‬في‭ ‬قضيّة‭ ‬الهجرة،‭ ‬ممّا‭ ‬يشي‭ ‬بخطورة‭ ‬انتهاك‭ ‬سيادة‭ ‬الدولة‭ ‬التونسيّة‭ ‬وابتزازها‭ ‬بعمليّة‭ ‬مقايضة‭ ‬معلنة،‭ ‬مقابل‭ ‬إنقاذ‭ ‬اقتصادها‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الانهيار‭ ‬الوشيك‭ ‬وإعلان‭ ‬إفلاسها‭. ‬فالدعم‭ ‬الذي‭ ‬أعلنته‭ ‬رئيسة‭ ‬المفوّضيّة‭ ‬الأوروبيّة‭ ‬لفائدة‭ ‬تونس‭ ‬يمكن‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬تمكين‭ ‬تونس‭ ‬من‭ ‬150‭ ‬مليون‭ ‬يورو‭ ‬بشكل‭ ‬فوري‭ ‬لدعم‭ ‬الميزانيّة،‭ ‬وتخصيص‭ ‬مبلغ‭ ‬100‭ ‬مليون‭ ‬يورو‭ ‬أخرى‭ “‬لمساعدة‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الحدود‭ ‬وتنفيذ‭ ‬عمليّات‭ ‬الإنقاذ‭”‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعتزم‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬منح‭ ‬تونس‭ ‬دعما‭ ‬أكبر‭ ‬تُناهز‭ ‬قيمته‭ ‬900‭ ‬مليون‭ ‬يورو‭ ‬سيُوظّف‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬وتطويره‭ ‬وذلك‭ “‬بعد‭ ‬التوصّل‭ ‬إلى‭ ‬اتّفاق‭ ‬في‭ ‬أقرب‭ ‬وقت‭ ‬ممكن‭”. ‬والمقصود‭ ‬بذلك‭ ‬أنّ‭ ‬رصد‭ ‬هذا‭ “‬الدعم‭” ‬لن‭ ‬يتمّ‭ ‬إلّا‭ ‬بعد‭ ‬إبرام‭ ‬اتفاقيّة‭ ‬القرض‭ ‬مع‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭. ‬وهنا‭ ‬تحديدا‭ ‬يكمن‭ ‬الشرط‭ ‬المعلوم‭ ‬لدى‭ ‬الجميع‭ ‬لأنّ‭ ‬الاتّحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬لن‭ ‬ينخرط‭ ‬بأيّ‭ ‬حال‭ ‬في‭ ‬عمليّة‭ ‬لَيِّ‭ ‬ذراع‭ ‬المؤسّسة‭ ‬الماليّة‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ولن‭ ‬يُغامر‭ ‬بالوقوع‭ ‬في‭ ‬تضارب‭ ‬مع‭ ‬منطق‭ ‬المعاملات‭ ‬الماليّة‭ ‬للغرب‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬كما‭ ‬لن‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬إرادة‭ ‬واشنطن‭ ‬التي‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬باعتبارها‭ ‬أكبر‭ ‬المساهمين‭ ‬فيه‭.‬

وكما‭ ‬يقول‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ ‬التونسي‭ ‬الشهير‭: “‬ما‭ ‬ثمّاش‭ ‬قطوس‭ ‬يصطاد‭ ‬لربيّ‭”. ‬فقد‭ ‬كشف‭ “‬البيان‭ ‬المشترك‭” ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬زيارة‭ ‬الوفد‭ ‬الأوروبي‭ ‬نواياه،‭ ‬إذ‭ ‬نصّ‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ “‬من‭ ‬أولويّات‭ ‬عملنا‭ ‬المشترك‭ ‬بشأن‭ ‬الهجرة‭… ‬إعادة‭ ‬القبول‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬الاحترام‭ ‬الكامل‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭”‬،‭ ‬أي‭ ‬قبول‭ ‬السلطات‭ ‬التونسيّة‭ ‬باستقبال‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميّين‭ ‬المنطلقين‭ ‬من‭ ‬سواحلها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يتمّ‭ ‬احتجازهم‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬ثمّ‭ ‬ترحيلهم‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭. ‬وكان‭ ‬وكيل‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬الإيطالية‭ ‬نيكولا‭ ‬مولتيني‭ ‬قد‭ ‬صرّح‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬بأن‭ “‬ليبيا‭ ‬ليست‭ ‬دولة‭ ‬آمنة‭… ‬ولكن‭ ‬يمكن‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬موانئ‭ ‬آمنة‭ ‬لإجراء‭ ‬عمليّات‭ ‬إعادةٍ‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬أو‭ ‬الطرد‭ ‬أو‭ ‬مكان‭ ‬لإقامة‭ ‬مراكز‭ ‬استقبال‭ ‬لتقديم‭ ‬طلبات‭ ‬اللجوء‭”. ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬هنا‭ ‬أنّ‭ ‬المقصود‭ ‬بالموانئ‭ ‬الآمنة‭ ‬هو‭ ‬تونس‭.‬

وليس‭ ‬غريبًا‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬يتضمّن‭ ‬العرض‭ ‬الأوروبي‭ ‬بعض‭ ‬المسكّنات‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إقناع‭ ‬الجانب‭ ‬التونسي‭ ‬بالمضيّ‭ ‬قدما‭ ‬في‭ ‬إبرام‭ ‬اتّفاق‭ ‬شامل‭ ‬جديد،‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬مكافحة‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظاميّة،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬تأكيد‭ ‬اعتزام‭ ‬الاتّحاد‭ ‬الأوروبي‭ “‬دعم‭ ‬فئة‭ ‬الطلبة‭ ‬والكفاءات‭ ‬التونسية‭ ‬الشابّة‭ ‬وتوفير‭ ‬فرص‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭… ‬ورصد‭ ‬مبلغ‭ ‬10‭ ‬مليون‭ ‬يورو‭ ‬للغرض‭”. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬عمليّات‭ ‬الهجرة‭ ‬السريّة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تضمّ‭ ‬غالبا‭ ‬الكفاءات‭ ‬العليا،‭ ‬بل‭ ‬يتكوّن‭ ‬معظم‭ ‬مرتاديها‭ ‬من‭ ‬العاطلين‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬وممّن‭ ‬لا‭ ‬يحوزون‭ ‬الاختصاصات‭ ‬التي‭ ‬يطلبها‭ ‬الأوروبيّون‭ ‬مثل‭ ‬قطاعي‭ ‬الصحّة‭ ‬والهندسة‭. ‬ومعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬لن‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬عمليّات‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظاميّة،‭ ‬إلّا‭ ‬في‭ ‬التزمت‭ ‬حال‭ ‬السلطات‭ ‬التونسيّة‭ ‬بتعزيز‭ ‬جهود‭ ‬إجهاضها‭.‬

وفي‭ ‬المحصّلة،‭ ‬فإنّه‭ ‬من‭ ‬المستبعد‭ ‬أن‭ ‬ترفض‭ ‬تونس‭ ‬هذا‭ ‬الاتّفاق،‭ ‬على‭ ‬علاّته‭ ‬العديدة،‭ ‬نظرا‭ ‬إلى‭ ‬تراكم‭ ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬خيارات‭ ‬بديلة‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬مزيد‭ ‬تصعيد‭ ‬الأزمة‭ ‬الماليّة‭ ‬الخانقة‭ ‬للدولة‭ ‬التونسيّة‭ ‬ووصولها‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬اللاعودة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تُفسّره‭ ‬الفقرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ “‬البيان‭ ‬المشترك‭” ‬التي‭ ‬تذكر‭ ‬أنّه‭ ‬تمّ‭ ‬تكليف‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬التونسي‭ ‬والمفوّض‭ ‬الأوروبي‭ ‬للجوار‭ ‬والتوسّع‭ ‬بـ‭”‬إعداد‭ ‬مذكّرة‭ ‬تفاهم‭ ‬حول‭ ‬حزمة‭ ‬الشراكة‭ ‬الشاملة،‭ ‬يتمّ‭ ‬اعتمادها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬تونس‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬قبل‭ ‬موفّى‭ ‬شهر‭ ‬جوان‭ ‬2023‭”.‬

وعموما،‭ ‬فإنّه‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدوليّة‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬اتّفاقيات‭ ‬دائمة‭ ‬ونهائيّة‭ ‬إلى‭ ‬الأبد،‭ ‬وكما‭ ‬جرى‭ ‬اليوم‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬اعتزام‭ ‬الجانبين‭ ‬التونسي‭ ‬والأوروبي‭ ‬مراجعة‭ ‬اتفاق‭ ‬الشراكة‭ ‬الراهن‭ ‬وتطويره،‭ ‬فإنّه‭ ‬يمكن‭ ‬مستقبلا‭ ‬مراجعة‭ ‬الاتّفاق‭ ‬الجديد،‭ ‬لاسيّما‭ ‬أنّ‭ ‬الهمّ‭ ‬الأكبر‭ ‬لدى‭ ‬السلطات‭ ‬التونسيّة‭ ‬اليوم‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬كيفيّة‭ ‬الخروج‭ ‬أوّلا‭ ‬من‭ ‬عنق‭ ‬الزجاجة‭ ‬والحدّ‭ ‬من‭ ‬اختلال‭ ‬توازنات‭ ‬الماليّة‭ ‬العموميّة‭ ‬والتمكّن‭ ‬من‭ ‬سداد‭ ‬القروض‭ ‬الخارجيّة‭ ‬في‭ ‬أوانها،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬توفير‭ ‬السيولة‭ ‬اللازمة‭ ‬لتوريد‭ ‬المواد‭ ‬الأساسيّة‭ ‬العاجلة‭ ‬وإعادة‭ ‬عجلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المتعثّرة‭ ‬إلى‭ ‬الدوران‭ ‬وإقرار‭ ‬إجراءات‭ ‬جديدة‭ ‬لدفع‭ ‬الاستثمار،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬المُضيّ‭ ‬في‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تعرّض‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬هزّات‭ ‬اجتماعيّة‭ ‬قد‭ ‬تُهدّد‭ ‬الاستقرار‭ ‬الحكومي‭.‬

على‭ ‬نار‭ ‬هادئة

من‭ ‬الواضح‭ ‬إذن‭ ‬أنّ‭ ‬الاتّفاق‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬التونسي‭ ‬والأوروبي،‭ ‬وما‭ ‬يتضمّنه‭ ‬من‭ ‬برنامج‭ ‬دعم،‭ ‬إنّما‭ ‬طُبخت‭ ‬تفاصيله‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬نارٍ‭ ‬هادئة‭ ‬عملا‭ ‬بالحديث‭ ‬القائل‭: “‬واستعينوا‭ ‬على‭ ‬قضاء‭ ‬حوائجكم‭ ‬بالكتمان‭”. ‬والحال‭ ‬كذلك،‭ ‬ماذا‭ ‬يُبرّر‭ ‬قولنا‭ ‬إنّ‭ ‬خطاب‭ ‬الاتّحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬حيال‭ ‬تونس‭ ‬وانخراطه‭ ‬في‭ ‬عمليّة‭ ‬إنقاذ‭ ‬الدولة‭ ‬التونسيّة‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭ ‬قد‭ ‬شهد‭ ‬تطوّرا‭ ‬كبيرا‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭!‬؟‭ ‬

ينبغي‭ ‬هنا‭ ‬ألّا‭ ‬ننسى‭ ‬أنّ‭ ‬وزيرة‭ ‬الماليّة‭ ‬سهام‭ ‬بوغديري‭ ‬نمصية‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬حذّرت،‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬أمام‭ ‬جلسة‭ ‬عامّة‭ ‬للبرلمان،‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬إعلان‭ ‬البلاد‭ “‬الإفلاس‭” ‬في‭ ‬حال‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬سداد‭ ‬القروض‭ ‬الخارجيّة‭. ‬تصريح‭ ‬رسمي‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إطلاقا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عفويّا،‭ ‬بل‭ ‬شكّل‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬ربّما‭ ‬تمّ‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬فحواها‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬هرم‭ ‬السلطة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تمّ‭ ‬التقاطه‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاتّحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬قبل‭ ‬التباحث‭ ‬حوله‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إيجاد‭ ‬المخارج‭ ‬الممكنة‭ ‬لهذه‭ ‬الأزمة‭ ‬الملتهبة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تتراءى‭ ‬أمامنا‭ ‬دواعي‭ ‬عدم‭ ‬خوض‭ ‬الوفد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭ ‬السياسيّة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تجنّب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مسألة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتمّ‭ ‬التطرّق‭ ‬إليها‭ ‬إلّا‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬المعاملة‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬للمهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميّين‭. ‬فعلى‭ ‬غير‭ ‬العادة،‭ ‬تجاهل‭ ‬الوفد‭ ‬الأوروبي‭ ‬بشكل‭ ‬مقصود‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الشأن‭ ‬السياسي‭ ‬التونسي‭. ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يلتفت‭ ‬إلى‭ ‬مطالب‭ ‬المعارضة‭ ‬التونسيّة‭ ‬ولو‭ ‬بكلمة‭ ‬أو‭ ‬تلميح‭ ‬أو‭ ‬إشارة‭ ‬واحدة‭. ‬وهي‭ ‬مسألة‭ ‬مدروسة‭ ‬جيّدا،‭ ‬ولعلّها‭ ‬أخذت‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬تجنّب‭ ‬ردّ‭ ‬فعل‭ ‬غير‭ ‬منتظر‭ ‬قد‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬ويدفعه‭ ‬إلى‭ ‬تكرار‭ “‬خطاب‭ ‬السيادة‭”. ‬ومن‭ ‬ثمّة‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬إمكانيّة‭ ‬تحقيق‭ ‬تقدّم‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭. ‬ولا‭ ‬يخفى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬أنّ‭ ‬أورسولا‭ ‬فون‭ ‬دير‭ ‬لاين‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أثنت‭ ‬على‭ “‬الحفاوة‭ ‬التي‭ ‬لقيها‭ ‬الوفد‭ ‬الأوروبي‭”‬،‭ ‬ممّا‭ ‬شجّعه‭ ‬على‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ “‬نقاش‭ ‬كبير‭” ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭. ‬وذكّرت‭ ‬أيضا‭ ‬بأنّ‭ “‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬دعّم‭ ‬رحلة‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وهو‭ ‬لئن‭ ‬كان‭ ‬طريقا‭ ‬وعرًا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬فإنّ‭ ‬تلك‭ ‬الصعوبات‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها،‭ ‬ومن‭ ‬مصلحتنا‭ ‬المشتركة‭ ‬أن‭ ‬ندعّم‭ ‬علاقاتنا‭ ‬وأن‭ ‬نستثمر‭ ‬في‭ ‬الازدهار‭ ‬والاستقرار‭”. ‬

هنا‭ ‬يكمن‭ ‬بيت‭ ‬القصيد،‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أنّ‭ ‬الجانب‭ ‬الإيطالي،‭ ‬باعتباره‭ ‬الأكثر‭ ‬تضرّرًا‭ ‬من‭ ‬موجات‭ ‬الهجرة‭ ‬السريّة،‭ ‬قد‭ ‬اضطلع‭ ‬بدور‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬الأوّلي‭. ‬ولا‭ ‬شكّ‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬هناك‭ ‬خلافات‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭ ‬الأوروبي‭ ‬بهذا‭ ‬الشأن،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الحكومة‭ ‬الإيطاليّة‭ ‬نجحت‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬كبح‭ ‬جماحها،‭ ‬وربّما‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬المواقف‭ ‬الفرنسيّة‭ ‬والألمانيّة‭ ‬الحادّة‭ ‬إزاء‭ ‬السياسات‭ ‬الداخليّة‭ ‬للرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬ومواقفه‭ ‬حيال‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭.‬

لا‭ ‬يخفى،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضمار،‭ ‬أنّ‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيطالي‭ ‬أنطونيو‭ ‬تاياني‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬توجّه‭ ‬إلى‭ ‬واشنطن‭ ‬للتباحث‭ ‬مع‭ ‬نظيره‭ ‬الأمريكي‭ ‬أنطوني‭ ‬بلينكين‭ ‬ومديرة‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬حول‭ ‬اتفاق‭ ‬القرض‭ ‬المنشود‭ ‬مع‭ ‬تونس،‭ ‬وذلك‭ ‬تزامنا‭ ‬مع‭ ‬مباحثات‭ ‬رئيسة‭ ‬حكومته‭ ‬في‭ ‬قرطاج‭ ‬ضمن‭ ‬الوفد‭ ‬الأوروبي‭. ‬فقد‭ ‬أكّد‭ ‬تاياني‭ ‬على‭ “‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصاديّة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬بشكل‭ ‬فوري‭”‬،‭ ‬قائلا‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬مع‭ ‬صحيفة‭ “‬لاريبوبليكا‭” ‬الإيطاليّة‭ ‬إنّه‭ ‬على‭ “‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬براغماتي‭ ‬وليس‭ ‬أيديولوجي‭ ‬لهذه‭ ‬المسألة،‭ ‬وأن‭ ‬ينطلق‭ ‬في‭ ‬صرف‭ ‬التمويل‭ ‬مقابل‭ ‬إطلاق‭ ‬برنامج‭ ‬الإصلاحات،‭ ‬أي‭ ‬ضمان‭ ‬تمويل‭ ‬على‭ ‬أقساط‭”. ‬كما‭ ‬أضاف‭ ‬أنّه‭ “‬يتفهّم‭ ‬صعوبة‭ ‬قبول‭ ‬الحكومة‭ ‬التونسيّة‭ ‬بمطلب‭ ‬رفع‭ ‬الدعم‭ ‬عن‭ ‬الخبز‭ ‬خشية‭ ‬خطر‭ ‬أن‭ ‬يتفاقم‭ ‬الفقر‭”‬،‭ ‬ممّا‭ ‬يؤكّد‭ ‬مساندة‭ ‬إيطاليا‭ ‬للمطلب‭ ‬التونسي‭ ‬بمراجعة‭ ‬شروط‭ ‬المؤسّسة‭ ‬الدوليّة‭. ‬وبالفعل‭ ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬الردّ‭ ‬الأمريكي‭ ‬سريعا‭ ‬بالأمس،‭ ‬إذ‭ ‬علّق‭ ‬وزير‭ ‬الخارجيّة‭ ‬الأمريكي‭ “‬نُرحّب‭ ‬بشدّة‭ ‬بتقديم‭ ‬الحكومة‭ ‬التونسيّة‭ ‬خطّة‭ ‬إصلاح‭ ‬معدّلة‭ ‬إلى‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬وبأن‭ ‬يتمكن‭ ‬الصندوق‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬الخطّة‭ ‬المقدمة‭”‬،‭ ‬مضيفا‭ ‬أنّه‭ “‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬المساعدة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تريد‭ ‬تجنّب‭ ‬انهيار‭ ‬اقتصادي‭”…‬

تعكس‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬إذن‭ ‬بواعث‭ ‬القلق‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬الأوروبيّين‭ ‬إلى‭ ‬الجري‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تفادي‭ ‬انهيار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يستتبعه‭ ‬من‭ ‬انعكاسات‭ ‬خطيرة‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬الهجرة‭ ‬السريّة‭. ‬عمليّة‭ ‬إنقاذ‭ ‬قيصريّة‭ ‬جاءت‭ ‬نتيجة‭ ‬عجز‭ ‬السلطات‭ ‬التونسيّة‭ ‬عن‭ ‬إجرائها،‭ ‬فالتقت‭ ‬رياح‭ ‬الشمال‭ ‬لتُلزم‭ ‬الدولة‭ ‬التونسيّة‭ ‬بصفقة‭ ‬مؤقّتة‭ ‬لم‭ ‬تبُح‭ ‬بعد‭ ‬بكافّة‭ ‬أسرارها‭ ‬وتبعاتها‭…‬

*نشر باسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 13 جوان 2023


اقرأ أيضا

الشارع المغاربي


اشترك في نشرتنا الإخبارية



© 2020 الشارع المغاربي. كل الحقوق محفوظة. بدعم من B&B ADVERTISING